مرحبا بكم في موقع الفنان والناقد التشكيلي شوكت الربيعي @ اطلعوا على كتاباته ولوحاته الفنية ومواضيعه الصحفية الفنان والناقد شــــــــــــوكت الربيـــعي - مدونة الفنان والناقد شــــــــــــوكت الربيـــعي - مدونة

الفنان والناقد شــــــــــــوكت الربيـــعي

ثلاثية أحزان القصب ( 32)تأليف شوكت الربيعي- المثقف- 14/ 9/ 2008م -

2008/9/15 .. 0 التعليقات .. رابط

ثلاثية أحزان القصب ( 32)تأليف شوكت الربيعي- المثقف- 14/ 9/ 2008م -

ثلاثية الأحزان (32)

أرسل لصديق
شوكت الربيعي- المثقف   
Sunday, 14 September 2008

الواقعية في الأدب والفن: الأداء الفني، العناية بالتركيب والأسلوب والاضاءات النقدية، التقنية الشكلية والدلالية والجمالية، آلية القصة القصيرة . 

 

رؤى حديثة في الشعر والقصة القصيرة والفنون التشكيلية والسينما في عمان.

 

 (القصة الاجتماعية والقصة الرومانسية) في عمان والخليج العربي.

 (1) - تجربة متميزة .. (عبدالله الطائي 1924 ـ 1973). والصوت العماني.. و"نصوص المنفى"

كان يعنينا الربط جماليا بين تجربة المنفى ونصوص عبد الله الطائي القصصية ولواعجه الشعرية في القلق والحنين للوطن. لكي نتقرب إلى ادبه وفنه زلفى. ولهذا ادرجنا تجربته في سياق الحديث عن نصوص الغربة والمنفى وموائمتها مع تجربة سالمة بنت سعيد . ونحن على دراية وعلم وبينة بالفروق والحوافز والاسباب الواضحة . (لعل مجرد الاطلاع على ألف ليلة وليلة وكتاب "الجواري والغلمان" للجاحظ، و"الاغاني للاصفهاني" و"يتيمة الدهر" للثعالبي يكشف عن مجال الحريات الواسع الذي كانت تتحرك فيه الجواري ويحققن ذواتهن من خلاله وفيه بعد أن حرمن وضعية المرأة الحرة والمكبلة بحريتها "الاسمية" أو "الشكلية".. وهنا دلالة التناقض بين التسميات والوقائع ) ان حيوية الذاكرة تقابل وتدعم وهن وضعف الجسد المهدد بالموت فى الغربة وان نص الماضي يستحضر فى الحاضر ليشكل فى المستقبل فضاء لغويا مؤثثا بالمرايا الجميلة التي تسمح للحاضر برؤية ما لم نتمكن من رؤيته من صور الاسلاف ومأثرهم وقيمهم الحضارية، فما تختزنه هذه الذاكرة المترعة من تفاصيل يمثل عنصر حياة يجعل الجسد يقوى على مجابهة شبح الموت، بل ويؤكد استمرار يته عبر هذا النص - المتن الذي تدونه الكاتبة ليقرأه ابناؤها من بعدها، وهم ضمان استمرارية بيولوجية وجودية تنضاف الى تلك الاستمرارية الرمزية التي يمثلها النص، وحينما نعود الى مقاطع من هذه المذكرات نكتشف ان مخاوف التنائي عن الاصول والمنابع والانقطاع عن الجذور عميقة جدا فى وعى ولا وعى سالمة بنت سعيد حتى لكأن المنفى لعنة تطاردها كما تطارد الاقدار القاسية ابطال التراجيديات الاغريقية:(ألم تر كيف دونت المغامرة المدهشة التي حفرت في شغاف قلبها ووحزت فوق الواح طين ذاكرتها الاحزان المتراكمة في يومياتها، إذ الأمر يتعلق بحوادث أصبحت في ذمة الماضي المتباعد كما إن غايتنا لم تكن تتجه إلى قراءة الثيمات والابعاد الدلالية لهذا النص الغني والريادي والذي (اعتقد أنه يستحق أكثر من قراءة).. بينما يكون تبرير الدعوة المستقبلية شأنا جوهريا مع نصوص منفى الأديب عبد الله الطائي: المولود عام 1924 إذ هو من الكتاب الرواد في مجال كتابة القصة القصيرة في عمان وفي الخليج أيضا، حيث بدأ كتابة القصة منذ الأربعينات من القرن العشرين، ويغلب على موضوعاته التوجه القومي السائد في تلك الفترة، وكانت موضوعاته المحلية تمثل الأوضاع ما قبل نهضة 1970م وإنتاجه بهذا لا ينتمي إلى جيل ما بعد ذلك، ولكنه يمثل مرحلة الريادة الأولى والمبكرة جدا في تاريخ الأدب الحديث في سلطنة عمان. التي تعكس الأوضاع الاجتماعية والمعاشية للفرد العماني. إضافة إلى الكتابة عن أوضاع الفلسطينيين بين المهجر ووطنهم المحتل. وتلك هي بؤرة وغائية موضوع الغربة والاغتراب والنفي والحنين للأهل والوطن في أية صورة ما شاءت المعاناة ان تنبثق وتتفجر وتفيض: " ان الشخص الذي هاجر عن وطنه عنوة واضطرارا في بئر المنفى المظلمة، يظل محاصرا بأسئلة لحوحة كثيرة تذكره بغربته وها مشيته وتطالب بالكشف عن اسباب هجرته من هناك الى هنا، والانفصال عن اولئك والاتصال بهؤلاء وهكذا يجد نفسه مدفوعا باستمرار الى تبرير وضعيته الطارئة بما يعلى من قيمة التجربة الانسانية التي يعيشها ويعمل على تأويلها من منظور ايجابي، بحثا عن تفهم الآخرين له، وكسبا لتعاطفهم مع مثال الانا، لديه في مجال السّيرة الذّاتيّة النفسية وخدمة للاهداف التى يتدفق نحوها ليبيدو الانا (*). فتظهر نصوص تمثل فيها قصة المنفى هذه عنصر التشاكل الاساسي كما اشرنا اليه من قبل من هنا ومن وجهة نظر تاريخية. (ان المنفى هو فضاء اللا انتماء بامتياز لكن كثيرا من الكتاب والمفكرين القدماء والمحدثين يختارون هذه الوضعية توقا الى حرية العقل والجسد واللسان وهذا تحديدا ما يميزهم عمن يختار المنفى طلبا للرزق او للمتع الغرائبية). تشرح ايلي رغلاند - سوليفان استخدام لاكان لمصطلحى- ego ideal ego ideal فى كتابها ("علم النفس الجمعى وتحليل الانا" الصادر عام 1921 اشار لاكان الى الاستثمار النرجسى فى النفس على اعتباره انا مثالية، اما الاهداف التى يتدفق نحوها ليبيدو الانا، فقد اشار اليها على انها مثال الانا، انظر ايضا استخدام لاكان لهذين المصطلحين فى كتابه "المبادىء الاربعة الرئيسية فى التحليل النفسى" فى الاخر انما يتشكل الموضع كمثال بحيث يصبح لزاما عليه ان ينظم تتمة ما ينشأ كأنا او كأنا مثالية التى هى ليست مثال الأنا - اى ان يشكل ذاته فى حقيقته المتخيلة" علاوة على ذلك كما تلاحظ رغلاند - سوليفان فإن فرويد قد خلط ما بين الانا المثالية ومثال الانا واعتبرهما كأهداف للرغبة التى تمثل اشباعا للامنية لقد اتجهت جهود لاكان فى الاتجاه المضاد فهو يحاول ان يحتفظ بمسافة بين الانا والمثالية ومثال الانا "الانا البديل " وان يفصلهما كليهما عن آلية ألرغبة) وهذا ماحاول أن يحققه الطائي في تبرير عودته للوطن. أي ان: "يشكل ذاته فى حقيقته المتخيلة" وخلط ما بين الانا المثالية ومثال الانا واعتبرهما كأهداف للرغبة التى تمثل اشباعا للأمنية).(مارك بيزاتو) ترجمة / نعيم عاشور (كاتب ومترجم من البحرين) (*)

 

إنّ السّيرة الذّاتيّة النفسية عند الطائي (قاصا) تشي بالأنا المثالية و(بأشكال سرديّة متنوّعة)، وبالوجود الخاصّ والعامّ، وذلك عندما يركّز الكاتب على حياته الفرديّة والجماعيّة وعلى تاريخ شخصيّته الجزئي أو الكلّي لأنها قدمت فهما لمعنى السياق المركب: أي (الرؤى التركيبية) ضمن منطلقات المضامين السردية الاجتماعية البسيطة أنذاك، والجوهرية في حسابات المواقف الفكرية الملتزمة بقضايا المجتمع. ولكنها لا تعني الواقعية تماما، إذ هو يدرك ويرى في اسلوب الواقعية أساسا للأدب وأساليبه، ودلالته مع الموضوع الاجتماعي وأغراضه وأهدافه وتطلعاته المستقبلية. وما تجسدت تلك القيم إلا بوجود تجارب الرواد الذين حرثوا الأرض البكر وزرعوها بخبرتهم ومعاناتهم ونجاحهم منذ بواكير القرن العشرين المنصرم.. وليس غريبا أن نجدها امتدادا واهنا لتاثير الواقعية في الادب الروسي والأوروبي، قبل ثلاثة قرون، كما نجد ذلك التأثر، بالنسبة للواقعية في الأدب العربي، جليا متعثرا مرتبكا في محاولات كتاب القصة القصيرة العرب. (..لقد ظلت التفاصيل الواقعية في القصة الاجتماعية الإصلاحية رتيبة غير قادرة على استبطان الأعماق الداخلية للشخصيات، حتى باتت تتحرك غالباً بمعزل عن واقع التفاصيل . أما القصة الرومانسية فقد كانت تفاصيلها الواقعية تتحرك مع حركة العواطف الذاتية للكاتب الاجتماعي. ولم تغادر القصّة شبكة الحكاية الساذجة المروية من السطح، المتناقلة شفاها من قبل الأميين، والمزمع تدوينها لاحقا. ابتداء من منطقة الطفولة وتعبر مداراتها باتجاه عالم النضج الفني بحثا عن صياغة معمارية لشخوص القص والرواية، بل تنفلت أعمدة البناء الشكلي للعمل الدرامي ويفقد الكاتب توازنه ولا يكاد يبصر الأمور بمنظور لاهو بالواقعي لا هو بالحديث أو التجريدي. وبمثل هذا العالم يزدحم الخطاب السردي بالإشارات المشوشة والمقيتة التي تقود إلى فقدان التواصل وسوء الفهم . ولايجد الكاتب من سبيل إلى معالجة نصوصه غير الهرب إلى الأمام عن طريق البناء السردي القائم على حكائية سمجة بمحتواها المفتعل، وعلى تفاصيل الواقع الخارجي والمترجم لحقيقته الداخلية والذي يعجز عن ايجاد وسيلة تعبير فنية تصله بعالمه المرتجى والمشتهى والمأمول. . وكانت أعوام العقدين الرابع والخامس من القرن الماضي، تحمل تفاعلات الأساليب والاتجاهات السائدة في مرحلة نشوء وتحول مكونات المجتمع، منعكسة في أعمال الرعيل الأول من كتاب القصة والشعر والأدب والفنون التشكيلية. في معالجة قضايا المجتمع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وهذا ما خلق لدى كتاب القصة القصيرة والفنانين نزعة ظاهرية تتجه نحو تصوير الواقع: ملامسته دون التغلغل في بنيته، في حين تتلبَّد وراءها رواسب البداية لفن مستحدث ليست له تقاليد في وجدان المجتمع العربي وفي تاريخه بالصورة المتعارف عليها الآن. وظلت رواسب الدور الإصلاحي الناهض، ورواسب القلق والنكوص أمام انهيار الواقع وترنحه من أثر الاصطدام بالتخلف وبسيطرة الأنظمة السياسية الفردية كل ذلك بات يشكل عوامل حقيقية أبعدت معظم كتاب القصة القصيرة في تلك الفترة عن التعبير المدرك لمعاني الأدب الواقعي، أو في الأقل التوصل إلى جذور الواقعية الفنية. ولكن وبالرغم من ذلك، فإن تلك النزعة الظاهرية، كانت قد عبرت عن هاجس المرحلة التاريخية القائمة . تلك المرحلة التي كانت تضع اعتباراتها الفنية دون شك ضمن واقع نشأة فن القصة القصيرة، وما رافقها عادة من مظاهر الاضطراب والتقبل للمفاهيم الشائعة، وإن كانت روابطها بطبيعة الخلق الفني ضعيفة، أو قليلة الشأن. وندرك حدود الهاجس في النزعة إلى الواقع، كما أسفرت عنه قصص الاتجاه الاجتماعي في (إصرار معظم الكتاب على أن حوادث قصصهم ذات صلة حميمة بالواقع الاجتماعي، وأنهم إنما يصورون هذا الواقع.)(1). فقد كثرت لديهم أمثال هذه المقدمات أو العبارات التي يصدرون بها القصص، مثلا: يكتبون / هذه قصة (من صميم الواقع، / من المجتمع، / من مآسي الحياة، / من القصص الواقعي، / من عدسة الحياة التائهة، / من قصصنا الشعبي / وسوى ذلك كثير..) (2) وكانت مثل هذه العبارات تشير إلى الجانب الفوتوغرافي في صياغة القصة القصيرة، دون شك، إذ أن الاتصال بالواقع هنا لم يكن قائماً على أسس نظرية ومواقف فكرية من القضايا العامة، بل كان قائماً على التقاط المشاكل الجاهزة التي يكون من السهل على الكاتب أن يتناولها ويلاحق نماذجها البشرية . وهناك عدد من كتاب القصة القصيرة يستهدفون هذه الفكرة بصورة مباشرة في إشاراتهم التي يذكرونها (بين يدي القارئ) في مقدمة القصة، وكأنهم يريدون أن يؤكدوا لنا ارتباطهم بالواقع الاجتماعي أو بواقع النماذج التي يصورونها (3). . وقد جمع الأديب عبد الله الطائي بعض محاولاته القصصية التي كان يظنها تعبر عن مواقف فكرية ناقدة تحتوي غيبيات مرفوضة لديه ومستلة من بيئة متخلفة لاتعني العلم والتقدم في القضايا الاجتماعية العامة، رصفها في مجموعة قصصية تحت عنوان المغلغل . وكانت تتكون من أربع قصص قصيرة فقط وهي (دوار جامع الحسين وقصة عبد البديع وضريبة الغربة والمغلغل)، ولعلها كانت أول مجموعة قصصية عمانية بالمعنى الحديث إلى حد ما، وإذا قارنا بين فن القصة القصيرة كما تمثلها هذه النماذج الأربعة، والفن الروائي عند عبد الله الطائي كما تمثله روايتاه ملائكة الجبل الأخضر (*) والشراع الكبير، لأدركنا أنه يمتلك النفس والوهج والبناء الروائي قبل أن يكون كاتبا للقصة القصيرة، فنجح في تصوير المناخ الأسري القريب من واقع البيئة العمانية والخليجية التي عاش فيها أثناء فترة الستينيات ومن بينها كانت قصة (المغلغل) التي تميزت برمزية اشارية لتفاصيل اجتماعية وميثولوجية وغيبية:(المغلغل يا أمي المغلغل- أي مغلغل يا أبني؟ حتى في الحمام المغلغل؟- نعم يا أمي في كل مكان، شوفي شوفي … المغلغل).قررت الأم أن تأخذ ولدها إلى المطوع يكتب له تعويذة عن المغلغل، وعاد أبوه من المسجد، فحدثته له عن أوهام وهواجس أبنه وتخيلاته، وإنها تؤكد إصابة ولدها بمس من الجان.) . وهكذا تستمر أحداث القصة ويمكن أن نلاحظ اكتمال عناصر القصة من البداية والتمهيد للحدث القصصي وبناء الشخصيات ثم تطور الأحداث إلى مرحلة الحبكة القصصية الناضجة في اطار الولادة الصعبة لبداية نمو القصة القصيرة في عمان. ولكن العمل المتميز في تجربته كان قصة (ملائكة الجبل الاخضر)التي طبعت في مطابع الوفاء – ببيروت - 1965

كان المدخل إلى عالمها جميلا بصياغته البسيطة المحبوكة باختزال شديد واشارات مختزلة عن حدث وقع في لحظة قصيرة كانت جزء من الحاضر: وصفها (خالد): الشخصية الرئيسة في الحدث الروائي بأجمعه، باستخدام (ضمير المتكلم) أي: كان الراوي الذي سحبنا إلى تلك اللحظة الصغيرة التي لو تركها (تذهب مع الأضواء المتناثرة بين حبات النافورة في ميدان التحرير في القاهرة، لما أمكن لهذه القصة مشاهد ولا كيان.) (ص5) يجعلنا نتابع اتجاهه وحبكة وترابط مفاصله المجتزأة من أحداث حفرتها سنوات لهيب ضارية، ووقعت مفردات القصة وتفاصيلها في الماضي (وبينما أنا أمشي بين حشائشه الخضراء أتطلعإلى قطرات الماء المتلألئة بالاضواء الملونة، إذا بي ألتفت إلى يساري، فأنظر شابا اتخذ له مكانا في أحد المقاعد.. إنه فاضل. ولكن كيف أبدأه . لم اره منذ 1947 والان .. 56 – عهدته بزيه العربي ولحيته الصغيرة ها أنا الآن أراه بالزي الاوروبي مهندما كأنه ذاهب إلى عابدين او الأوبرج) . في مقطع مكثف مثل هذا الذي افتتح به روايته أو قصته كما يراها هو، يحدد نوع المكان وزمن الحدث في ذلك المكان ويحدد نقطة انطلاق للفعل الروائي من بؤرة مشاهدة صديقه الأقدم (فاضل ) ليشعرنا وصفع لملابسه بزمنين مختلفين لهما ظروف مختلفة وأحداث متباينة . ولكن معالجة الحالة النفسية خلال الحوار الداخلي / المونولوج الباطني للشخصية الرئيسة، إنما لكي يساعد حركة النص على انطلاقة باتجاه ما سيؤول إليه هذا اللقاء، من أحداث ستكون قضية وطنه تملك عليه تفكيره . وبمجرد التعرف على شخصية (فاضل ) الذي التقاه في بغداد أيام دراسته التوجيهية للفترة ما بين 1936م – 1941م وعن طريقه، سنكتشف قضية القلب العاشق، وسنتعرف على (وداد) المعلمة المثقفة المجاهدة التي لمس منها مشاركة متحمسه لأفكاره وحماسه لتحرير وطنه من المحتلين. وشعر بعاطفة ما نحوها من خلال نظراتها، ومظهرها وصمتها..عندما يصحبه صديقه فاضل إلى داره. وتبدأ الأحداث تباعا مرتبطة أساسا (بقضية وطن تملك عليه تفكيره). لهذا اعتبر أحداث القصة سجلا للحاضر ودعوة للمستقبل المشرق: مستقبل عمان كجزء لا يتجزأ من الوطن العربي الأكبر.) أهداه للعمانيين. وهذه اول نبوءة يطلقها كاتب عماني يستشرف بها رؤى المستقبل. وكان في مجمل أدبياته وشعره (يذرع السماء) عندما كان يبدو لنا هذا الوصف امرا مستحيلا ومن وحي الخيال. اما الأماكن التي جرت على أرضها الأحداث فهي: مسقط – قلعة الجلالي - السيب – مطرح- حضرموت - صلالة - الشارقة - دبي - ابو ظبي – الدمام – الخبر - بغداد – البصرة - الكويت – قطر – البحرين: (أوال- الاسم القديم لجزيرة المنامة بالبحرين ) – حلب – دمشق – بيروت . وإذا قدر لك حينذاك أن ترى عمان، فسل عن (خالد) لتراه في كل بيت وسل عن وداد العراقية العمانية: شاغلة الشعب العربي في كل مكان (لترى شخصها يملأ بيت خالد الجلنداني، ومبادءها يعمر بها كل بيت في عمان (ص85 – قصة ملائكة الجبل الاخضر) وكانت لدى الشاعر عبد الله محمد الطائي مخطوطة: (الشراع الكبير: قصة نضال الخليج العربي ضد الاستعمار البرتغالي (رواية) ومخطوطة (تاريخ عمان السياسي). (دراسة) و(اضواء على الخليج العربي(دراسة) ومخطوطة (في يوم واحد) (عمل روائي). .

 

لقد كتب الطائي مقالاته وقصصه ورواياته وأشعاره الاولى فى المنفى، بتاثير شديد من بيئة منطقة الخليج العربي والشام ومصر والعراق اثناء دراسته هناك فيما يشبه "التسوية الناقصة بينه ومحيطه الجديد في بغداد " ومن خلال تدريب نفسه على ادواته الذاتية فى الكتابة "وفى تعاطيه الحياتي اليومي" قام عبد الله الطائي، بنقل معاناته المرهقة على الورق مفتتحا بذلك نافذة تخيلية على الحقيقى بداخله، وحتى لو كانت هذه التجربة لم تقده إلى " بلوغ الذروة" التى يتذكرها لطائي على انها اصل كتاباته ولم تكن مجرد ذاكرة مكبوتة المعاني خرساء لاتنطق إلا في سطور مدونةساعدت اسلوبه فى الكتابة على النمو والنضوج بحيث ظلت أفكاره واضحة وهذا يدعونا الى التساؤل عما اذا كان الطائي قد كتب (على وفق أي مستوى من السرد والتدوين)، لكى يقرأه المتنورون من أمثاله في بغداد او في عمان. ومنهما انبقت توجهاته القومية والانسانية.

فى الواقع، لا توجد وسيلة اتصال ثقافي مدون ومتداول بين الطائي والآخرين في البيئة التي عاش فيها مرحلة الدراسة الثانوية في العراق . ولكنه كان يعتبر عمله تلك الفترة خبرة مسلطة بقوة ومهيمنة على أفكاره وعلى أحلام المراهقة التي عصفت بتخييله الرحيب ... إلا انه جعل من ذاته تجربة مقدسة على معراج الثقافة الوطنية والتوجهات القومية طريقا لكتاباته في الفروع كافة... وهذا يقودنا إلى متابعة معنى ان الشاعر والقاص وكاتب المسرحية والتمثيلية ومدبج المقالات التي تلهب حماس الناس للدفاع عن استقلال وحرية أوطانهم. وهو بتلك الارادة الصلبة المتحمسة، انما سعى لكي يعترف به جمهوره الذي ولد من نسيجه وكان كالبحر في احشائه الدر كامن. ("من أين لنا كل هذي المواهبِ، وكيف اقتنعنا بأنه من أربابُّ الغناءْ") نقرأ في كتابات (عبد الله الطائي) القصصية الروائية الأولى، هزائم الفرد الضعيف المأزوم في ظروف اجتماعية وصفية حكائية خانقة وبسيطة جدا، وكأن الحبكة الروائية فيها تنوء، سيكولوجياً وأدبياً، تحت ثقل أحداث حروب اقليمية جديدة من نوع آخر تشنها دول الاستعمار بعد الحرب الثانية على الشعوب الفقيرة لنهب خيراتها وثرواتها النفطية والطبيعية الاخرى . فيلجأ الكاتب الطائي الى الأسلوب النقدي والتحريضي المحتشد بتشويق شديد البساطة. ولا رابط بين الشخصياتلثانوية التكميلية التي يجب أن يكون لها شأن وقيمة معمارية في بناء العمل الدرامي. هو ومجايلوه من كتاب تلك الفترة لا يعنيهم تقنيات العمل الفني في الادب بقدر ما يندفعون لحشد اكبر قدر من الأحداث التي تجسد فكرة القصة وتجعلها واضحة ومؤثرة للقراء.وهو لا يتوانى عن التدخل المتعب في مصائر شخوصه التي لها سياقاتها الخاصة ولها حكاياتها المترابطة بكلية الحدث الروائي وتعيش أقداراً مختلفة، وتحمل استعارات متوالية من "تجرب رواد القصة العربية في بواكير القرن العشرين" كنص محرِّك وملقط لخيوط نسيج الحبكة ولقدح الومضة المطلوبة، انطلاقاً من شخصية القصة المركزية.. ولكن بعد مضي عدة سنوات تجريبية، سادت سيطرته الكاملة على اشكالية التخييل والتسجيل في مركز حركة الشكل الفني للحدث الروائي.. ولكن الكاتب ظل يؤكد في رواياته على أهمية المكان، حتى وصف حواضر المدن العمانيةوكانه يطل عليها من عل، بالمخيلة الكبرى، وبالبصيرة الوهاجة النافدة وتخيلها مجددا حاضنة المهاجرين النازحينطلبا للأمن والأمان والعيش والكلأ، وهذا استشراف غريب ومدهش من حيث المضمون للمستقبل القائم الآن في أمصار العرب، أما من حيث القيمة الفنية والجمالية، وبخاصة عندما نتحدث عن قيمة الاسلوب، فإن في رواياته الثلاث نوعية "حديثة الشكل في المعالجة والصياغة والتلاعب بالزمن والتزاوج والتداخل في تنوع وتعدد الأمكنة، وكانه كان قد قرأ وفهم رواية التداعيات وفنون كتابة القصة الحديثة وادرك قيمة جيمس جويس في عوليسيس الشكلية. " فاصبح بإمكانه أن يجعل محاولاته تختلف عن أية رواية أخرى تقع أحداثها في الارياف والقصبات ومدن السواحل التي تعني: البطل، "الشخصية" المحورية. إذ هي (تجسد ملامح) الشخصيات الثانوية الأخرى، وينسحب ذلك التوصيف على عدد من أعماله القصصية المدينية الاخرى عندما كان في الباكستان والهند .و كانت كتاباته للمسرح ستبدو متاثرة بقراءاته العربية في العراق والشام ووفي المسرح المصري، لولا متابعاته الشخصية للمطبوعات التي يحصل عليها لماما وبصعوبة فكانت مصادره الاستعادية الوحيدة التي سبقت تشييد فكرة الكتابة للمسرح. لكنه في مخيلته كان أكثر من قاريء وتابع لما ينشر من مجلات وكتب ثقافية. وكبرت أحلامه، متخيّلا نفسه بنّاء لمجمعات الشعر والادب والمسرحسعيا وراء هدف وغاية تثقيف أبناء وطنه وتعميق حب العلم والمعرفة في نفوسهم . ثم حلم بإقامة الندوات والمهرجانات للانشاد شعرا للمديح والرثاء، حتى تساوى عنده، الحلم والواقع. وأقتنع تماما بأن العملية المعرفية او الشعرية انما هى اتصال بالانسان والحياة معا . اذا كان جينيه قد كتب اصلا لنفسه وحسب فهو لابد قد تخيل قارئا واحدا على الاقل فى الواقع، سيكون الغرض الوحيد لكتابته عندئذ هو ان يقرأها بنفسه وان يعيد قراءة ذاته وتخيلاته، كما يعيد تخيل ذاته من خلال فنتازياته المكتوبة، على الاقل كان جينيه يتواصل "ويتوق الى التواصل " مع ذاته، ولكن تلك "الذات " كانت تمثل آنذاك جينيه - القارىء -الخارجى والمستقبلي وكان جينيه - الكاتب - يراودها من اجل تواصل وصلة حميمة محتملين هذا الانشطار بين لحظات الكتابة ولحظات القراءة، وبين جينيه الكاتب وجينيه القارىء، يكشف عن انشطارات اخرى بين تلك اللحظات "الذاوت اللحظية المتكررة" وبين لحظة الذات المتخيلة، جميع هذه الشخصيات الجينية "نسبة الى جان جينيه " الثلاث والانشطارات فيما بينها، تكمن فى تلك اللحظة التى تخترق فيها "معاناة الوجود"، "ضجر العيش " وسكنى المنفى" ان ذاتية الطائي تشبهه رمزا وانتسابا ثقافيا: (ككاتب وشاعر وحالم يقظة) توضح كلا من وعيه المعتقل وغربة ذلك الوعى عن ذاته "ذات الوعى"... فى التوق الى الأخر وتوق ذلك الأخر ذاته. هذا الوضع لايختلف كثيرا عن وضع اى كاتب وحالم وناقد ذاتى مجهول يحاول ان يكون مقروءا من قبل الآخرين... سوى ان الطائي كان مسجونا.خلف جدران حقيقية واكثر صلادة من العادة ومن رغبة الكاتب فى التواصل مع ذلك فنحن جميعا "كتاب وغير كتاب " مشكلون كذاوت منشطرة طبقا لما يقوله جاك لاكان "تأسيسا على الانا الفرويدية المنشطرة". "ما اخبركم به أنا لا كان مقتفيا فى ذلك خطى الاحافير الفرويدية، هو ان ذاتا كتلك، غير يقينية لانها منشطرة بتأثيرات اللغة... إنالذات دائما ما تدرك نفسها أكثر فى الأخر لكنها فى الوقت نفسه، تسعى هناك الى ما هو اكثر من نصف ذاتها، فالذات هى كذلك فقط لانها تخضع لمجال الأخر... وهذا هو السبب فى ان الذات ينبغى ان تخرج... ان تضع نفسها خارجا.. (2) ان سعيه من اجل ما هو اكثر من نصف ذاته فى شخصياته المقذوفة خارجا بشكل غير مكتمل "الاخرون المتخيلون من قبله " قد أنتج فى المحصلة الاخيرة جمهورا حقيقيا ربما اكبر مما قد حلم به قط وحينما اتجه جينيه نحو الكتابة للمسرح، جسد ممثلون حقيقيون يشاهدهم جمهور آخر حقيقى، شخصيات الآخرين المتخيلة من قبله، عندها امتدت ذاتية جينيه الانشطارية كحالم وكاتب وقارىء اكثر فأكثر الى/ وفى خضوع "لمجال الآخر" والى حد ما، قام مخرجون وممثلون ومصممو ازياء ومهندسو اضاءة وديكور وفنيون بالاضافة الى الجمهور الليلى "ولايزالون " باعادة تخيل واعادة صياغة مسرحياته على خشبة المسرح العمومى "الحى" كما كان يفعل القراء الحقيقيون لرواياتهم وهم فى عزلة، وهكذا قادت الممرات المسرحية التى تشق مقاعد المتفرجين الى مدخل جينيه الكاتب المسرحى الجديد والممتد "رغم عدم اكتماله ")

كان الطائي يدرس الحالة الاجتماعية والنفسية لمجمل (الشخصيات) الثانوية التي ستؤدي دورها في سياق العمل القصصي او أنساق الحدث الروائي، لعله يجد بينها الوجه الآخر: رمز أبيه وأمه التي ماتت وهو في منفى الباكستان، ويختار شخصيات يشعر معها، بتعاطف ووشائج روحية، فيرى فيهم شخصية مواطنيه العمانيين الأصلية الأولى: (الطبيعة- الأم) التي تبحث عن جذرها العائلي الذي كان يجسده (جده - التاريخ) بقدر ما استحوذت على تفكيره فكرة البحث عن والده أو الرمز الذي يشير إلى حضوره عبر شهودية الوجود الانساني، الذي كان إلى وقت قريب، يرى فيه قامة أبيه. وكان يعنى بقصص تظهر فيها معاناة والم إمراة يرى فيها صورة أمه المحافظة الشديدة البأس والصارمة في تعاملها مع عائلتها والمحيطين بها . كذلك حاولت أن تحقق حضورا أدبيا متميزا في روايته الثانية (---)، إذ نجح بتسليط الضوء على بعض أنسجة البناء المعقد أثناء وصفه تسامي وانهيار أمجاد الأحلام الأولى لفقراء العالم. فنجحت الروايةفي وصف وشرح الحياة الروحية لأبطال ذلك العالم المستلب الذي كان متساميا وانهار بسبب ضراوة الاستعمار القديم والجديد بعد الحرب العالمية الثانية وانعكاسها عليهم. ومن هنا لجأ إلى الربط بين أحداث حقيقية وأخرى من وحي الخيال، فأقنعنا بإمكاناته وطاقته السردية الباهرة. يتحدث بنفسه عن تفاصيل حياته باسرها، وقد نثر امام القاريء، ورود الطفولة وعطر المراهقة ونضوج الرجل وسطوع المبدع، الذي غدا من احلام الفتوة النضرة لجيل الخمسينيات والستينيات.. وكان عبد الله الطائي يشيد معمار السرد الذي يرافق صياغة الحدث الروائي شكلا ومضمونا بكثافة وعيه الثقافي والفني ومعرفته لطبائع الناس والأشياء والحقائق وتفاصيل الحياة الدقيقة. وحظيت أعماله بشرف دخول أعماق التاس، فضلا عن ظهور أعماله الشعرية والقصصية والروائية والمسرحية في العديد من الصحف والمجلات الأدبية. كان لابد أن يظهر نور المستقبل من ذلك المناخ التقني الجديد والعلمي والبعد الروحي والقيمة المكانية وما ينجم عنها من مشاهد الحكايات المروية. لكل مكتشف ومخترع وعالم وشاعر وفنان وكاتب ومهندس ومعمار .. يظهر للعالم بمكتشفاته المدهشة التي تغير الكثير من مفاهيم وقيم الحاضر باتجاه المستقبل. كان يحضر لقاءات الادباء والشعراء والفنانين. ليشاركهم في سرد قصة من تجربته أو من تجارب ومعاناة الناس في زمان ومكان حضورهم، قصص تتحدث عن قيم ومفاهيم البطولة التي تحقق العدالة وعن محبي السلام الذي يرفضون الحروب والدمار والمعاناة. ينشدون قصائد يغنيها شعراء واقاصيص يرويها رواة المقاهي والناس حولهم يسنصتون بعمق، لأنها قصص تتحدث عن ماضيهم وتتنبأ بأحلامهم ومستقبلهم.. وتمثل لهم القيم العليا للعدالة والبطولة حتى غدت من رموز ملحمتهم. فتكون حافزا للتقدم حين يقارنون ذلك بمفاصل حياتهم اليومية. وبذلك ترسم تجربة الطائي لوحة لثقافته العربية الاسلامية التي يدركها الناس في بلاده ضمن تحولات مجتمعهم عبر مراحل تاريخ شعبه بعد النهضة. ولذلك سنجد كثيرا من خصائص ومكونات الشخصية العربية شاخصة ونافرة في نصوصه الروائية. بسبب ضغط الشعور بالعصيان على واقع طبقته الاجتماعية، وارتأى العيش مع المستلبين الفقراء من امثالنا حيث نعيش هنا بسبب الخطأ القديم في التسلط والنبذ والتهميش والاقصاء والتدمير والموت. لهذا فإن تجربته ظلت تعاني، بسبب إيمانه بهذه الرؤية، من مواجهة الاختيارات الصعبة ومن شعور بواقع مرير ومركب ينز دما أسود من جرح تاريخي عميق. سببته صراعات الانسان مع أخيه الانسان بلغة الحرب والخراب ودمار البشرية. وحتى معنى كلمة المثقف كانت تثيره. ويجادل في مفهومها ومغزاها وجدواها ويجدد تساؤله عن جدوى أصحاب هذا التراث وهذه الثقافة التي ربما تعني في جانب منها (الفخر الكاذب).

 

كانت شخصية الطائي في روحها الصافية تشبه بنقائها روحية أحمد الزبيدي والاميرة العربية سالمة بنت سعيد وسماء عيسى وزاهر الغافري ومبارك العامري وابراهيم عبد الله وسعيدة بنت خاطر وآمنة الربيع. اجتمعت وتداخلت ملامحهم في ملمح منشد الحياة: شاعر يشبه شخصية فلاديمير مايكوفسكي آخر (كنت أقف على مرتفع واقول للمارة انا كنت في احلامي صوت المستقبل وضحيته، فلا تجعلوني ارتمي في لهيبها مجددا وكنت انا القاتل والقتيل . (*)

 كان الباحث الدكتور محسن الكندي قد نشر ضمن سلسلة مدارات ادبية التي تصدرها رابطة الادباء في الكويت كتابا بعنوان (عبدالله الطائي 1924 ـ 1973) حياة ووثائق- تحدث عنه الشاعر الكاتب ـ حسن المطروشي(*)- في جريدة الوطن العمانية. معتبرا عبدالله الطائي احد الاقلام الطليعية الرائدة التي اسهمت في تأسيس لبنات الثقافة العمانية الحديثة واعادت تشكيل وصياغة مفرداتها. كما اسهم الطائي في نقل الصوت الابداعي العماني الى آفاق الوطن العربي الكبير نظرا لثرائه المعرفي وعمق تجربته الثقافية عبر مسيرة من العطاء التي امتدت الى عشرات السنين التي ملأها ادبا وابداعا وتأليفا ومغامرة في مساحات بكر، كان له فيها السبق في عدة مجالات كالمسرح والقصة والشعر والمقالة والنقد والرواية وغير ذلك من صنوف الابداع الخلاق الذي توج حياة عبدالله الطائي وجعله احد الرموز الثقافية التي حفرت اسمها في ذاكرة وطنه (عمان).

تأتي أهمية الحديث عن مدونات الطائي بهذة المحبة لانها التجربة العمانية الثانية بعد سالمة بنت سعيد التي كتبت بلغة المنفى فى المنفى وثالثة الاثافي مذكرات احمد الزبيدي من بين الكتاب العرب والمحدثين. كما ان تدوين قصة حياة سالمة بنت سعيد باللغة الالمانية تمثل سابقة فريدة من نوعها . اذ ان الكتاب العرب المهاجرين او المهجرين كتبوا ومن بعدها بفترة طويلة بالانجليزية او بالفرنسية وقلة منهم من يجيد هذه اللغة اصلا وللاسباب التاريخية التي نعرفها جميعا. وبهذا الصدد يقول الاستاذ عبدالمجيد القيسي مترجم النص من الانجليزية الى العربية "واذا كان ادب التراجم فى لغة الضاد على هذه الحال من الندرة فى ادب الرجال على وفرته، فهو فى ادب النساء وهو فى حد ذاته نزر قليل بحكم المعدوم اصلا وعلى هذا فاكتشاف اي اثر عربي من هذا القبيل يعتبر ولا شك اضافة قيمة الى تراثنا النزر فى هذا الميدان خاصة اذا كان هذا الاثر قد كتبته اميرة عربية من نساء الشرق فى القرن التاسع عشر عاشت فى بيت ابيها السلطان فى أقصى بقعة حكمها العرب وهى زنجبار" (ص 11). ومع اتفاقنا التام مع المترجم على اهمية هذا النص من هذا المنظور الادبي إلا ان القيمة الاهم التي تمثلها وتجسدها هذه المذكرات تتجاوز ما يلح عليه فى هذه الفقرة من المقدمة، فالقارىء العادى، فضلا عن الناقد المحترف، يدرك بمجرد قراءة هذه المذكرات انه امام مغامرة تكمن اهميتها الاساسية فى جرأتها وقدرتها على خلخلة الكثير من المسلمات التي استقرت فى الاذهان لطول تكرارها عن المرأة والكتابة والجسد والهوية والذات الأخرى. (د. معجب الزهراني (ناقد واستاذ جامعي سوري)و (مذكرات أميرة عربية)

ونظرا لتعدد المجالات وتنوع ضروب الابداع التي طرقها الطائي في حياته التي اشتملت على جوانب اجتماعية وسياسية واعلامية وثقافية، فان في حياة هذه الشخصية رموزا يتحتم عليه ان يرصدها في اكثر من خط ويتتبع خطاها على اكثر من مسار وهذا ما فعله الباحث العماني الدكتور محسن الكندي الذي بذل جهودا واضحة حتى خرج بهذا السفر القيم الذي بين ايدينا وفي هذا السياق يقول الدكتور محسن الكندي: بقدر ما تركز هذه الدراسة على تناول التجربة الحياتية للاديب عبدالله الطائي وفق رؤى توثيقية واخرى تحليلية فان اطرها الموضوعية لم تغفل تجربته الادبية ولم تكن بمعزل عنها ذلك ان الاتصال الوثيق بينهما نابع اساسا من دور (الطائي) الثقافي وتربعه على قمته أديبا رائدا ولعل اشد ما جذبني الى تناول هذه الشخصية هو ثراؤها الخصب وتنوع مواقعها بين دول الخليج العربي وهو تنوع خلاق ادى الى طرح افكار جديدة اطلت على افق الحياة العمانية في مختلف مجالاتها وخاصة السياسية والادبية مما كان له كبير الاثر في الاجيال اللاحقة التي تحفظ للطائي حق التكوين والتربية ومن الحق هنا ان اقرر ان ذلك الدافع كان مثار شغفي الاول بهذه الشخصية اضافة الى ما تحويه من مظاهر الجدة والعمق واتساع الافق والتعاطف المبرر فكريا وفنيا مع العديد من قضايا الادب والثقافة في عمان والعالم العربي. وقد حاولت دراستي هذه ان تقدم شخصية الطائي وتسهم في توثيق حياته مسترشدة في ذلك بسائر الدراسات المعنية بسير الاعلام والشخصيات والمتضمنة قراءات لظروف النشأة والتكوين العلمي والثقافي واثر هذه السير على فكره وموهبته الابداعية.

ولم يقتصر الباحث الكندي في دراسته على الجوانب الابداعية او المسيرة الحياتية والاجتماعية لعبدالله الطائي وانما تناول بالبحث والتحليل الظروف الموضوعية والمتغيرات العامة التي نشأ في ظلها الاديب الراحل وعايشها وتفاعل معها واسهمت في تكوين وتشكيل رؤاه ومواقفه الابداعية والاجتماعية على حد سواء اذ ان حياة الاديب الراحل عبدالله الطائي رافقها الكثير من التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي شهدتها منطقة الخليج بأسره وهذا ما يؤكده الباحث حين يقول: (ومن هذا المنطق كان اهتمامي بتوثيق المسيرة الحياتية لعبدالله الطائي ولم أقصر ذلك على وطنه عمان فحسب وانما شملت دراستي تتبع ملامح حياته في دول الخليج العربي التي عاش فيها. ونظرا للتأثير الذي احدثه في ثقافة هذه الدول فان النظرة تتوجه اليه باعتباره اديبا من الخليج بالاضافة الى طابعه المحلي العماني وذلك لاتساع افقه الفكري وبعد نظرته وتأملاته لكثير من الامور الثقافية والسياسية ولذا فان هذه الدراسة التوثيقية تنظر بصورة عامة الى مظاهر التطور التاريخي الذي مر بها المجتمع العربي في (الخليج) بما يمثله من اسس التعاون والتفاعل التي تجعل من منطقة الخليج لا تقبل التجزئة وخاصة ازاء دراسة تعنى بشخصية ابعاد تلك الوحدة والتكامل في مستواها العام من هنا تقوم دراستنا على محاولة رصد قسمات النمو والتطور للظروف التي عاشتها شخصية الطائي وما ذلك الا لان العلاقة الاساسية بينها وبين الفكر الذي آمنت به تتحدد بالمواقف التي يوجد منها الموقف العام من قضايا عصره. ومن جانب آخر سعت هذه الدراسة الى التوصل الى (أرشفة) النتاج الثقافي والفكري للطائي عبر محوريه: المنشور في الصحافة والمخطوط الذي لم ينشر بعد وذلك خوفا من ضياعه عبر تراكمات الزمن كما تحاول ان تجمع وتناقش ما كتب عنه قبل وفاته وبعدها وما نشره الطائي في المجلات والدوريات والجرائد عبر اكثر من ثلاثين عاما ولعل ذلك يوضح القيمة الادبية التي اضافتها هذه الدراسة الى ما كان معروفا لدى قراء الطائي من انماط تعبيرية متعددة. وفي ظل هذه الاضافات قدم فنونا ادبية كان الطائي فيها رائدا كالمسرحية والقصة القصيرة والرواية ولم يكن احد يتوقع انه كتبها في تلك الفترة الاولى من حياته وحياة الادب في منطقة الخليج وهو ما يوحي بريادة الطائي تاريخيا على الاقل في هذه المجالات. ويبقى كتاب عبدالله الطائي للباحث الدكتور محسن الكندي كتابا غزيرا في مادته ثريا في افكاره عميقا في محتواه. يتضمن وثائق نوعية نادرة خاصة بالاديب العماني الراحل عبدالله الطائي كالصور والمراسلات والاعمال وغيرها مما يجعله مصدرا توثيقيا هاما ومرجعا علميا موثوقا للدارسين والباحثين والراغبين في معرفة تفاصيل حياته. التي تناولها الباحث في فصلين مستقلين ودراسة تقوم على مقدمة وفصلين وخاتمة تميز الفصل الاول بالطابع التوثيقي وقد تناولت حياة الطائي باعتبارها ركيزة مهمة من ركائز تجربته الادبية وقاعدة اساسية من قواعد مرحلة التاريخ الادبي الذي عاشه وسعت الدراسة الى محاولة تصحيح بعض الاخطاء التي المت بالجانب التوثيقي الذي كتب عنه اضافة الى انها رصدت مجال الحركة في حياته (رحلاته العديدة) ومدى انعكاسها في أدبه.

أما الفصل الثاني: فقد اتسم بالرصد والتقديم الموجز وقد تناول فيه اعمال عبدالله الطائي الفكرية بدءا من دواوينه الشعرية وقصصه القصيرة ورواياته مرورا بمسرحيتيه الشعريتين (جابر عثرات الكرام) و(بشرى لعبدالمطلب) وانتهاء بدراساته الادبية ومقالاته التي نشرت في الصحافة العربية واذيعت في اذاعات دول الخليج المختلفة وكان للمنهج الاحصائي دوره في تجلية ذلك الانتاج المتشعب الذي لا يمكن فصله عن توجهات كاتبه السياسية وميوله الصحافية البينة. والكتاب يقدم رصدا منهجيا توثيقيا لمرحلة (الميلاد) و(البيئة الاسرية) والنشأة التعليمية ومعالم التكوين (الرحلات الحياتية) التي اشتملت العديد من دول العالم حتى العودة الى ارض الوطن الذي كان الطائي يهيم به حبا وشوقا.. ثم الانتقال الى الرفيق الاعلى عام 1973م مخلفا وراءه هذا الارث الادبي الهام في رصيد الثقافة العمانية الخالدة ويقع الكتاب في 369 صفحة من الحجم المتوسط. وكان الدكتور ضياء خضير قد كثف مفهوما متميزا عن تبرير (الإصرار على تجاوز الأشكال التقليدية في السرد وبناء الحكاية، من دون التفكير بأن أيّ ابتكار أو تجديد في هذا الجانب يبقى بحاجة إلى توكيد ومراجعة للنماذج السابقة في النوع بوصفه سلوكا تحكمه القواعد والأصول. وعمل الخيال لايأتي من فراغ، بل هو يرتبط بهذه الكيفية أو تلك بالتراث السردي الذي يوفره تاريخ هذا النوع، وأول ما ينبغي تقريره في هذا الصدد هو قناعتنا بأن القاص العماني يحتاج إلى معرفة أقوى بكيفية مقاربة الواقع في السرد، واتخاذ مواقف فيها قدر من الموضوعيّة اللازمة لدعم المتخيل السردي ودفع تهمة الإغراق في اللغة الشعرية المحلقة في سماء الخيال، وغير القادرة على استعمال الحوار ونثر الحياة اليومية وترجمة المشاعر الداخلية الكاشفة عن معرفة حيّة بالعالم واللغة وأسرار الفن القصصي، بدلا من تجاوز الواقع أو تشويهه أو الاكتفاء بتسجيل بعض(الملاحظات عنه). (وما نعنيه بالشعر، إذن، ليس مجرد الصورة الخيالية والأداء اللفظي البعيد قليلا أو كثيرا عن الواقع، وإنما أيضا هذة الحالة المرافقة من العزلة التي يظل فيها صوت القاص وحيدا مثل ناي منفرد، غير قادر على الدخول في أوركسترا الأصوات الأخرى المصاحبة، وتلبّس الحالة التي يكون فيها هذا القاص قادرا على محاورة الآخر بفاعلية تكفي لتوفير استقلال الشخصية القصصية وامتلاكها رؤية مختلفة ولغة مباينة قد تقطع مع رؤية الراوي ولغته والقاص المختبئ خلفه. وربما تكشف بعض القصص ضمن بنائها السردي، عن جانب من حياة السارد وطفولته، على نحو نشعر معه أنها موجّهة لتخليص الشخصية من أعباء تلك الطفولة وخطاياها القديمة، وتبديد المخاوف المرافقة لتشكّل رؤيتها الأولى للعالم.. * د. ضياء خضير ناقد عراقي مقيم في سلطنة عمان - جامعة صحار).

2- الطائي العماني وشعر الرثاء.. والمنفى"

كان ديوان شعر ه: (الفجر الزاحف)- قد طبع في السابع والعشرين من ربيع الثاني 1386ه الموافق - الرابع عشر من اغسطس عام 1966م في مطبعة الضاد – في حلب – سوريا - وقد كتب الشاعر قصائده بمداد من ليل الألم الذي كان مخيما وفجر النصر المرتقب، إيمانا بقدرة مواطنيه في عمان على محو الظلم والظلام. وهو استشراف لبصيرته الشعرية التي تنبأت بميلاد فجر جديد مشع بالتفاؤل، مشرق بالعزائم، تحقق في نهضة جذرية عام 1970م باتجاه المستقبل. : (يا امنا الكبرى عمان تفاؤلي / فالعلم سوف يبدد الظلماء / الساحل الوضاء لاح ضياؤه / وغدا يعم النجد والبطحاء).فيا وطنية اتقدي / ويا قومية اضطرمي (من قصيدة: قبلة الوطنية عام - 1956م)

و لكننا ينبغي أيضا معرفة الظروف التي احاطت بالشاعر في غربته ومنفاه. إذ (وليس من اليسير على المرء ان يترك بلاده ويقطع بينه وبين أهله وعشيرته وقومه، وينأى عن وطنه، ولهذا نراه قد صمد في الصبر وقاوم حتى غلب على أمره او أحس بالخطر.. كما حدث اثناء مقاومة الشباب في حركة عام 1941م وإذ لزم المواطنون سفوح الجبال وحفر المقابر وفي مسقط ومطرح وبعض مدن الباطنة... التي كانت مظهرا كبيرا للتضامن الجماعي.) إن على الأديب والفنان والمبدع عامة أن يساهم في معركة بلاده واعلان قضيتها ودفع وثبتها إلى أمام، حتى ترقى إلى مصاف الشعوب المعاصرة بنهضتها وبما تحققه في مضمار الحياة. ص4. من المقدمة التي كتبها لديوانه (الفجر الزاحف- الذي صدر في السابع والعشرين من ربيع الثاني عام 1386ه – الموافق الرابع عشر من أغسطس عام 1966م ). وقد تحققت نبوءته بعد ثلاثين عاما من مقالته تلك في منجزات النهضة بعد عام 1970م .

وكان شعر الطائي في الهجرة والمنافي رقيقا، يكاد ان يذوب عشقا وشوقا لبلاده حتى من خلال حزن محبوبته عليه وهي تعاتبه على هجر وطنه:

(وماذا يقول الذي رآك / تهاجر والعذر لايدفع / تركت بلادك عن مبدء / وحقا هو المبدأ الأرفع / إذا عجز الحر عما يروم / وعز على قوله موضع / فخير له أن يجوب الفلاة / فلا ينظر أو يسمع / اتاك بريق فأيقنت أن / لفجر علاك بدا مطلع / أحب عمان واهفو إلى نجوم بأجوائها تلمع. (قالها في البحرين آنذاك 1372ه- - 1953م )

 كان الشاعر عبد الله الطائي يعجبه الاستشهاد باقوال مفكرين وادباء عرب أمثال عباس محمود العقاد الذي قال: (لقد علمتنا تجارب الحياة أن بعض الناس تغيضهم المزايا التي ننفرد بها، ولا تغيضهم النقائص التي تصيبنا) فيقول الطائي: يا دهر هل أبقيت سهما لم يصب / قلبا لكثرة ما رميت تفطرا

أذويت زهو شبيبتي في بدئه/ وحكمت أن أحيا معاشا ابترا . / جاوزت حد الأربعين ولم يزل / عيش التشرد لي نصيبا قدرا / ودعته وعلى فؤادي حسرة / لما تزل تبدو جحيما مسعرا / وتركت فيه عشيرتي ومرابعي / ولو استنمت لنلت حظا اوفرا . وفي مجال وصف حبيبته لمشهد وداعه: قالت مودعة وقد / عزم الحبيب على البعاد / حتام أنت تطوف لا / ترضى قرارا بالبلاد / لا دمعة تثنيك عن / هذا الرحيل ولا وداد / فأجاب يبسم والحشا / بين ااحتراق واتقاد / إعلم نجي القلب ما صبر على ذل انقياد؟ العز مركبه العا / ب وطرقه بين النجاد / من خاف ذل ومن يكن / ثبت الخطا والراي ساد / ومضى وخلفها تكا / بد خيبة الأمل المشاد / قولوا لمن ساد البلاد غليك احوال العباد (كتبها في مسقط 1369ه- – الموافق 1949م). وقد أجاد الطائي قبيل رحيله عن عمان بقوله:

وداعا وإن كان الوداع تألما / وصبرا وإن كان اصطباري علقما / وداعا بلاد الخير والمجد إنني / نأيت على رغمي وفي كبدي ظما) وفي عام 1958م رفع تحية للعراق بمناسبة ثورة الرابع عشر من يوليو -تموز قائلا: قد كشفتم بني العراق الستارا / فمحوتم عن العروبة عارا / إيه شعب العراق قد فزت بالنصر / وسايرت زحفنا مختارا / أنت منبع العروبة في التاريخ إذ قدت زحفها ادهارا / انت جددت في العروبة معناها / فصنت الدماء والأفكارا. فجر يوم الاثنين كل ظلام / في سنا نوره المشع توارى .

 لقد وضع شعر الرثاء في بابين: شعر يتوجه بالرثاء إلى الأهل والأحبة والأصدقاء. وشعر يتوجه إلى قادة الأمة العربية والاسلامية ورجالها الذين فقدوا في فترة كفاحهم ضد الاستعمار والتخلف، واختص برثاء الشخصيات الوطنية العمانية والقومية العربية التي كانت تقود النضال من أجل الحرية والتحرر .

ومن قصائده الخاصة برثاء أمـه وقد توفيت وهـو في الغربة فأضافت وفاتها جرحا إلى جروحه الكثيرة، ويصف الشاعر يوم وفاتها بأنه اليوم الذي ضعفت فيه مقاومته إلى حد بعيد ويتمنى إن يسمح له لكي يزور قبرها في مسقط فيقول:

(اليوم لانت يا زمان قنـاتـي / ولكـم صمدت لأعنف الهـزات / أصبحت أرجو أن أشاهد قـبرها / ولـو أنني أرضيت كـل عـداتـي / فأطـوف مسقط لائـذا متحاميـاً / الموت يدفعني لمـحو شكـاتي / أُمـي لقـد ملك القضاءُ سهامـه / فأتـاك منها قــاتـل النــبلات / لكن مـوتك قـد ألانَ تجلدي / وأضاعني حتى زهـدت حياتـي / اليوم أشعر بـالمصائب جمعت / والنفس تغرق في دُجـى الظُـلُـمات / يا قلب حسبُك حسرةً وتخـاذلا فـاصمـد على المكـروه والعقبـات).

ويكاد الشاعر عبد الله الطائي أن يكون شاعرا رثائيا لكثرة مـا كتب من قصائد يرثي بها شهداء عمان وكذلك بعض أحبته الذيـن أنكبه فيهم الموت وهو في ديار الغربة فعمقت هذه الأحداث جروحه وأضافت إلى همومه الشخصية همومـا جديدة، ولهذا فإن رثـائياته تكـاد تنطق بحزنـه وبصدق مشاعره وبتجلده، وهو حتى في رثـائـه يـربط بين كـل هذه المآسي ويعكسها في النهاية على حالة البلاد في تلك الفترة . ويرسل الشاعر مـرثـاة أخرى إلى المرحوم الشيخ أحمد بن سعيد الكندي وكـان خال الشاعر عبد الله الطائي وأحد أساتذته في نفس الوقت وقد رعاه في طفولته وشبابه، فيقول فيها: (بكيتك حتى كـدت بالـدمع أشرقُ / وروحـي من بين الجـوانـح تـزهقُ / ففقـدك أذوى في الحياة شبابها / وكنت لهــا زهوا بـه يـترقــرق / رفعنا بك الأعناق في كـل بلـدة / فقد عشت رمـزا بالمفـاخـر ينطـق / وكنت لنا العنوان في كـل مسلك / معـالمـه رأيٌ وخـلــقٌ ومــوثـــق)

كان من غرائب القدر أن الشاعر عبد الله الطائي قد بكى الشاعر هلال بن بدر البوسعيدي الذي كان من أساتذته الذين تلقى العلم على أيديهم في المدرسة السعيدية في مسقط، والذي يلتقي معه في نفس خط الدعوة إلى تحرير عمان من الجهل والتخلف، فرثاه بقوله: (يا ليل مـدّ من الظلام سـدولا / وأجعل سـوادك يا ظلام ثقيلا / لا شأن لـي بالصبح تشرقُ شمسه / والقلبُ ينشد في الصباح فتيلا / مهـلا أبـا شـعـرائنا من للمـنى / يتـلـو لـدى تحقيقهـا ترتيـلا / وبقيت نسراً لا جناح بجنبه / يـرجـو مـن الـرجـل العنيد جميلا / يا ناعيا لهـلال بدر أنــني / أجـد اصطباري للنبا مخـذولا /قـد كنت آمـلُ أن يعيش لـكي يرى / للنصـر فوق جبالنـا إكليلا / ويرى الشباب وقـد توافد جمعـه / ليقيم مجداً في عمان أثيـلا / ويصوغ في نصر الشباب قصائداً / يـلقـي بهـا عنـد البناء دليلا ).

ونلاحظ أن الطائي كان خرج عن الإطار العام لشعر الرثاء التقليدي عند الشعراء العرب القدماء ومعاصريه من العمانيين كذلك، فهو لا يعدد الخصال والمناقب، ولكنه يؤبنه بمواقفه الوطنية الشجاعة التي تهدف إلى رفعة عمان وإعادة دورها الحضاري القديم . ونجد للشاعر الطائي قصائد أخرى في رثاء عدد من الشخصيات العربية نحو أمير الكويت والزعيم العربي جمال عبد الناصر وزعيم باكستان لياقت خان .

3- صوت الطائي العماني .. و"نصوص المنفى"

 (.. ربما نجد في تجربة الشاعر الكاتب القاص عبد الله الطائي) بعض سمات التجديد مشرقة في تناوله لموضوع الحنين، فقد أثرت الغربة في حياته قاصا وروائيا وشاعرا وإنسانا.. وكان لموضوع المنفى تأثير كبير في رؤيته الأدبية وفي موضوعات شعره وكان من بينها خوضه التعبير عن تجارب وطنية تدعو إلى تحرير عمان من التخلف والجهل . وكانت دعوته هذه سببا في هجرته وابتعاده عن موطنه طيلة ربع قرن، إذ رفض أن يرى بلاده تعيش في ظروف الجهل والتخلف بينما يتقدم العالم في كل المجالات العلمية والثقافية، لذلك اختار الهجرة رغم أنه كان أحد أفراد البعثة التعليمية التي أرسلها السلطان سعيد بن تيمور إلى العراق في الأربعينات من القرن العشرين، وعندما عاد إلى وطنه ولمس بنفسه مدى التخلف الذي تعاني منه البلاد حاول جاهدا تغيير الوضع إلى الأفضل بكل الطرق الممكنة، لكنه لم يحقق أي نجاح لأن القائمين على البلاد في تلك الفترة (قبل النهضة) كانوا يرفضون كل دعوة للتغيير، لذلك فضل الخروج وآثر حياة الغربة على حياة الدعة والصمت. ) والى هذا يشير الشاعر نفسه في مقدمة ديوانه الفجر الزاحف فيقول: " وليس من اليسير على المرء أن يترك بلاده ويقطع الصلة بينه وبين أهله وعشيرته وقومه، وينأى عن بلاده، ولهذا فقد صمد كل حسب طاقته في الصبر وقاوم حتى غلب على أمره، أو أحس بالخطر ". ولهذا تحتل قصائد الحنين إلى عمان مكانة بارزة في شعر الطائي، تكثر فيه صور الحنين والشوق لعمان ولأهـلها، وتتجسد تلك المظاهر في شكلين أساسين: حنينه لعائلته وحنينه لحياته في عمان.. وللطبيعة الأم، يقول في إحدى قصائده: (أحبُ عمان وأهفو إلى / نجومٍ بأجوائها تلمـعُ / وكم لي معـها أحاديث من / معين المنى خلتها تنبعُ / وأكرم بأهلي من أسرة / وكم حز في النفس أن يقطعوا / ويا وطني مـا أنا بالذي / يصدُ إذا نـاب مـا يصدعُ / ويا أيها الأهل حيوا اللقاء / إذا شرف العمرُ والمربعُ)

ويوجه من باكستان قصيدة إلى زوجته يبث فيها شجونه وأشواقه وحنينه لها ولوطنه فيقول فيها:

(ذكرتك في ديار الهند إلفـاً / عرفتُ بوصله سعد الزمانِ / هجرتك رغم مطلبي وقصدي / وحقكِ إن بعدكم قد شجاني / فصبراً مفخر الأعراض صبراً / فسوف يحين ميعاد التداني فنشرب من غدير الصفو عيشاً كريما لا يكدر بالهــوان) وهذا مظهر من مظاهر الرومانسية في قريضه وأدبه عامة، إذ هو ينفعل بأية همسة أو لمسة أو حركة من حركات الطبيعة . ليومض في ذهنه الموقف والرؤية عن مرئى الاشياء، كلها تثيره شوقا ولهفة إلى ما في الوطن بلا تمييز أو فحص، فالحنين لديه هو تفاصيل ذكريات ظلت تغذي مشاعره وعواطفه وتشحنها بمعاني الوطن النبيلة: (أحيا على الذكرى فإن فارقتها / أمسى منامي مثل شوك قتــاد / وأكاد ألفظ كـل حين أسمها / خـوفـا من الازمان والأبعاد)

(.. فالشاعر هنا يجمع الاسباب الكلية لدلالة معنى حنينه لعمان فهو يتلهف إلى كل شيىء يشم فيه عطر الارض وعبق التاريخ العماني في الازمان المتضادة والمنسجمة عبر التاريخ.، فرؤية الطائي للوطن هنا رؤية عامة تضيىء ذاتية حقيقية وتعبيرا صادقا عن هموم وأحزان واحلام وآمال الشاعر وتجربته الإنسانية، كما أنها تمثل واقعا اجتماعيا كان سائدا في تلك الفترة .

هل استطاع الشاعر (أن ينفعل بالصورة المرئية وهي تتدفق من ذاكرته البصرية لتتوهج بحوافزها دلالته الشعورية والشعرية)، ربما يحدث ذلك عندما يكون الطائي متفاعلا منسحرا بالصورة الشعرية ومعها تتلون مشاهد الاستذكار في جمالية القصيدة التي يثيرها منظر البدر في ليلة تمامه فيسأله أن يمد ضياءه لكي يرى نزوى من مكان غربته) فيقول: (يا بدرُ مـد لناظريَّ ضياءَ / كيما أرى نزوى ثرى وسماء / فلكم حملت الشوق نارا في دمي كادت تقطعُ مني الأحشاء / يا بدرُ إن لم تشف عارم رغبتي / فكن الرسول يزيدني أنباء فلانت قاهرُ كل ليلٍ دامــسٍ / أنت النجيُّ لمن شكا بـأساء إجعل ضياءك للعلاية بسمةً / وعلى السفالة نضرةً وصفاء / واسكب بدارس من ضيائك حزمةً / تضفي عليه طهارةً وبهاء)

يصف الشاعر انفعالاته وهو يرى وطنه مجددا بعين الرضا والقبول، فجاءت القصيدة كمنظومة رائعة للعتب والشوق ولهفة اللقيا، فيقول: (يا بلادي مـا اغتربنا ما نأنيـا / طالما أنـا رجعنا فالتقينا / قـد نسينا أمس مـذ لُحتِ لنا / ومن البهجة بالعـود بكينا /عجبا كيف مضت أعمارنا / نحمل الفقد فلم يقضي علينا / إنها عشرون عاما من جوى / لحبيب هو كالروح لدينـــا /مـذ لقيناه استعدنـا عُمرا / قـد سرى كالبدر في ليلٍ إلينا / فكـأنـا في صبا من زهوه / وكـأنَّ الـدهـر طوعٌ في يـدينـا)

 

0 التعليقات .. رابط

الفنان والناقد شــــــــــــوكت الربيـــعي

ثلاثية أحزان القصب ( 31)تأليف شوكت الربيعي- المثقف- 12/ 9/ 2008م -

ثلاثية الأحزان (31)

أرسل لصديق
شوكت الربيعي- المثقف   
Friday, 12 September 2008

الواقعية في الأدب والفن: الأداء الفني،

العناية بالتركيب والأسلوب والاضاءات النقدية،

 التقنية الشكلية والدلالية والجمالية، آلية القصة القصيرة.

 رؤى حديثة في الشعر والقصة القصيرة والفنون التشكيلية

والسينما في سلطنة عمان.

 

 (القصة الاجتماعية والقصة الرومانسية) في عمان والخليج العربي.

مقدمة: لقد سيطر مفهوم الواقع الاجتماعي على كتاب (القصة الاجتماعية والقصة الرومانسية) في الخليج العربي، فظنوا أن ما يكتبونه ينتمي إلى الواقعية، ويرجع ذلك إلى المفهوم الذي يوجه صياغة القصة القصيرة لديهم، ويقرر لهم أن ما يكتبونه واقعي. فهم يفترضون أن تسجيل الواقع أو صياغة بعض الأحداث التي وقعت في حياة بعض النماذج البشرية، يفترضون ذلك معياراً للواقعية التي ينزعون إليها، وهذا ما جعل فن القصة لديهم لا يسلم من التخبط والاضطراب الشديد ليتأكد لدينا عنهم المفهوم الضيق للواقعية الذي كان يحاصرهم محاصرة شديدة لم يستطعوا الفكاك منه، فارتباطهم بالنزعة الواقعية يقوم أساسـاً على حكايـة ما حدث فـوق سطـح الـواقـع. حجـة واهيـة، وغير مقنعة من الوجهـة الفنيــة بمـا تنطــوي علـيــه من جوانب تحرر الارتباط بالـواقـع، عـبر الالتقـاط والتسجـيـل لمشاكلـه الجاهـزة فقـط. ومن قراءة نوع القصة الفني (شكلا وموضوعا) يمكن أن ندرك اضطراب المفهوم الواقعي الذي كان يسيطر عليهم،فهي موجة قصصية من أضعف القصص التي نشرت خلال فترة الربع الاول من القرن العشرين، وأبعدها عن الفن، وأول ما يصدم القارئ فيها هو أسلوبها التقريري المباشر الذي يواجهنا به الكاتب في وضوح تام، فيجعلنا أمام لغة سردية جافة لمجموعة من الأحداث الماضية، والذكريات المؤلمة. ويلخص الكاتب عادة (سيرة ذاتية)، فيها أحداث حياته وأسرارها ويسجلها دون إدراك فني لما يعنيه شتات الأحداث المتراكمة، فهو لا يوردها في بناء فني متماسك، ولا يقيم لها لغة فنية موحية تعتمد الرصد والاختيار من الواقع وفق استراتيجية فنية أو فكرية محددة . فقد كان يريد أن (يجعل من قصته) مخزن أسرار (يودع فيه ما ظل محتفظاً به سنين طويلة، والقصة بذلك لا تسترعي الانتباه، فهي لا تتميز بجوانب فنية بارزة، ولا تعتمد أسلوباً واقعياً جديراً بالاهتمام . وقد يرجع ذلك إلى الفكرة الفوتوغرافية التي كان يقام لها الشأن الأكبر في تحديد مفهوم الواقعية في القصة القصيرة .وقام هذا المفهوم على عدم التمثل الحقيقي لمعنى الواقعية في القصة، فهو يتعلق بالظواهر الخارجية، وبالتقاط المظاهر الطافية فوق سطح الحياة دون أن تنفذ إلى جوهر الأشياء المحيطة نفاذاً يعمل على الاختيار الموجّه من أجل بناء فني متماسك، ومعالجة فكرية واضحة) من الواقع يخلط بين (طبيعة الواقع) و(طبيعة الفن) (7) وتلك هي المشكلة الأساسية التي واجهها كتاب القصة القصيرة والمسرح في تلك الفترة .

كنا نربط بين مفهوم القراءة والكتابة والواقع الذي نعيشه، باحثين عن متعتها وقيمتها الفنية من بين مئات المقالات الأدبية المختارة والمجاميع الشعرية والقصصية والكتب الفنية والنقدية وتاريخ الفنون عامة متسائلين عن اعتبار هوايتنا الشغوفة بالقراءة، اختيارا وحوارا ورؤية وموقفا ومتعة. من هذا المنطلق نكتب الملاحظات وندون المفاهيم عن تجارب المبدعين الذين تعرفنا أعمالهم طيلة مكوثنا في مسقط من سلطنة عمان. وكان من نتائج محبتنا لهم ما نشرناه عن التشكيليين العمانيين كافة في الملحق الثقافي (شرفات) على امتداد أربع سنوات توجت بإصدار كتاب مصور تحت عنوان/ الفن التشكيلي المعاصر في عمان/ من القطع الكبير ويتضمن مائتي عمل فني وبطباعة أنيقة متميزة ليس في الخليج العربي وحده وإنما على مستوى الكتب الفنية المصورة الصادرة عن دور نشر راسخة في العالم . يقابل هذا الجهد، ما كنا قد نشرناه عن تجارب الشعراء المتفردين أمثال/ سماء عيسى وزاهر الغافري وابراهيم المعمري ومبارك العامري وسيف الرحبي وحسن المطروشي وسعيد الصقلاوي وسعيدة خاطر وطالب المعمري وعن كتاب آخرين برعوا في الكتابة للمسرح والاذاعة والتلفزيون، ونخبة من الذين صدرت لهم مجاميع قصصية منذ عام 1980 م.

لقد ظن المتابعون لتجربة القصة القصيرة في عمان، أنهم يؤسسون على اعتبار مجموعة القاص الراحل أحمد بلال / سور المنايا /عام 1980م هي الاشارة التسجيلية الاولى لتحديد نقطة بداية نشر المجاميع القصصية . ووتبعتها مجموعة اسماعيل السالمي / جمعوه وناس آخرون / عام 1982م ومجموعة اخرى للكاتب احمد البلال بعنوان/ واخرجت الارض/ عام1983م/ واصدار الشاعر القاص محمود الخصيبي مجموعة / قلب للبيع / عام 1983 م / وإصدار المجموعة الاولى / الجبل الاخضر / للشاعر سيف الرحبي.. وظهور باكورة اعمال القاص الكاتب أحمد الزبيدي / انتحار عبيد العماني / العام 1985م، وتبعه مسعود المظفر عام 1987م مجموعته القصصية الاولى / ويصدر الكاتب علي الكلباني مجموعة / صراع مع الامواج / والكاتب محمد القرمطي مجموعة / ساعة الرحيل الملتهبة / عام 1988م وصادق حسن عبدواني مجموعة الدجالة -1989م. ثم صدرت عام 1990م مجموعة زغاريد الصهيل للقاص حمد رشيد وصدر ليونس الاخزمي مجموعته الاولى / النذير / عام 1992م.واصدر القاص محمد علي البلوشي / مجموعته / مريم / والقاص علي المعمري مجموعته/ ايام الرعود عش رجبا / وسيف الرحبي الشاعر يصدر مجموعته الثانية منازل الخطوة الاولى / وفي عام 1993م اصدر القاص يحيى المنذري مجموعة / نافذتان لذلك البحر / ويصدر القاص محمد سيف الرحبي مجموعته / بوابات المدينة / عام 1993م واصدر الكاتب علي المعمري مجموعته القصصية الثانية/ مفاجأة الاحبة / والقاص سالم آل تويه يصدر مجموعته القصصية الاولى / المطر قبيل الشتاء / عام 1994م / ويصدر خليفة بن سلطان العبري مجموعته / مواسم الغربة / عام 1994م / وينشر عبد الله حبيب مجموعته / قشة البحر / 1994م وفي عام 1995م يصدر علي المعمري مجموعته الثالثة بعنوان سفينة الخريف الخلاسية واصدر اليحيائي خرزة المشي عام 1995م والكاتب علي الصوافي مجموعة / جنون الوقت / وفي عام 1996م اصدر القاص يونس الاخزمي مجموعته الثانية حبس النورس / وفي العام 1997ماصدر الكاتب نمير آل سعيد مجموعته الاولى ضيوف من السماء ونشر القاص سالم الحميدي مجموعته الاولى / روائح الفقراء / وينشر الكاتب علي في العام 1997م مجموعة بعنوان / أسفار دملج الوهم / وفي العام 1999مصدرت مجموعة احمد الرحبي اللون البني / ومجموعة محمد اليحيائي بعنوان / يوم نفضت خزينة الغبار عن منامتها وصدرت مجموعة / دثار / للقاص احمد بن علي المعشني وفي العام 1999م أصدر الكاتب خالد العزري مجموعة / هذيان الدمى / ثم أصدر يحيى سلام المنذري مجموعته رماد اللوحة ويونس الاخزمي مجموعة / حمى أيار / ومحمد سيف الرحبي / مجموعة / ماقالته الريح وفي العام 2000م اصدر سالم تويه مجموعته الثانية / حد الشوف) (*)

لاشك بأن احدى وظائف الفن هى استبدال قدرة الجمال على التأثير بالايمان الروحي الجمالي على الاقل يجب ان يكون لهذا الجمال سطوة قصيدة شعرية او قصة قصيرة أو دراما مقتحمة ومؤثرة:اى تلك التى تدون تاريخا آخر في العقل والنفس معا.

والغريب في بعض انتاج كتاب القصة القصيرة في عمان أنهم لم يتحمسوا إلى كتابة روايات التاريخ العربي والاسلامي الذي تحمس له كبار الكتاب العرب في أفق ثقافي لم يخلُ من التأثّر بالرواية التاريخية التي أسس ملامحها الكاتب البريطاني الشهير سير والتر سكوت (1771-1832) الذي عرفه قراء العربية بفضل ترجماته الباكرة، وبخاصة فضل الذين قرأوا بلغته الإنكليزية روايات من طراز «روب روي» (1817) و»إيفانهو» (1819) والطلسم (1825)، وهي روايات أثارت الإعجاب باهتمامها بالتاريخ، وأصابت بالعدوى كثيرين من الروائيين في مصر، على رأسهم جرجي زيدان (1861 - 1914) اللبناني الأصل الذي أنشأ في القاهرة «مجلة الهلال» (1892) و«دار الهلال» للنشر، واهتم بكتابة التاريخ الإسلامي في قالب قصصي، يمزج بين الحقيقة والخيال، ويغري القارئ بقراءة رواياته التي جمعت ما بين «المملوك الشارد» (1891) و«أسير المهتدي» (1892) و«استبداد المماليك» (1893) مروراً برواية «فتاة القيروان» (1912) وانتهاء برواية «شجرة الدر» (1914) التي صدرت سنة وفاته. وكان نجاح الرواية التاريخية التي تستوعب التاريخ الإسلامي حافزاً لانتشارها بين عدد لا بأس به من الكُتَّاب الشوام، ولكن في اتجاه «التمدن الإسلامي» الذي ألحّ عليه جرجي زيدان والمتأثرون به، وتباعد عنه أمثال نجيب محفوظ من تلامذة سلامة موسى الذي انحاز إلى الوطنية المصرية التي فجّرتها ثورة 1919، وتعصَّب للتاريخ الفرعوني الذي كشف عن عظمته التي لا مثيل لها اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون سنة 1924، وما تركته من آثار جذرية في التيار الثقافي الوطني المعتز بمصريته، تمييزاً لنفسه عن تيارات الرابطة الإسلامية أو الدعوة إلى إحياء الخلافة الإسلامية، وذلك بعد انقلاب أتاتورك وإنهاء الخلافة العثمانية التي ظلت منطوية على مبدأ الدولة الدينية الذي رفضه بشدة أمثال سلامة موسى الذي انتقل رفضه إلى تلميذه النابه، فظهر في كتاباته التي ظلت مناقضة لمبدأ الدولة الدينية، منحازة إلى الدولة المدنية التي تجمع كل عناصر الأمة، وتحقق شعارات: «الدين لله والوطن للجميع»، و«وحدة الهلال مع الصليب». وهو الانحياز الذي كان على نجيب محفوظ أن يدفع ثمنه غالياً بعد أكثر من نصف قرن) وكان الدكتور ابراهيم عبد الله قد اهتم في مجال القصة القصيرة بين السرد والميثولوجيا، مركّزا على مدى الاستجابة السردية فيها لحضور الميثولوجيا (الأساطير)، وقد درس في هذا الفصل الممتع: تحرير الطاقة القصصية عبر تعميق مكونات الخطاب الحكائي في القصة القصيرة. وتعميق دلالة الزمن في القصة القصيرة عبر إخراجه من إسار المطابقة الفيزيائية، لتحقيق قدر من الكثافة الزمنية غير المعهودة. ومزج الواقع بالأسطورة عبر إقامة ضرب من التشابك بين هذين المركبين قصد تفجير الطاقة القصصية)

 

 (1) - تجربة متميزة: د. إبراهيم عبد الله والقصّة القصيرة في الخليج العربي .

كان من بين الباحثين الذين كتبوا عن نشأة واتجاهات ومسيرة القصّة في الخليج العربيّ، الدكتور إبراهيم عبد الله غلوم، عميد كلية الآداب في جامعة البحرين، الذي أثرى المكتبة العربية بدراسات قيّمة تناولت القصّة القصيرة في الخليج العربي. وبخاصة كتابه “عالم روائي في القصة القصيرة: دراسات نقدية في القصة القصيرة في الخليج العربي” مكرّساً لهذا التوجه البحثيّ الجادّ ومجدّدا النظر إلى قيمته التاريخية (التوثيقية) والنقدية والجمالية، انطلاقاً من مواكبة علمية لنصوص خليجية تنتمي إلى هذا الفن الذي يسهم لحد الآن في الاستجابة السردية للهوية القومية. وهو افتراض وتصور ومدخل لدراسة القصة القصيرة في الخليج العربي المراحل التي مرت بها والسمات التي تقوم عليها أعمال القصاصين الخليجيين، في مقاربة تعمد إلى ربط الشأن البيئي والثقافي والاجتماعي والمعاشي بالفنّي).

وقد رصد ملامح عامة على القصة القصيرة في الخليج العربيّ خلال الستينات، ويمكن عرضها بشكل موجز كما يلي: (تداخل الاتجاهات والمذاهب في كتابة القصة القصيرة مع رغبة في محاولة خلق قصة قصيرة حديثة فنياً)، (تعميم تجربة كتابة القصة القصيرة على أقطار الخليج العربي، بعد بدايات هنا وهناك).(ظهور الواقعية والواقعية الاشتراكية والتجريبية في القصّة القصيرة).(- تطور القصّة القصيرة من التسجيلية الواقعية إلى معالجة أبعاد أعمق تتصل بأزمة الإنسان الحديث في أبعاده السياسية والدينية والوجودية. وقد صاحب ذلك اتساع الطبقة الشعبية التي انشغلت بها القصة القصيرة). فهذه الملامح كلها أوقفت الباحث، عند التحليل، على حضور الروح النضالية والرموز العربية والوطنية في نصوص هذه “الحساسية الجديدة” للقصّة القصيرة الخليجية). وانتهى غلوم إلى الإقرار بأن تجربة القصة القصيرة في الخليج العربي إذا كانت “ترسم مظاهر مؤلمة للإحباط الاجتماعي والسياسي والحضاري منذ الستينات، فما ذلك إلا من تأثير حجم ردود الفعل (القومية) من الإحباط الذي عانت منه حركة القوى الاجتماعية في الوطن العربي بعد نكسة 1967م”. وقد سعى الباحث إلى إبراز الرؤية المنهجية التي اعتمدها، وهي رؤية تستثمر رصيد النقد الثقافيّ السائد. من ذلك أنه يعطي القارئ بعض المفاتيح للفهم التأويليّ وللقراءة النقدية الثقافية لعدد من آثار القصة القصيرة الخليجية. “ففيها موقف دائم ضد المرأة ووراءه بطل ينهار .. وكاتب ينتحر ببطء .. وفي قصص أخرى نرى صعودا دائما لامرأة من ميثولوجيا ومن مفردات الأساطير المبعثرة في الوعي تقف وراءها بطلات مجلّلات بالسحر والقدرة العجيبة على الاختفاء واستلاب الرجال، بل وإخصاء فحولتهم بأنوثة أقوى وبحضور أشم وأنبل وأسمى وأكثر تعاليا. وتقف وراء هذه البطلات كاتبة منعزلة منطوية إلى حد الاختفاء. وفي قصص تالية نسمع متكلما ينقل الواقع كالخيال فيكاد يخفيه، ويعفى عليه لولا أن الكاتب يفضحه ويكشف وراءه عن نسق ثقافي متمكن لدى جيل كامل ومؤسس لمجتمع الخليج منذ الأربعينات وحتى السبعينات”. ويخلص الباحث الدكتور إبراهيم عبد الله إلى أن"النسق"، يزيح الفواصل التي وضعتها نظرية الأجناس ويجعل للمبدع خطابا متصلا يرجع إليه”. ولعل الأمثلة والنماذج التي استعان بها تشفّ بصورة صادقة وعميقة عن محتوى المنهج؛ فالمؤلف يفتح عالماً روائياً من خلال نقد القصص القصيرة في الخليج العربي. وبذلك تكون المقاربات متجانسة في عمقها نظرا إلى توحّد المنظور وتشابه المتن ووضوح النسق الثقافي الذي يتحكم (يوجّه / يعدّل / يلغي.) في سيرورة إبداع القصة القصيرة.. ولعلّ من مزايا المقاربة الثقافية، أنها تحرّر هذا الجنس الأدبيّ من التركيز على الشروط الشكلية الكمّية التي تهمل الدور الثقافي الذي يضطلع به خطاب القصّة القصيرة في السياق الثقافي العامّ داخل الأجناس السردية أو ضمن النسق الاجتماعي الأعمّ.

درس الدكتور غلوم في كتابه “انتحار المؤلف وانهيار القصّة القصيرة”، وخلص التحليل إلى الوقوع على “عنصر جوهري مشترك له حضور نسقي واضح يؤسس لقيام حدث درامي واحد”. وذهب الباحث في تقويمه إلى أنّ “الذاتي المباشر يقوّض حدود العالم القصصي/ الموضوعي” في تجربته، وهو ما يؤدّي - إلى ملاحظة “ انهيار إمكانات التعايش بين الذاتي والموضوعي”. واعتبر الباحث هذا التوصيف تعبيراً عن نسق ثقافي مهم يتجلى في “انحسار إمكانات استمرار خلق الواقع للمجتمع العربي في البحرين والخليج”. كما يظهر في “تطرف الذات المباشرة ووحدتها في سياق حركة القوى الاجتماعية فضلا عن وجود شروط اجتماعية وثقافية تهيئ لها المناخ الملائم”. ودرس موضوع “المتكلم في حيز المتكلم: التخييل في حيز التخييل”. وقد وقف الباحث عند محاولة تفسير “ انبناء القصص أو انقسامها بين بنيتين سرديتين: متكلم يصرّ بوضوح على الحضور والمثول المستمرّ أمام جميع مستويات تشكل الحدث / الشخصية. وغائب يتستّر بحياء مكتوم وراء تشكلات وتفاصيل الحياة التي يتدفق بها الحدث / الشخصية”. ويرى الباحث أن القصص القصيرة في الخليج العربي تضع “تقاليد الفصل المطلق بين التخييل والواقع موضع مناقشة “....” (لا) على مستوى القصة بوصفها مدلولا سرديّا وإنما على مستوى الخطاب أو الحكاية بوصفها دالاً أو منطوقاً أو نصّاً سردياً بحسب تعبير جينية”. ويدرس في هذا الفصل ما سماه “المتكلم الموازي” وهو عنده “شخصية تخترق المسافة الفاصلة بين المتكلم المؤلف والمتلقي”. ويهتم الباحث بالمتكلم “بوصفه صيغة للمحايثة السردية”. وخلص في نهاية الفصل إلى أنّ القاصّ قد صاغ “فكرة عدم اليقين بما هو حقيقي من خلال رؤية يختلط فيها الرومانسي بالوجودي”، وقد وقف الباحث على جملة من الاستنتاجات المهمة في هذا السياق، نذكر منها: - توكيد مظاهر الحكاية على حضور المؤلف حضوراً مؤقتاً أو متخفياً يهيمن عليه متكلم خارجي.- وجود ثلاثة متكلمين في الخطاب السردي: المتكلم/ المؤلف / المتكلم الخارجي / المتكلم/ الشخصية. وفي مجال الاجتهاد بتحديد مفهوم المتخيل السردي، عندما نحدد التباينات التقنية (ثمة فرق بين الخاطرة والقصة، بين التسجيل الواقعي لبعض الحركات والمشاعر والأهواء والأفكار والخيال العابر، وبين المتخيل السردي الذي يحيا بطله ويعاني من عبء التحوّل والاضطراب في دائرتي الزمان والمكان. وما لم يتعلّم القاص طريقة فاعلة للرجوع إلى نفسه وتراثه الخاص، ويبادر إلى الإمساك به كما يمسك بمصيره واختباره. هناك أفق تجريبي واضح في أغلب النصوص القصصية التي قرأتها في المجموعتين، افق نشعر معه بأن المعنى غير مكتمل، والدلالة غائبة، إلاّ بشكلها الأوّلي الذي يتناثر مع تناثر النص شظايا وأجزاء تستثير الهواجس والأفكار وتشير إلى محنة الراوي السارد وأزماته الداخلية بهذه الكيفية أو تلك، ولكنها لا توفر دائما الغطاء السردي المناسب واللغة الفاعلة التي تضعه في إطار قصة أو حكاية يمكن متابعة مقدماتها ونتائجها وطريقة تشكّل حبكتها بطريقة واضحة ومنظّمة)

 (*)- د. ضياء خضير ناقد عراقي مقيم في سلطنة عمان . (*) - صابر الحباشنة .

 

 (2) - تجربة متميزة: الدكتور معجب الزهراني و(مذكرات أميرة عربية) و"نصوص المنفى"

 المنفى والسعادة لا يجتمعان قراءة في مذكرات أميرة عربية للسيدة سالمة بنت سعيد القضية الأولى تتعلق بـ "نص المنفى" ككتابه قلقة متوترة تقع في هامش العلاقة بين لغتين وأدبين وثقافتين دون أن تتموضع وتستقر في أي منهما، وإذا كان هذا النمط من النصوص "الهامشية " يشكل اليوم "ظاهرة " أدبية عالمية تتسع باستمرار مكونة تيارا أدبيا قويا وطليعيا بكل المعايير كما يقول إدوارد سعيد (ا)، فان للكتاب العرب حضورهم الخاص والمتميز في هذا السياق، إذ أصبحت بعض نصوصهم المكتوبة في المنفى بلغة المنفى جزءا من الأدب العالمي لرواجها وحسن استقبالها. نعتبر (مذكرات أميرة عربية) التي كتبت بالألمانية في ستينات القرن الماضي، ونشرت في برلين عام 1886م، ثم ترجمت إلى الانجليزية عام 1888م، والى الفرنسية 1889م، والى الانجليزية مرة ثانية عام 1905م، بمثابة النص التأسيسي الأول في هذه التغريبة الجديدة التي مازالت فصولها تتوالى منذ سالمة بنت سعيد إلى أهداف سويف مرورا بجبران خليل جبران ومحمد ديب ومالك حداد وكاتب ياسين واندريه شديد والطاهر بن جلون وأسيا جبار وعشرات الأسماء المبدعة الأخرى.

"نص الجسد": نمط من الكتابة المتحررة التي تحاول تغطية الجسد الفردي والاجتماعي والثقافي بأصناف الخطابات التي تحجبه وتغيبه وتنفيه إلى مجال المصموت عنه، واللا مفكر فيه. فإذا كان تراثنا الكلاسيكي، وخاصة الشعبي منه، مترعا بمثل هذه الكتابات الكاشفة عن أقانيم الرغبة والمعبرة عن الشوق إلى الانعتاق والحرية فان أدبنا الحديث مازال فقيرا اليها لان الجسد، وخاصة الجسد الانثوي - مازال يختزل في صورته "الرغبوية" أو في صورته "البيولوجية – الوظيفية" نتيجة الهيمنة الأبوية - الذكورية المولدة والمكرسة لهذه الصور النمطية الاختزالية.

لاشك أن النص الذي بين أيدينا يجسد ريادة ما لأنه يمثل خلخلة مبكرة لهذه الايديولوجيا ودعيت بعد حوالي قرن كامل من كتابة ونشر هذه المذكرات الجريئة بالكتابة "المختلفة " عن "الهوية والاختلاف" وهي كما نعلم، قضية إشكالية تحتل المركز من خطابنا الحديث نتيجة تطور الوعي بالحضور الطاغي للآخر الغربي في حياتنا ومخايلنا من جهة ونتيجة نمو وتعمق الوعي بحقوق الذات الفردية في علاقاتها المختلفة في المجتمع من جهة ثانية. كانت مذكرات سالمة بنت سعيد مغامرة سباقة في هذا الاتجاه إذ ما إن نقرأها حتى نكتشف أنها تسمي وتوصف تجليات وآثار الوعي بهذه القضية الاشكالية بطريقة متطورة ومتقدمة عما نجده في نصوص كتاب القرن الماضي ممن تعرض للعلاقات مع الحضارة الغربية، وساهم في تأسيس خطاب (النهضة)، أو "التنوير" كما نسميه اليوم، أمثال الطهطاوي وعلي مبارك وخير الدين التونسي وأحمد فارس الشدياق وعبدالرحمن الكواكبي، ولا أبالغ إذا قلت أن سالمة بنت سعيد كانت سباقة إلى نقد الخطاب الاستشراقي وإلى تأسيس اللبنة الأولى في سياق ما يسميه الخطيبي بـ (النقد المزدوج) ويعني به هذه الممارسة الفكرية التي تسمح للمثقف العربي بتبني رؤية نقدية جذرية تجاه ثقافة الآخر "الحديثة" وتجاه ثقافة الذات "التقليدية"، وصولا إلى بناء خطاب جديد يحرر هويته من أي انتماء منغلق لا يعبر عن معاني حضوره الخاص في الحاضر الكوني (3). سنحاول مقاربة هذه القضايا المتعالقة باعتبارها "ثيمات" يمكن تحديدها من خلال لعبة الكتابة، وتحديدا من خلال علاقات التعارض والتكامل بين لغة الذاكرة ولغة الجسد، لأن جملة البنية النصية تتأسس على هذه العلاقات ومنها وعنها تنبثق أبعاده الدلالية الأهم من وجهة نظر هذه القراءة كما سيتضح لاحقا. ماذا نعني بلغة الذاكرة ولغة الجسد؟. أعني بالأولى جملة المقاطع التي تحكي وتخبر عن أحداث ووقائع خارجية موضوعية عاشتها أو عايشتها الكاتبة في الماضي وهي تستعيدها "تتذكرها" لحظة تدوين النص لأهميتها المعلوماتية الوثائقية أولا وبعد كل شي ء. في هذه المقاطع، ويمثلها الفصل الأول بقوة ووضوح، يسرد الحدث بصوت "الراوية / الكاتبة" دونما تدخل مباشر فهي حتى وإن أوقفت عملية السرد لتشرح وتعلق وتقارن بين ما هو "هناك"- في وطنها الأصلي- وما هو "هنا"_ في الوطن المنفى".

أما لغة الجسد فهي ماثلة في المقاطع والعبارات التي تبوح فيها الكاتبة عن مشاعرها واحساسيها وخيالاتها، في الماضي أو في الحاضر، باعتبارها أحداثا داخلية -ذاتية تترجم عن عالم الرغبة والطموح والحلم والألم والحب والكره والخوف.. الخ. هذه اللغة تصلنا نحن القراء- المتلقين عبر صوت "الكاتبة- الشخصية المركزية" في الحكاية إذ لا مسافة هنا بين الذات والموضوع، أو بين النص وكاتبته، وهنا تحديدا تتراجع الوظيفة الحبرية، أو المعلوماتية، لصالح الوظيفة الانفعالية والتعبيرية حسب مفهوم رومان جاكبسون للوظائف المختلفة للخطاب اللغوي» (4). لغة الذاكرة، هي المهيمنة في النص / إن هيمنة هذه اللغة في مستوى البنية الظاهرة، أو السطحية، للنص لا تعني أنها هي الأهم في مستوى بنيته العميقة. فلغة الجسد التي ترد كمقاطع عرضية قصيرة، مكثفة ومنطوية في ثنايا اللغة الأولى هي المنبثق الأول والأهم للنص لأنها الامتداد الحقيقي والحميمي لجسد الكاتبة في متن _ جسد النص. أكثر من ذلك فإن هذه اللغة كثيرا ما تحضر كفلتات اللسان (Labsus) فتخلخل اللغة الأولى وتكشف عما تحاول اقصاءه واخفاءه وكأن الذاكرة خداعة وخوانة بينما الجسد لا ينسى كما قال فرويد / ان سالمه بنت سعيد لم تكن تتعمد طرح القضايا التي نركز عليها هنا وإن كان نصها يطرحها علينا من خلال شفراته أو من خلال "لاوعيه" كما يمكن للقراءة النقدية الحديثة أن تعيه وتكشف عنه. وبصيغة أخرى نقول إننا هنا أمام تمييز اجرائي تبرره وتسمح به قراءتنا المسكونة بهواجسها ومشاغلها "الراهنة " وبعيدا عن مقصدية الكاتبة المعلنة من الكتابة / الكتابة بلغة أجنبية تختلف عن (الـ) لغة الأم في معجمها ونحوها وطرائق ترميزها للكون والكائنات تجربة باهرة لكنها مأسوية وموسومة حتما بآثار العنف فهي في جوهر الأمر جزء من تجربة المنفى كمعاناة دائمة يعيشها ذلك الشخص الذي تحول طوعا أو كرها إلى "أجنبي محاصر بعلاقات يومية تذكره بغربته وهامشيته في الزمن والمكان. وأي نص يحكي تجربة المنفى والاغتراب لابد وأن ينبنى على شكل من أشكال التوتر الشديد "والمؤلم" بين لغة الذاكرة ولغة الجسد. الأولى تشده نحو الماضي المخزون في شكل رموز وصور هي كل ما تبقى من تلك الحياة الحميمية المنتقدة وتجذبه الثانية نحو الحاضر حيث يعيش الجسد الغريب المغترب في سياق شروط ووضعيات جديدة لا يمكنه الاندماج فيها بعمق واطمئنان، حتى وإن تلبس الاقنعة ومثل الادوار وصدق الظنون والتوهمات. المؤكد أيضا أن النص المنكتب في هكذا وضعية لا يشكل إلا مقطعا قصيرا من "الكلام" الذي يحلم الكاتب - الاجنبي بكتابته أو سرده أو حتى الهذيان به، بعد أن خرجت حياته كلها من نسيج الطمأنينة، الحقيقية أو المتوهمة، التي تنسجها حول الكائن لغته الأصلية وعلاقاته الأولى بفضاءات الطفولة والألفة في بلده الأصلي. / يتحول إلى "فضاء بديل" هو وحده القادر على ايهام منتجه بامكانية السكني في عالمين متباعدين، مختلفين وقد يكونان متناقضين في كل شي ء. فإذا كانت الكتابة الأدبية عموما لعبة تخيلية طقسية يحاول الكاتب فيها ومن خلالها التحرر من الشروط المعتادة للزمن والمكان، فانها هنا وبالاضافة الى ذلك تتلبس بعدا انطولوجيا - سوسولوجيا، يتولد عن محاولة الكاتب اعادة تأويل معانى وجوده ومصيره الذاتي فى اتجاه الخلاص من آلام المنفى او التخفيف منها قدر الممكن والمستطاع هنا تحديدا تتحول الكتابة الى عملية ترحال دائم بين هذين العالمين فى محاولة يائسة لامتلاك احدهما والتموضع او الاستقرار فيه نعم لا وطن للمنفى غير نصه... هذا النص الذي لايمكن مهما بلغ من النجاح وحسن التلقى والاستقبال ان يشكل وطنا حقيقيا ومن هنا نتفهم معنى قول ادوارد سعيد وهو من اشهر المنفيين فى عصرنا "المنفى والسعادة لا يجتمعان".

الكتابة فى المنفى بلغة المنفى هي اذن استمرار وتجسيد لمعاناة مأسوية تذكرنا بقصة خروج - نفى ابوينا من الجنة وحلمهما وحلمنا الدائم بعدهما، بالعودة اليها، والسكني الدائمة فيها، كما يحلم كل انسان بالعودة الى وضعية الجنين المقيم باطمئنان فى رحم الام، لكن هذه الكتابة هي فى نفس الوقت من بين انجح الوسائل لتجاوز هذه المعاناة من خلال تحويلها الى موضوع للتأمل واعلاء ما تتضمنه من قيم انسانية عميقة لعل من اهمها قيمة البحث عن الحرية التي غالبا ما تكون وراء حكاية المنفى.

فهذه التجربة لايمكن ان تكون محض اختيار للكاتب لكن مأسويتها، يجب ان تتحمل بغية اعادة الهوية بل واعادة الحياة نفسها الى مكانة ادل واعمق كما يقول ادوارد سعيد(5) فالانفصال عن او التحرر من تبعات الانتماءات العائلية والوطنية والثقافية وعدم القدرة او عدم الرغبة فى تحقيق الاندماج الاستلابى فى الفضاء الثقافي الاجنبي يجعل من عملية الكتابة محاولة جدية للتعالى فوق جميع التوترات وتكريس الطاقة الانسانية الخلاقة فى الكاتب -الانسان من اجل عملية الكتابة ذاتها وباعتبارها وسيلة الخلاص وفضاء تحقيق الذات يقول تزفتان ثودروف - وهو من مشاهير المنفيين ايضا – (ان المنفى هو فضاء اللا انتماء بامتياز لكن كثيرا من الكتاب والمفكرين القدماء والمحدثين يختارون هذه الوضعية توقا الى حرية العقل والجسد واللسان وهذا تحديدا ما يميزهم عمن يختار المنفى طلبا للرزق او للمتع الغرائبية (6). نصوص تمثل فيها قصة المنفى هذه عنصر التشاكل الاساسي كما اشرنا اليه من قبل من هنا ومن وجهة نظر تاريخية)، تأتى اهمية مذكرات سالمة بنت سعيد اذ انها فى حدود علمنا اول من كتب بلغة المنفى فى المنفى من الكتاب العرب والمحدثين كما ان كتابتها لقصة حياتها باللغة الالمانية تمثل سابقة فريدة من نوعها اذ ان الكتاب العرب المهاجرين او المهجرين كتبوا ومن بعدها بفترة طويلة بالانجليزية او بالفرنسية وقلة منهم من يجيد هذه اللغة اصلا وللاسباب التاريخية التي نعرفها جميعا. / يقول الاستاذ عبدالمجيد القيسي مترجم النص من الانجليزية الى العربية "واذا كان ادب التراجم فى لغة الضاد على هذه الحال من الندرة فى ادب الرجال على وفرته، فهو فى ادب النساء وهو فى حد ذاته نزر قليل بحكم المعدوم اصلا وعلى هذا فاكتشاف اي اثر عربي من هذا القبيل يعتبر ولا شك اضافة قيمة الى تراثنا النزر فى هذا الميدان خاصة اذا كان هذا الاثر قد كتبته اميرة عربية من نساء الشرق فى القرن التاسع عشر عاشت فى بيت ابيها السلطان فى أقصى بقعة حكمها العرب وهى زنجبار" (ص 11). ومع اتفاقنا التام مع المترجم على اهمية هذا النص من هذا المنظور الادبي إلا ان القيمة الاهم التي تمثلها وتجسدها هذه المذكرات تتجاوز ما يلح عليه فى هذه الفقرة من المقدمة، فالقارىء العادى، فضلا عن الناقد المحترف، يدرك بمجرد قراءة هذه المذكرات انه امام مغامرة تكمن اهميتها الاساسية فى جرأتها وقدرتها على خلخلة الكثير من المسلمات التي استقرت فى الاذهان لطول تكرارها عن المرأة والكتابة والجسد والهوية والذات الأخرى.

 

قالت الكاتبة في مقدمة الطبعة الأولى موضحة مقصديتها من كتابة قصة حياتها ونشرها لاحقا في شكل مذكرات "انهيت منذ تسع سنوات كتابة قصة حياتي هذه وكنت قد قررت كتابتها ليقرأها من بعدى اولادي حين يكبرون فلم يكونوا فى ذلك الوقت فى سن تسمح لهم ان يعرفوا شيئا عن ماضي حياتي واصل منبتي وعن وطني زنجبار وقومى العرب "وتضيف:"وكنت فى حال من الوهن والسقم والارهاق لم اكن اتصور معها بقائى على قيد الحياة امدا يكفى لاروي لهم بنفسي سيرة حياتي ولهذا وذاك لم يكن نشرها يخطر على بال وما وافقت على نشرها مؤخرا إلا نزولا عند رغبة الاصدقاء والحاحهم"(ص 53).

 

ان حيوية الذاكرة تقابل وتدعم وهن وضعف الجسد المهدد بالموت فى الغربة وان نص الماضي يستحضر فى الحاضر ليشكل فى المستقبل فضاء لغويا مؤثثا بالمرايا الجميلة التي تسمح لهؤلاء الابناء برؤية ما لم يتمكنوا من رؤيته من صور الاسلاف ومأثرهم وقيمهم الحضارية، فما تختزنه هذه الذاكرة المترعة من تفاصيل يمثل عنصر حياة يجعل الجسد يقوى على مجابهة شبح الموت، بل ويؤكد استمرار يته عبر هذا النص - المتن الذي تدونه الكاتبة ليقرأه ابناؤها من بعدها، وهم ضمان استمرارية بيولوجية وجودية تنضاف الى تلك الاستمرارية الرمزية التي يمثلها النص، وحينما نعود الى مقاطع من هذه المذكرات نكتشف ان قلق الانقطاع عن الجذور عميق جدا فى وعى ولا وعى سالمة بنت سعيد حتى لكأن المنفى لعنة تطاردها كما تطارد الاقدار القاسية ابطال التراجيديات الاغريقية !. / ويمكن تفسير حرص الكاتبة على تدوين سيرتها لاولادها، فهي تعي جيدا انها سيدة وفخوره بأهلها إلا ان مغامرتها التي تولدت عن علاقاتها العاطفية - الزوجية بذلك الشاب الالماني التاجر جعلتها تجد نفسها هي ايضا مغتربة ومنفية عن هويتها الاصلية ولا تريد ان تعيد انتاج حكاية تلك الام _ الضحية فما يميز منفى عن أخر هو جملة المواقف والوضعيات التي يتخذها الشخص المنفى بوعى ومقصدية لمجابهة احواله ومصائره فقد يكون المنفى قدرا لا دخل للانسان فيه كما فى حالة الام وقد ينبنى في مرحلة منه على الاقل على قرار واختيار حر واع كما فى حالة البنت / الكاتبة هنا، فمن المؤكد ان السيدة سالمة بنت سعيد ما غامرت بالهجرة الى المانيا وتغيير اسمها وعقيدتها وجنسيتها، إلا لانها كانت تتوقع حياة سعيدة مع زوجها الالماني بعيدا عن الصراعات العائلية التي نشأت عن تنازع السلطة من قبل الابناء بعد موت ابيهم السلطان سعيد كما تسردها الكاتبة بالتفصيل فى مذكراتها، لكن موت زوجها بعد فترة قصيرة من اقامتها فى المانيا جعلها تجابه خطر الشقاء فى الغربة خصوصا وانها كانت وحدها المسؤولة عن ابنائها الثلاثة - وهم بنتان وولد - الذين انجبتهم من هذا الزواج القصير... وستتحول غربتها الى منفى حقيقي عندما تفشل كل مساعيها لمصالحة الاهل والعودة الى الوطن للحياة فيه بهدوء واطمئنان من هنا فإن جانبا من عملية الكتابة يجب ان يفسر ويؤول من هذا المنظور لا من منظور المقصدية الاولية التي تعلنها الكاتبة فى مقدمتها فحسب، فالكتابة من هذه الزاوية هي محاولة لاستعادة وتشكيل الحلم، المشروع الممكن من خلال لعبة الرموز والعلامات من اجل ايجاد ذلك الفضاء البديل الذي يسمح للذات بأن تتحقق كما تشتهي وتريد بعيدا عن سلطات العالم الخارجي القوية الاستلابية والعدائية. / وهذا ما ينسجم مع شخصيتها الذكية والقوية التي تأبى ان تحضر فى الازمنة والامكنة والعلاقات حضورا عاديا هشا ومبتذلا كما يخبرنا النص فى مقدمته فإن المسافة الزمنية الفاصلة بين زمن الكتابة وزمن النشر تمتد تسع سنوات وهذه المدة الطويلة نسبيا لابد وانها ساهمت فى تحرير الكاتبة من قلق الموت، كما ساهمت فى تحريرها من القلق على هوية الابناء ايضا فخلال هذه المدة كان اكبر اولادها على مشارف العشرين "على افتراض انه ولد عام 1867 اي بعد سنة من زواجها" واصغرهم فى سن البلوغ اذا كان عمره حينما توفى زوجها عام 1869او1870ثلاثة اشهر كما تقول هي فى مذكراتها".(ان الشخص الاجنبي او المنفى يظل محاصرا بأسئلة تذكره بغربته وها مشيته وتطالب بالكشف عن اسباب هجرته من هناك الى هنا، والانفصال عن اولئك والاتصال بهؤلاء وهكذا يجد نفسه مدفوعا باستمرار الى تبرير وضعيته الطارئة بما يعلى من قيمة التجربة الانسانية التي يعيشها ويعمل على تأويلها من منظور ايجابي، بحثا عن تفهم الآخرين له، وكسبا لتعاطفهم معه)، وهنا تحديدا فإن عملية الكتابة بلغة المنفى تمثل فى حد ذاتها الدليل الاقوي على ان الشخص المنفى يمتلك شخصية قوية موهوبة وغير عادية، اذ ليس فى امكان كل احد ان يمتلك شروط الكتابة الابداعية بلغته فضلا عن الكتابة بلغة اجنبية عنه قد يكون تعلمها في مرحلة متقدمة من العمر كما هو حال سالمة بنت سعيد. سنرى فى فقرة لاحقة ان هذه الكاتبة لم تكتب مذكرات عادية وانما انجزت نصا يضع الآخر نفسه موضع التساؤل والنقد مما يدل على انها ظلت وفية لروح التمرد والمغامرة حتى فى أقسى الظروف اما الان فسأناقش حكاية المغامرة ~ المغامرات التي افضت بها الى المنفى والكتابة باللغة الاجنبية عن حياتها الفنية بالتجارب السعيدة والشقية والخارجة عن المعتاد والمألوف.

 

تسرد الكاتبة مقاطع هامة من الحكاية التي تكشف عن بداية علاقتها بذلك الشاب الالماني الذي تزوجته وهاجرت معه وحملت اسمه وجنسيته وتعلمت وكتبت بلغته، ورغم اهمية الدافع العاطفي الانساني "الحب" فى هذه العلاقة وما نتج عنها من مغامرة، إلا انه لايكفى وحده لايضاح كل الملابسات فى هذه الحكاية التي تبدو لنا اليوم وكأنها من نسج الخيال لما تمثله من قطيعة مع التقاليد الاجتماعية . وفي ظل الظروف ظروف متوترة مأزومة فى المستوى الذاتي والعائلي والسياسي شاءت الصدف ان تسكن سالمة بنت سعيد فى منزل متواضع بجوار ذلك الشاب الالماني الذي كان يعيش حياة اوروبية برجوازية صاخبة وكان يتعمد اقامة الحفلات الساهرة فوق سطح منزله لاثارة اهتمام جارته الاميرة الشابة الجميلة الثرية والمأزومة . ومن جهتها لابد انها كانت تبحث عن مخرج من هذه العزلة فى هذا السكن المنفى، حيث كانت عملية اتصالها بالعالم الخارجي تتم تحديدا عبر سطح الدار او عبر نافذة فى الجدار، كما تشير اليه فى مذكراتها هكذا تلاقت الاهواء والصدف من الجانبين ليندفعا الى لقاءات كثيرة تحول فيها الاعجاب المتبادل الى علاقة حب قوية لاتخبر عنها الكاتبة شيئا(7). ان العامل الاهم والاقوي والحاسم يكمن فى شخصية سالمة بنت سعيد والتي وصفناها بأنها كانت شخصية قوية متمردة وذكية وغير عادية منذ طفولتها فأولى واخطر تجليات هذه السمات تتضح فى كونها الوحيدة بين اخواتها التي استطاعت ان تتعلم القراءة والكتابة وبشكل سرى) كما تقول "ص 104" .

 

قالت الكاتبة: (بدأت اتعلم الكتابة بنفسي وبطريقة بدائية جدا، وكان على ان اعمل هذا بالسر والكتمان، فما يجوز لامرأة ان تتعلم الكتابة او تعلن معرفتها بها.... ولكن بعد مرحلة معينة كان لابد من وجود معلم يعلمني اصول الخط، وقد عهدت الى احد عبيدنا المتعلمين شرف تعليمي اصول الخط، ولكن امري سرعان ما انكشف للجميع فثارت على زوابع اللوم والتقريع وحملات السخرية والاستخفاف ولكني لم احفل بها، ولم تفل من عزيمتي شيئا فمضيت فى دروسي حتى اتقنتها (~ 104) كما تتجلى ملامح شخصيتها القوية وغير العادية فى حرصها منذ طفولتها على منافسة الاولاد الذكور على اشكال لعب أخرى كانت هي ايضا مقصورة على الرجال، فهي تحكي فى مذكراتها انها كانت مولعة برياضة الفروسية، وقد اوشكت ان تذهب ضحية هذه الرياضة ذات يوم لولا ان غامرت وقفزت من فوق ظهر الحصان قبل ان ترتطم بفروع أحدى الا شجار التي اعترضت طريقها) كما تقول (ص 158) انظر ايضا مغامرات أخرى لها(ص 98) . من هنا تحديدا لا غرابة ان تجترح مثل هذه الكاتبة هذه المغامرة التي افضت بها الى الهجرة فى سبيل تحقيق ذاتها الفردية المستقلة وحتى اذا تحولت هجرتها الى منفى قاس ومؤلم لم تهن ولم تضعف، بل ظلت تعانى الشقاوات والألأم لترتفع بمصيرها فوق المعاناة والمكابدة .

 

لعل من الظواهر الاكثر مأسوية وخطورة فى وضعية الاجنبي او المنفى هو ذلك الازدواج والانشطار او التصدع الذي يمكن ان يطال ذاته وهويته نتيجة التوزع بين ثقافته الاصلية وثقافة المنفى خصوصا حينما يمثل هذه الاخيرة بعمق ودونما وعى بالاثار المترتبة على ذلك، فالثقافة الاجنبية الغربية هنا هي التي ولدت مثل هذه الوضعية الذهنية النفسية الخطيرة فى النماذج البشرية الواقعية او المتخيلة التي نجدها فى اوديب لطه حسين وقنديل ام هاشم ليحيى حقي وموسم الهجرة الى الشمال للطيب صالح والمغامرة الملتبسة للكاتب السنغالي شيخ حميدو كان (10) . بل ونجد مثل هذا الاحساس بالتصدع وانشطار الذات فى النصوص الفكرية لادوارد وتزفتان تودوروف وعبد الكبير الخطيبي كما نجدها فى "مذكرات اميرة عربية " لسالمة بنت سعيد، لكن عملية المثاقفة هذه وان كانت تورث حتما تغيرا وتحورا في نظرة الكائن للظواهر والعلاقات والقيم، تولد ايضا تطورا في الوعى وحدة فى الرؤية النقدية ويهذا تكون مجدية فى عمليات تفكيك واعادة بناء الوعى بالذات والآخر بغض النظر عن المكاسب والخسائر التي تفضى اليها على المستوى الفردي الذاتي (11) / كما تشير بنبرة نقدية اكثر عمقا وهدوءا الى مظاهر تحلل تفكك العلاقات الاسرية فى الغرب، حيث يضطر الاباء الى العمل الشاق المتواصل لتأمين حياتهم المادية تاركين اولادهم تحت رحمة المدرسة كمؤسسة رسمية تحولهم الى كائنات بلا قيم روحية وعاطفية لان هدفها هو تأهيلهم كأداة انتاج وقوة عمل فى نمط الحياة البرجوازية التي كانت فى اوج اشتعالها فى عموم اوروبا آنذاك . وبهذا الصدد "وعلى كل حال فالأطفال هنا تحشى ادمغتهم بأكثر مما تستطيع ان تستوعب وتستنفد المدرسة جل نهارهم يقضونه فى الهرولة من درس الى أخر ليحشوا ادمغتهم بأمور لا نفع فيها وكأن كل الهدف ان يبعثروا اوقات هؤلاء الاطفال فاذا عادوا الى البيت شغلتهم الواجبات المنزلية والتحضير لدروس اليوم الثاني جل المساء فلايراهم ابواهم فى اليوم إلا لماما، فافتقدت الحياة العائلية وانفقد التأثير الابوي المستمر والتربية البيئية وبفقدان هذه وتلك يتعرض اطفال النشء الجديد الى مخاطر شتى" ولعل ما يزيد من حدة النقد هنا ويعمق دلالاته ان الكاتبة تموضعه فى سياق الصراع الحضاري الذي شنه الغرب الاستعماري على غيره من الفضاءات لا على الفضاء العربي الاسلامي فحسب، فالشماليون "الذين يملكهم الغرور ينظرون باستعلاء وازدراء لسكان المناطق الاستوائية" كما الى غيرهم معتمدين على "اقوال السائحين الذين يعبرون البلاد عبورا خاطفا والذين يستقون معلوماتهم من اصحاب الحانات فحسب " كما تقول (ص 108).

لا غرابة اذن ان تتألم لوضعها الخاص وللوضع العام اذ ترى الاوروبيين يتحاملون على الاسلام والمسلمين بشتى الاساليب ويوجهون اليهم شتى التهم . وهكذا يبدو ان الكاتبة استوعبت جيدا اللغة والثقافة الاجنبية وأكتسبت بالتالي فى سياق هذه المثاقفة "المؤلمة" وعيا جديدا اكثر تطورا وعمقا مما كان عليه الوعى السائد لا فى زنجبار او عمان وحدهما وانما فى عموم الشرق العربي. / انها اذن تحنو على ذلك الوطن البعيد - القريب لانها تحبه وتحن اليه ولا غرابة بالتالي ان تقتصد فى نقده حتى لاتتفتت الصورة الحلمية- المثالية بين يديها فتزداد غربة وشقاء. فهي تعي جيدا ومن خلال تجربة معاناة قاسية وطويلة ان الوضعيات المختلة فى مجتمعها الأصلى هى بين عوامل الضعف والتفكك التي سهلت عمليات الاختراق السياسي والاقتصادي الغربى له ولذا فهي تحذر "تلك النفوس الحبيبة" فى وطنها الأصلى من الاختراق الاخطر الذي يمكن ان يتم فى المستويات الثقافية والاخلاقية والروحية ولو ان الكاتبة وقعت تحت سطوة الاستلاب او الاغواء الغربى كما سيسميه "اندريه مالرو" لاحقا (12) لحولت نفسها وتجربتها الى نموذج لما ينبغى على الأخرين والأخريات خصوصا فى وطنها الأصلى فعله، لكنها لم تفعل ذلك لانها عانت الكثير فى المنفى وخبرت تجارب مؤلمة وصادمة ولدت فى نفسها الوعى بضرورة التشبث باختلافات لان معرفتها بالثقافة الحديثة ممثلة رمزية فى الكيمياء والفيزياء كما تقول ~ لم يجعلها تنجو من اشكال الاستغلال والغش من قبل الالمان . ولعل فى أوراقها الخاصة التي مازالت محفوظة ضمن الارشيف السرى لمكتبة هامبورج ولا يسمح لاي كان بالاطلاع عليها ما يكشف ويفضح ابعادا أخرى لتجربتها وخصوصا فى المستوى السياسي.

وحينما تناقش حالات ووضعيات محددة كقضايا تعدد الزوجات والحجاب الذي يغطى المرأة رغم حرارة الجو الخانق ونظام الرق وخصوصا فيما يتعلق بالرقيق الاسود تؤكد ان في المجتمعات الغربية مظاهر مقابلة لايمكن اعتبارها بمثابة الحل، ذلك لانها تمثل الحالة النقيض والمرفوضة بالتالي كتفشى العلاقات الجنسية خارج اطار الزواج وحرص المرأة على الملابس التي تبدى مفاتن الجسد الذي تحول الى موضوع للاغراء وتحول فئات عريضة من المجتمع الى عمالة بائسة مهضومة الحقوق الخ . وباختصار فهناك تطرف وهنا تطرف، وكلا الطرفين لم يدركا القاعدة الذهبية التي هي التوسط والاعتدال، كما تقول الكاتبة، بوعى عميق هو ثمرة التجربة القاسية والفنية التي خبرتها فى وطنها الأصلى ثم فى وطن المنفى (ص 220) .

وهنا ربما يقال ان معاناة الكاتبة خلال هذه التجربة وعدم اطمئنانها الى علاقات ورموز هويتها الجديدة وحنينها الدائم الى وطنها الأصلى جعلتها تبالغ فى نقد ثقافة الآخر وتبرير ثقافة الذات الى الدرجة التي تبدو معها وكأنها تسوغ الوضعيات والعلاقات التي عانت هي ذاتها منها قبل تغر يبتها، وربما كانت ستعانى منها اكثر فاكثر لو عادت الى وطنها الأصلى بوعيها الجديد المكتسب خلال هذه التغريبة . وفى هذا السياق التفسيري نفسه فان الكاتبة لم تتنكب دروب المنفى الوعرة انطلاقا من وعى والتزام مسبق بقضايا فكرية او سياسية او اجتماعية محددة، وانما اندفعت الى هذا المصير بمغامرة عفوية على امل الخلاص من التوترات والازمات التي رأينا ولم يكن يخطر على بالها ان هجرتها ستتحول الى منفى بعد موت زوجها لا غرابة اذن ان تظل واقعة تحت سطوة الحنين الى الوطن والاهل وان تعبر عن مشاعر سعادتها الغامرة فى تلك المقاطع الأسرة التي تحكي فيها وقائع زيارتها القصيرة واليتيمة الى الشرق او الجنوب، فما ان وصلت الى الإسكندرية حتى شعرت انها تعود الى جنتها الأولى المفقودة، اما حينما وصلت الى زنجبار فقد بلغت السعادة والمأساة ذورتهما اذ ان هذه الانسانة المتشوقة الى وطنها لم تستطع حتى مجرد الكلام مع البشر الذين توافدوا لرؤيتها واستقبالها ذلك لان الزيارة تمت فى سياق ملابسات وتوترات محلية وخارجية حرمتها من الاحساس بأن حلمها قد تحقق، تقول الكاتبة بنبرة مفعمة بالصدق والعمق، "وما ان وطئت قدماي ارض الإسكندرية وصرت بين مساجدها ومنابرها ونخيلها حتى طغى على شعور غامر بالشوق والحنين للاهل والاوطان، شعور لا يعرفه إلا من كابد مثلى الغربة عن بلده هذه السنين الطوال وشوق لايحس به إلا من عانى مثلى الظروف النحسة التي عانيتها، فها هي عيناي تكتحلان برؤية الجنوب العزيز بعد غياب دام تسعة عشر عاما مليئة بالاوصاب والهموم وبلوعة الذكرى وحرقة الشوق والحنين" (ص 300-301) وعن لحظة اقترابها من وطنها زنجبار قالت: "وقد سلب لبي هذا المنظر الرائع منظر البحر وارض الوطن العزيز وكأن ارق الليل وفيض العاطفة وجيشان الفكر واضطرام الفؤاد قد جعل منى روحا رقيقا شفافا، فرحت اتأمل المنظر حتى غبت عن الوجود فى تأملات وذكريات" (ص 305).

ان مصيرها فى المنفى قد حسم وان عليها ان تظل معلقة موزعة متوترة بين المواقف والمشاعر والفضاءات والعلاقات لاتستطيع ان تتصل بطريقة حميمة بأي هوية ولا تستطيع ان تنفصل بشكل جذري عن اي هوية ولم يبق امامها سوى التشبث باختلافها وفرادتها. الشىء المؤكد والجميل ان نصها الذي تحول الى مسكنها الرمزي الوحيد والحميم لا يشى بأي نبرة تدل على انها استسلمت لدور الضحية التي تشكو وتستعطف فقد كانت بالعكس من ذلك تعي وتستثمر جوانب القوة الخلاقة فى شخصيتها حتى وهى تقف وحيدة فى ذروة المأساة ولعل الشاهد الاكبر والاهم على هذا الوعى وهذا الموقف هو هذا النص الرائد الغنى الجميل الذي نحاوره ونحتفل به كجزء من تراثنا أو كجزء من ذاتنا التي كلما امعنا فى نفيها امعنت فى ندائنا نحو افاقها القصية والجميلة .

--------------------------------------------------------------------------.

هوامش:

(*) الدكتور معجب الزهراني (ناقد واستاذ جامعي سوري)

 (1) الكرمل- 124 - 1983 . "تأملات في المنفى" إ. سعيد . ص 9وما بعدها.

 (2) اشير هنا إلى الدراسات المعرفية الجديدة والمعمقة التي نطالعها في سلسلة "مقاربات" - المغرب - وفي مجلة "الباحثات"- بيروت - ومجلة "هاجر" - مصر- ومجلة «الكاتبة » - لندن - هذا على سبيل التمثيل لا الحصر - وكلها اصدارات ظهرت في السنوات القليلة الماضية فحسب ولا شك أن دراسات فاطمة الرئيسي تعتبر نموذجا رائدا في هذا السياق .

 (3) راجع كتاب "النقد المزدوج" للخطيبي، ترجمة أدونيس، عبدالسلام نبعبد العالي زبيدة بو رحيل ومحمد براده . دار العودة (بيروت - 1980).

 (4) من البدهي أن نقول إن "لغة الجسد" هنا اصطلاح مجازي إذ من المحال أن يقصد بهذه اللغة تعبيرات الجسد الحركية كلغة حقيقية للجسد إذ الأمر يتعلق بلغة الجسد بالمعنى الثقافي لا بالمعنى الحسي المادي للجسد.

 (5) الكرمل: مرجع سابق .

 (6) راجع: Nous et les Autners T. Todorov، Seuil، Paris 1989.

ثلاثية الأحزان (30)

أرسل لصديق
شوكت الربيعي – المثقف   
Wednesday, 10 September 2008

(قمت بتحرير ومناقشة ما قرأته وحققت فيه، عن دراسات وبحوث ومتابعات ومقالات كتبها اساتذة ونقدة آداب وفنون، في تجريبية ثنائية الكتابة المشتركة باحثا فيها عن: الأداء الفني، العناية بالتركيب والأسلوب والاضاءات النقدية، التقنية الشكلية والدلالية والجمالية، آلية القصة القصيرة . ومن التجارب المتميزة في في هذا السياق، أخترنا، ما يلي:

(1) - تجربة يوسف ادريس “ وضغوط الأفكار ” (*)

جذبت قصص يوسف إدريس الأولى الانتباه في فترة وجيزة،خاصة بعد كتابة قصة " في مجلة " القصة " عام 1950، وبعدها تابع نشر قصصه في مجلة " روز اليوسف "، ثم قدمه عبد الرحمن الخميسي إلى قراء جريدة " المصري" التي كان ينشر فيها قصصه بانتظام، ثم كتب عدة مقالات في مجلة "صباح الخير"، ثم أصبح من كتاب جريدة " الجمهورية " التي كان يرأس مجلس إداراتها في ذاك الوقت الرئيس الراحل أنور السـادات حيث بدأ بنشر حلقات قـصص "قــاع المدينة "، " المسـتحيل " و" قبر السلطان "، وبعدها انطلق يوسف إدريس مؤكدا مكانته بين كتاب القصة القصيرة . وقد عايش يوسف إدريس ظهور وتطور التيارات الفكرية والسياسية الوطنية التي انتعشت في مراحل الاستقلال، وتأثر بالفكر الماركسي بعد أن قوي بسبب دور الاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية والتحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها العالم في ذلك الوقت. ووفقا للنقاد فإن رؤية إدريس الأدبية والفكرية تستند إلى حساسية فائقة وإدراك نافذ لمظاهر الوجود الإنساني وحقائقه، أكثر مما تستند إلى "معرفة " معلوماتية محدودة، ويجمعون علي أن كتابته تتسم بمعرفة عميقة للواقع الاجتماعي المصري وبأسلوب ساخر تشوبه روح الفكاهة معتمداً على استعمال اللغة العامية في أغلب الحوارات. ويرى النقاد أن عالمه القصصي يدور في أكثر ما كتب حول ثالوث واضح الملامح هو: الله، الجنس، السلطة... وقد ظهر هذا الثالوث متبلوراً جلياً في مجموعته الذائعة الصيت (بيت من لحم)، ولذا فقد اندفعت موهبته بحزم وعمق فنيين لتجسد هذه القضايا، وتصنع منها جواً مصيرياً يرسم مصير الإنسان، ويسيطر على عالمه.

 يؤكد سمير عمر إن فكرة القدر ووجود قوة عليا مهيمنة، برزت بوضوح في رسم شخصيات ومسار قصصٍ كثيرة عند يوسف إدريس، مثل قصة (قبر السلطان) ؛ وقصة (لأن القيامة لا تقوم)؛ وقصة (أكبر الكبائر)؛ وانتصر يوسف إدريس دائما لمأساة الإنسان المسحوق في مجتمع طبقي ظالم، عبر مهارة فنية في السرد والحوار وإحكام بناء النسيج القصصي. (اندماج حتى البكاء : أنا على استعداد علي أن أفعل أي شيء إلا أن امسك القلم مرة أخرىوأتحمل مسؤولية تغيير عالم لا يتغير.. وإنسان يزداد بالتغيير سوءا.. وثورات ليت بعضها ما قام .."عن مخاض الإبداع عند إدريس تقول زوجته رجاء: "حينما يكتب يوسف أجلس أمامه ويقتصر دوري علي إعداد الشاي أو القهوة، وبعد أن يكتب جملة أو جملتين يندمج تماماً ويغيب عن كل ما حوله ويبدأ في التشويح والإشارة ويتمثل الشخوص التي يكتب عنها ويشعر إنها حوله تكلمه وتلمسه ! كتابة المسرح عنده حالة أصعب لأنه يستحضر الحاسة الجماهيرية في نفسه ويستحضر الحالة المسرحية ليبثها في نفس الجماهير، عندما كان يكتب مسرحية الفرافير كان في حالة صعبة جداً، وقد رأيته بنفسي يقف أمام حوض الاغتسال يشيح بيده ويبكي بدموع حقيقية ".

 طال يوسف إدريس الكثير من النقد، منه ما تعلق بموقفه من جائزة مجلة حوار التي نالها في عام 1966 وقد وافق عليها ثم سرعان ما تغير موقفه بعد أن ظهر أن تمويلها يتم عبر المنظمة العالمية لحرية الثقافة التابعة لحلف الأطلنطي، مما دفع جمال عبد الناصر لتعويضه عن رفضها بمنحه مبلغ الجائزة كذلك علاقته بأنور السادات التي توطدت إبان عمله في جريدة الجمهورية فكان إدريس لسان حال السادات في بعض الكتابات، لكن بمجرد أن كتب مقالات "البحث عن السادات" أخرجه السادات من رحمة السلطة، وخرجت الصحف تقول إن يوسف إدريس ينتحر ويغتال تاريخه، ووصل الأمر إلى حد الاتهام بالعمالة والخيانة، فكتب مسرحيته «البهلوان» من وحي تلك الحملات الصحفية التي تعرض لها والتي جاء بطلها صحفيا يمارس مهام رئيس التحرير نهارا، وفي المساء يمارس ـ سرا ـ عمله كبهلوان في السيرك، مستعينا بالمساحيق والطلاء لإخفاء ملامحه، وفي الحوارات التي جرت بين رئيس التحرير (البهلوان) ومساعده نجده يصرح بأنه في عمله الصحفي ليس أكثر من «بهلوان» ومن الأحداث المثيرة أيضاً في حياة إدريس هجومه الشديد على نوبل نجيب محفوظ بمجرد أن نالها.

وفي إحدى أعدادها ذكرت مجلة "الهلال المصرية" المعركة التي دارت بين يوسف إدريس ومحمد الفيتوري، إذ تسلم إدريس الجائزة عندما كانت 37 ألف دولار، وعندما رست على الفيتوري كانت قد وصلت إلى مائة ألف دولار، وفي حالة من الغضب الشديد هاجم إدريس الفيتوري وهمّ بضربه غيظاً وحنقاً على فارق المبلغ لولا تدخل الروائي السوداني الطيب صالح بينهما. بينما قال الناقد المصري فاروق عبد القادر إن مقالات الكاتب الراحل يوسف إدريس لا تثبت لنقاش جاد إذ كان يعبر في معظمها عن حساباته ومصالحه اكثر منها عن اقتناعاته الحقيقية.

اعترف يوسف إدريس في أكثر من حوار، أنه دخل عالم الإبداع القصصي بالمصادفة وأن غريزة الموهبة الفطرية وطموحه دفعاه لتحقيق ما يسمى بـ (مصرية القصة) ... وقد أهلته دراسته الطبية وأفقه العلمي وسعة معرفته إلى تشخيص أزمة الركود والجمود التي تعيشها القصة العربية بعامة، خوفاً عليها من الوصول إلى الطريق المسدود. ونشر إدريس مسرحية " المخططين "1969 التي تناقش بأسلوب الفنتازيا كيف تتحول الأفكار الثورية إلى نظام شمولي بعيد عن الديموقراطية فتصدت لظاهرة استيلاء "جماعة المنتفعين" على الحكم، ومنع أية محاولة لتصحيح الأوضاع وقد كان هذا دليل انتشار ظاهرة عدم الثقة في الأنظمة الحاكمة التي تتشدق بشعارات الحرية والديموقراطية والاشتراكية وهى في غيبة تامة عن هذه المُثل. ولم يُكتب لهذه المسرحية إ لا أن تُعرض ليلة واحدة في العام التالي حيث صدر قرار بإيقاف عرضها في تلك الليلة؛ لكنها عرضت بعد ذلك على مسرح الطليعة عام 1972، وظهر نص" اللحظة الحرجة" الذي حلل فيه حالة أسرة مصرية إبان حرب 1956 وردود فعل أفرادها تجاه الحرب

 أما رواية "البيضاء" فيقول عنها أحمد فضل شبلول "أنها رواية الصراع بين الغرب والشرق، بين الشمال والجنوب، بين التفكير العقلاني والتفكير العاطفي. لقد استطاع يوسف إدريس أن يجسد في عمله هذا كل الصراعات النفسية التي تمر بها الشخصية الرئيسية في الرواية، وهي الدكتور يحيى طبيب ورش عمال السكك الحديدية من خلال علاقته ب "سانتي" تلك الفتاة اليونانية البيضاء التي ترمز إلى الحضارة الغربية في هذه الرواية التي كتبت ونشرت أول مرة

يذكر اسكندر نعمة أن هناك أزمة فنية وإبداعية سيطرت على حياة يوسف إدريس الأدبية وغلفت أعماله، حتى إنها بدت شكلاً من أشكال الانهيار الفني والفكري مر به الكاتب الكبير، وذلك في أواخر مرحلة السبعينيات وأوائل الثمانينيات... إذ صمت يوسف إدريس عن الإبداع والعطاء صمتاً طويلاً مريباً. ومن المحزن أن هذا الكاتب المبدع راح خلال أخريات فترة الصمت هذه يحاول محاولات يائسة لينقذ سمعته ويسترد موهبته الذائعة الصيت ؛ فقد كتب في أواخر السبعينيات بعض المحاولات القصصية، منها على سبيل المثال قصة (الرجل والنملة) والتي نشرها في مجلة (الدوحة)، لا يكاد القارئ يصدق أنها من إبداع يوسف إدريس، حيث جاءت القصة بعيدة عن الإشراق الباهر الذي ضجت به قصصه القصيرة السابقة.

 ويعلل اسكندر نعمة ذلك باعتماد الكاتب الراحل الموهبة، والموهبة الطامحة فحسب، فاضطرب عالمه القصصي على الرغم من النجاح الكبير الذي بلغه، والشأن الرفيع الذي ناله، ودليل هذا الاضطراب التداخل في عالم يوسف إدريس القصصي، بين أجناس أدبية مختلفة، لقد صمم يوسف إدريس أن يدخل عالم المسرح، فكانت تجربة المسرح عنده على حساب اهتماماته القصصية لفترة غير قصيرة من الزمن، إلا أن أهم مظاهر أزمة يوسف إدريس القصصية تتضح في ممارسته وبنشاط محموم وعزيمة كاملة كتابة المقالة، خاصة بعد أن كرس ذاته ووقته للصحافة والنشر في الدوريات المصرية، والعمل في جريدة (الأهرام) تحديداً، وقد عالج يوسف إدريس مواضيع تعنى بأزمة الحرية والحياة الاقتصادية والاجتماعية عربياً ومحلياً، فكان ارتداده لكتابة المقالة السياسية والاجتماعية أحد جوانب الانجراف لمعالجة هذه الأزمة الحضارية والإنسانية. فتوقف عن كتابة القصة وجرفه تيار المقالة السياسية والاجتماعية، فازدادت الأزمة لديه عمقاً ووضوحاً، الأمر الذي مكّن النقاد من الإمساك بتلابيبها، ذلك أن مقالاته كانت في أكثرها مقالات قصصية، فهي مقالة وليست بالمقالة، وقصة وليست بالقصة ).إذا كان الرجل يلعب ببعض أوراقه لعبة العواطف، فالمرأة بكل أوراقها تلعب هذه اللعبة ذاتها).

 ---------------------------------------------

(*) سيرة شخصية وادبية : ولد يوسف إدريس 19 مايو عام 1927م في قرية البيروم بمحافظة الشرقية لأسرة من متوسطي المزارعين تضم عددا من المتعلمين الأزهريين، تعلم في المدارس الحكومية والتحق بعد دراسته الثانوية بكلية الطب في جامعة القاهرة التي تخرج منها عام 1951 . وحصل على دبلوم الأمراض النفسية ودبلوم الصحة العامة، عمل في المستشفيات الحكومية وكان مفتشاً صحياً في الدرب الأحمر وهو حي شعبي في القاهرة. وبدأ ينشر قصصه القصيرة في الصحف منذ عام 1950، وشارك في تحرير أول مجلة يصدرها الجيش بعد قيام ثورة يوليو وهي مجلة التحرير التي صدرت في سبتمبر 1952.

(*) صدرت مجموعته القصصية الأولى " أرخص ليالي " عام 1954 وقد وضعت هذه المجموعة البداية الفعلية للواقعية المصرية، ثم ظهرت موهبة إدريس في مجموعته التالية " العسكري الأسود " التي صدرت عام 1955 والتي وصفها أحد النقاد بـ " أنها تجمع بين سمات دستوفسكي وسمات كافكا معا " .

 حصل على جائزة عبد الناصر في الآداب عام 1969، وجائزة صدام حسين للآداب عام 1988، وجائزة الدولة التقديرية عام 1990 . توفى يوسف إدريس في أول أغسطس عام 1991م إثر مرض خبيث.

(*) قدم إدريس للأدب العربي العديد من الأعمال الإبداعية بدءاً من مجموعته الأولى (أرخص ليال) التي نشرها (نادي القصة) بعد أن كان قد نشرها تباعاً في (مجلة روز اليوسف)، وتتمثل مجموعاته القصصية في: "جمهورية فرحات"، "أليس كذلك"، "قاع المدينة"، "لغة الآي آي"، "بيت من لحم"، "آخر الدنيا"، "البطل"، "النداهة"، "أنا سلطان قانون الوجود"، "حادثة شرف"، "رجال وثيران"، "العتب على النظر"، "أقلتها"، "قاع المدينة" .

 (*) عايش تطور التيارات الفكرية والسياسية المختلفة، وتأثر بالفكر الماركسي.. استطاع أن يحقق مصرية القصة القصيرة حتى استحق عن جدارة أن يكون أميراً لها.. انه أديب الأطباء وطبيب الأدباء.. الدكتور يوسف إدريس الذي ترك الطب ليمتهن الأدب..

(*) .محيط : شيرين صبحي البيروم تشهد ميلاد تشيكوف الشرق)

-------------------------

 (2) تجربة متميزة : محمد برادة والنقد والرواية (*)

كان الكاتب الناقد العراقي رضا الأعرجي يتساءل: (إلى أي مدى يمكن أن نتعرف على محمد برادة من خلال نصوصه وأعماله؟) وهل أن ما يقوله محمد برادة لا يشتمل على تقويم نقدي، إ نما ذلك نوع من الكتابة على الكتابة التي يسعى الروائي من خلالها، إلى لملمة ملامح انْفلتَت عند الكتابة الأولى، هي رغبة مقترنة باستعادة تجربة تخلق النص والاستظلال بمغامرتها التي أكْسبته، وهو يشارف نهايتها، نشوةً رائقة يظل يحن إليها باستمرار. وأعتقد أن الذين جربوا كتابة الرواية يستحضرون عناء اختيار الفضاءات وعبء النفخ في أركانها الورقية لترتج بنسائم منعشة تهب الحياة للشخوص والمشاعر والحوارات. في مزج الواقع بالخيال، ذلك لأن التخييل الذاتي معناه أن الكاتب يعيد خلق ذاته من خلال ما عاشه في الماضي ولكن على صلة وثقى بوعيه الحاضر، ومن ثمة فإنه لا يتحدث عن حياة ثابتة. هذا التخييل الذاتي يتيح لنا هذا التحرر من جسم محدود، ومن فكر محدود، ومن وضع اعتباري مجتمعي. إذا صح التعبير، فهذه المحكيات هي محاولة لإعادة تصور الذات من فضاء ماض ينطلق من وعي حاضر،(ومن ثم يضيف برادة) (لم يكن الهم مطلقا أن أتقيد بحقيقة ما، بل كان القصد هو أن ا نغمر في هذه الكتابة التخييلية، لم أكن اقصد مطلقاً أن اعبر عن حقيقة ما، وأظن أن هذا حق من حقوق الكاتب، أن يبحث عن فسحة الكتابة أينما وجدها، مثلما (أن من حقه، بل من واجبه) أن يستعمل كل المواد الخام الممكنة، وان يتعامل معها على قدم المساواة سواء كانت تنتمي إلى دائرة الاجتماعي أو دائرة العاطفي.كل هذه العناصر في العمل الفني يجب أن تتساوى، وان يكون هدفها هو إبداع نص إبداعي يقدم المتعة ويحرك الوجدان). وعندما كان برادة يتحدث عن وقائع وأحداث، فهل يعني انه يتتحدث عن زمن أو أزمان محددة؟أجاب على سؤال الاعرجي قائلا:

(إن تجربتي في هذه المحكيات وضعتني فعلا أمام سؤال كبير هو سؤال العلاقة مع الزمن، والعلاقة مع الزمن تشغل الجميع، الشعراء، الروائيين، المسرحيين، لكن الأمر قد يكون عند الروائيين أكثر ثقلاً، لان استعادة الزمن الماضي دائما تطرح إشكالات كثيرة. إمكانات القصة، وإمكانات الحكاية، وإمكانات السرد بصفة عامة تختلف إلى حد كبير عن إمكانات البحث التاريخي أو السرد التاريخي الحدثي، رغم الالتقاء في الكثير من العناصر المشتركة. إذن، هذه الحكايات تتحدث عن الزمن، وفي نفس الوقت تريد أو تزعم أنها توجد خارج الزمن، أو تريد أن تنفلت من قبضته، فالاقتراب من مشكلة الزمن، ومن السنوات والفضاءات المخزونة في الذاكرة وصياغته أو محاولة صياغته في كلمات، يقترب، كما لاحظ بعض الكتاب، من عملية تنفيذ، فكأن الإنسان ينفذ موتاً على أناه أو ذاته، ومع ذلك فالكاتب تبقى له هذه الإمكانات، هذه الاحتمالات، أن يعيد الكرة وان يعيد التجربة، لأنه كلما كتب نصا ينتهي إلى القول: «ليس هذا ما كنت أريد أن اكتبه، هناك شيء آخر يتخايل ولابد أن أعاود الكتابة لأقترب منه ».

ـوظلت طنجة محور الكثير من أعماله، خصوصا روايته «الضوء الهارب». هل يعني هذا أن المدينة تستثيره للكتابة؟ رد برادة على الاعرجي :( .. لم يكن الدافع أصلا لكتابة «الضوء الهارب» هو المكان، أي فضاء طنجة، بل كان مجموعة من المشاعر والتجارب والتأملات تبحث عن نص آخر، بعد «لعبة النسيان»، وتحاول أن تجيب على هذه الأسئلة المتراكبة التي تنشأ لدينا، من خلال مواجهة العالم، ومواجهة المجتمع، ومحاولة الإجابة على بعض الأسئلة. هذه العوامل بدورها تترسب في ذاكرتنا وتنشئ صورة ما لطنجة. إذن، للحصول على فضاء يناسب نوعاً ما هذه المشاعر والأحاسيس وموضوع الرواية الذي يلامس هذه المناطق التي تقع بالنسبة لمشاعرنا وسلوكياتنا ومعتقداتنا، في المابين، أو بين بين باستمرار، جعلت طنجة تبرز عندي كفضاء مناسب.

أنا اعرف طنجة. كنت أتردد عليها باستمرار، ولدي ذكريات وتجارب عشتها هناك، ولذلك يسهل على الروائي أو الكاتب أن يكتب عن فضاءات معينة بنوع من المعرفة. لا أزعم أن ما حاولته هو أن أشخص أو أن أرسم طنجة في كل تفاصيلها، ولكن أن أبتدع أو أبتكر فضاء لطنجة، ولذلك فإن الكتابة عن طنجة لم تأخذ طابعاً ترصيفياً أو منتظماً، بل كانت تجيء في ثنايا النص وفي ثنايا السرد والحكي، ثم في نهاية النص بشكل شذرات في دفاتر العيشوني ـ أحد شخصيات الرواية ـ وهو يتذكر في فقرات بعض التجارب المشاهدة التي علقت بذاكرته.

ـ وعندما نجيب على السؤال (هل على الروائي المغربي والعربي بشكل عام أن ينشغل بواقعه الاجتماعي، قصد تحليله وإعطاء وجهة نظر معينة عنه؟ والجواب : ـ (أنا لا افترض أن هناك حدوداً فاصلة بين التفكير والوعي النقدي والتأمل وبين الكتابة الروائية. بطبيعة الحال، الاحتكام هو دائما للتحقق الفني، أي هل يقنعنا بمكوناته، كرواية أو قصة أو قصيدة. ولكن هذا لا يعني أن التحقق يفترض الابتعاد عن التفكير أو الوعي النقدي. اعتقد أن هذه الفكرة يجب أن نتجاوزها لأنها أصبحت متجاوزة، بمعنى أن الكاتب والشاعر والقصاص ملزم اليوم في ثقافة العصر بان يفكر في أدواته، فلم يعد بالإمكان أن يكتب مثلما كان الكاتب يفعل في السابق، كأن يكتب عن تلقائية أو الهام، فهذا غير صحيح في واقع الأمر، لأن كل فنان وكل كاتب يكوّن معجمه ومقاييسه الفنية وطرائقه في الكتابة من خلال التأمل والتفكير فيما يقرأ من نصوص، ولهذا أنا اذهب للقول أن على الكاتب أو الروائي أن يتسلح في نفس الوقت بوعي نقدي كي لا يعيد كتابة ما كُتب من قبل. وليس المطلوب هو إنتاج اكبر عدد من النصوص المتشابهة، أو أن يظل الناقد متدثراً بسذاجته الفنية أو بحسه الفني وكأنه يحتمي من التلوث النقدي، لا على العكس، هذا الانفتاح على النصوص وقراءتها الواعية تحتمان عليه أن يطرح أسئلة أساسية، لماذا اكتب الرواية؟ ورواية ثانية أو ثالثة؟ هل أريد أن أضيف شيئاً؟ هذا هو ما يكوّن نوعاً من الوعي الخلفي الموجه للكتابة).

والمعروف عن برادة انتقاله من مجال كتابة القصة الى النقد فإلى كتابة الرواية ثم الجمع بينهما . ولاندري ماذا أراد أن يثبت بذلك.. أجاب محمد برادة : (بدأت بكتابة القصة، وأنا طالب، قبل أن اكتب النقد. وكتابة النقد التي جاءت لاحقاً، أي بعد تخرجي في الجامعة،. بعد ذلك، وعندما أصبحت أستاذا في كلية الآداب، أصبح الاهتمام بالكتابة النقدية أساسياً لأنني حاولت من خلال النقد أن أجيب عن أسئلة تشغلني وتشغل مجتمعي والثقافة العربية. ولكنني لم أجد على الدوام أن هناك تعارضاً أصلياً أو فطرياً في الإنسان بين الناقد وبين الشاعر والقصاص والروائي، لأن الكتابة أصلا تأتي نتيجة للممارسة والتجربة لإحساس داخلي، فكل واحد يستطيع أن يميز الشكل الأقدر أو الأصلح للتعبير عن تجربة معينة. ونتيجة لمسار خاص في حياتي اهتممت بالكلام وبالمحاضرات واللقاءات والنقاشات ولم أكتب نصوصاً إبداعية في بداية التجربة، بكثرة ما كتبت في مجال النقد والمقالة والتحليل، لكن في نهاية السبعينات أحسست أن هناك تجربة أخرى لا يمكن أن تتبلور، أو تأخذ مجموعة تضاريسها إلا من خلال نص روائي، ومن هنا اتجهت إلى كتابة «لعبة النسيان» بهاجس أساسي هو أن أُشخص ما لا يمكن أن تقبض عليه من مفاهيم ومصطلحات نقدية، ولهذا كان هناك نوع من الارتداد إلى ذاكرة الطفولة، والى فضاء فاس والرباط منذ أربعين سنة، ومحاولة المقارنة بين الماضي وما نعيشه الآن أو منذ الثمانينات.

وفي مجال ممارسة سلطة النقد مع الكتابة، يمكن أن أقول أنني عندما انتهي من الكتابة أعيد القراءة لأرى هل هناك ثغرات في الصياغة، وهذا شيء طبيعي، وأظن أن الكاتب سواء أكان يمارس النقد أم لا يقوم بهذه العملية، أي معاودة النص ومراجعته وتنقيحه على أساس تصور ما، وكيف يريد لهذا النص أن يكون، وما هي النغمة التي يريد أن تصل إلى القارئ، من خلال هذه العناصر ربما كان كل كاتب يمارس نوعاً من السلطة النقدية عندما ينتهي من النص، لكن قد نلجأ إلى بعض الأصدقاء ليقرأوا النص قبل نشره، وربما جاءت ملاحظاتهم لتثير الانتباه إلى ما يمكن أن يستكمل أو يحور ويعدل، وأنا الجأ إلى أصدقائي في بعض الأحيان.

كان محمد برادة يتماهى بحركية الابداع العربي التي كسرت التقنينات النقدية للأجناس والاشكال وطرائق التعبير، وانفتحت على النماذج الجيدة في التراث الكلاسيكي وفي الأدب الشعبي (السير والمحكيات التاريخية والألفية الليلية والرجل والشعر بالعامية..).، ثم الالتفات الى الذخيرة الصوفية وما تشتمل عليه من كنوز في التأمل والتجربة الداخلية، وما حققته من ابتداع في اللغة ومستويات التعبير. وبقدر ما أصبحت المادة الخام للشعر والقصة والرواية مستوحاة من واقع وفضاءات وذاكرات الانسان العربي، بقدر ما أخذ الابداع يبتعد عن النماذج والقوالب المستعارة، ليجعل من الممارسة سبيلا الى معانقة النص الحامل لسماته الذاتية ورؤيته وذاكر ته الخاصة.

ويرى (برادة) أن التباعد عن الايديولوجيا السائدة، بات واضحا عند المبدعين عقب هزيمة 1967، وهذا لا ينفي أن بوادر "استقلال" بعض النصوص قد بدأت قبل ذلك، كما لا ينفي ان الوجودية والالتزام السارتريين قد مهدا الطريق، الى جانب عوامل أخرى، لشعور الفرد المبدع بحويته وتفرد رن يته قياسا الى رؤيات التبعية والاستنساخ. ولا شك أن التباعد عن الخطاب السائد والأجوبة الرسمية الجاهزة، المكرورة، قد اتاح للمبدعين أن يتطلعوا الى آفاق الابداع وأسئلته المطروحة في رحاب الكونية وهموم الانسان المعاصر المشتركة. ومن ثم الاطلالة على الحداثة وما بعدها بدرجات متفاوتة من الاستيعاب والتمثل عند المبدعين والنقاد والمتلقين..).، كذلك فان (لحظة تمفصل جديد في الدرس الادبي بالجامعات العربية منذ السبعينات، كانت تحمل في ثناياها سمات مغايرة للمثاقفة وتتمثل أساسا في الانفتاح على مناهج نقدية تمتح من الألسنية والبنيوية والسيميائيات والتحليل النفساني وسوسيولوجيا الأدب. وهذا التحول في اتجاه النقد كان ينطوي على أفق تحقيق علمية الأدب وعلمية النقد؛ ومن ثم غلب "تشريح" النصوص وإجلاء مكوناتها الداخلية على التأويل والتقييم... وكل ذلك زاد من تقليص مفهوم الالتزام ومعياريته). ولاشك أن هذه المقارنة التي قمنا بها بين الالتزام السارتري وتجليا ته في ساحة الأدب العربي الحديث، تحيلنا على ما يطبع "هجرة المصطلحات" والمفاهيم من حقل ثقافي الى آخر مغاير له؛ وهو ما توقف عنده كثير من دارسي الأدب والفكر الفلسفي، ولم يكن غرضنا من المقارنة والمتابعة اظهار "الخلل" الراجع الى عدم تطابق دلالة الالتزام في الحقلين الفرنسي والعربي، فليس هذا مقياسا للفاعلية الحوارية، فضلا عن أنه ممتنع التحقق من الأصل. لكن ما توخيناه هو ابراز أهمية الوعي النظري بمفهوم الأدب وبالخطاب عنه وحوله. فهذه سمة مشتركة بين جميع الآداب وتتطلب مثل هذه المتابعة والحرص على الاسهام في صوغ أسئلة النظرية الأدبية، خاصة وان الابداع العربي، على الأقل منذ الستينات، يعيش مغامرات التجريب والتطوير والتطلع الى بلورة أشكال ذات خصوصية ثقافية ومجتمعية. ولعل اللحظة الأكثر أهمية وجدارة بالتأمل في هذه الاشكالية، هي الانتباه الى توفير علاقة جدلية بين الابداع وبين أسئلة النقد وتنظيرات الأدب: فلا علاقة التحكم والتوجيه مقبولة من طرف النقد والنظرية، ولا علاقة ادعاء "البراءة" والاحتماء بالتلقائية والسليقة تعفي المبدع العربي من التفاعل مع النقد العميق ومع ردود فعل القراء وأسئلة الابداع في العالم).

---------------------------------------------------------------------

(*) الهوامش:

 يحتل الناقد والروائي محمد برادة (الذي ولد في مدينة الرباط عام 1938) مكانة متميزة في المشهد الثقافي المغربي. وعلى، استطاع أن يترك بصماته الواضحة، سواء من موقعه الأكاديمي كأستاذ في كلية الآداب في الرباط (تقاعد عام 2000) أو من خلال إشرافه على تحرير عدد من المجلات والصفحات الثقافية، فضلاً عن رئاسته «اتحاد كتاب المغرب» لعدة دورات. من أعمال برادة المنشورة: «فرانز فانون أو معركة الشعوب المتخلفة ـ ترجمة ـ الدار البيضاء 1963»، و«محمد مندور وتنظير النقد العربي ـ بيروت 1979»، لكنه ومنذ «سلخ الجلد ـ قصص ـ بيروت 1979، أخذ في التوجه نحو الكتابة الإبداعية، وهكذا أصدر «لعبة النسيان ـ رواية ـ الرباط 1987» و«الضوء الهارب ـ رواية ـ الرباط 1994». ويأتي عمله القصصي الأخير

«ودادية الهمس واللمس» ليكرس هذا الاتجاه كما لو كان يريد أن يفند المقولة الشائعة «الناقد مبدع فاشل». وقبل هذه المجموعة القصصية كان قد أصدر عددا من الكتب النقدية والروايات منها «امرأة النسيان» و«أسئلة الرواية.. أسئلة النقد» و«مثل صيف لن يتكرر» و«تحولات مفهوم الالتزام في الأدب العربي الحديث».

(*) حوار: رضا الأعرجي عبر هذا الحوار الخاص بـجريدة «البيان» الاماراتية، نُطل على عالم محمد برادة، انطلاقاً من تجربته النقدية والروائية. ونتوقف عند مجموعة من المحطات الأساسية في تجربته الطويلة مبيا ملاحظة (لعلكم تتفقون معي فيها)،(وهي انه عندما نراجع نصوص الأدب المغربي الحديث نجد أن عدد الكتاب المغاربة الذين كتبوا ما يشبه الرحلات أو كتبوا عن فضاءات غير مغربية قليل جدا بالقياس مع ما كتب في القرن 19 أو ما تكتبه الشعوب الأخرى، حتى في مصر يكتبون أكثر عن رحلاتهم وعن علاقاتهم بفضاءات خارج بلادهم..

 (يلجأ إلى أصدقائه قبل نشر نصوصه / محمد برادة : النقاد كتبوا روايات مهملة) .

 2005-06-23 00:23:36 UAE - جريدة البيان الاماراتية .

(*) - كتب محمد برادة قائلا : (كثيرا ما نغفل ان سارتر (1905-1980) قبل أن يطل على القراء عبر مجلته "الأزمنة الحديثة" بمقالاته الشهيرة "ما الأدب؟"، كان له وجود في الساحة الأدبية الفرنسية من خلال روايته "الغثيان" وكتابه الفلسفي "الكينونة والعدم". بتعبير آخر: كان سارتر قد قطع أشواطا في مغامرته "الوجودية" المتوسلة منذ البدء، بالمزاوجة بين الابداع الأدبي والتحليل الفكري، الفلسفي. ولم يكن هذان الكتابان يحملان أطروحات الالتزام ومفاهيم "التشييد" الايجابي لمجتمع مغاير، وانما كانا ينتقدان البورجوازية ومواضعاتها المتكلسة ويسخران من لزوجتها وقيمها المسيحية الموروثة.. كان ما يميز صوت سارتر، عند انطلاقته، هو الحفر الحاد لابراز قيمة الحرية وهي تواجه الوصاية، وسوء النية وطمس مسؤولية الفرد في أن يصنع حياته بعيدا عن الماهيات المسبقة العلفية للوجود.. وخلال تجربة الحرب العالمية الثانية (1939- 1944) وانخراط سارتر في المقاومة، بدأ سارتر ينتقل من النقد بالسلب الى البحث عن امكانات تصور مجتمع يستجيب لضرورات الثورة وتفجير طاقات الحرية الماسورة داخل معتقدات وممارسات مهترئة، متداعية. ومن المزاوجة بين سياق خارجي (نهاية الحرب العالمية الثانية، ضرورة تشييد أوروبا المحطمة وتحديثها، استقرار الحرب الباردة بين قطبين يستأثران بقرارات مصير العالم..). وبين أسئلة الثقافة والأدب المتراكمة في فرنسا، نستطيع أن نفهم انعطافة سارتر القوية، الحاسمة نحو الدعوة الى التزام الأدب والكتاب، وسعيه الى ادماج تحليله للكتابة وبواعثها وغاياتها ضمن مشروع أوسع يتخطى الأدب الى تغيير المجتمع الفرنسي وتقريبه من ثورته الجذرية "المنتظرة").

(*) - لقد جاءت فكرة " مفهوم الالتزام في الأدب العربي الحديث" لتتوخى اعادة طرح مفهوم الالتزام من منظور إشكالي يربطه بالأسئلة التي كانت منبثقة بقوة، عند بعض مبدعينا ونقادنا، نتيجة مكابدات رحلة معرفية، استغرقت ما يزيد على نصف قرن من الزمن. لكي تصل الينا متعبة واهنة تجاوزتها الأحداث والمتغيرات والمستجدات والتحولات .).. (*) وكنا في أوائل العقد الخامس ننطلق من مفهوم الالتزام اليساري والماركسي والبروليتاري تحديدا، من الدلالة العامة لما توحي به كلمة التزام. فهذه الدلالة قد وجدت منذ وجد الأدب، ولا نكاد نعثر على مبدع لم يتفاعل مع هموم وصراعات مجتمعه. لكننا، بازاء منطلقات المبدع بقضايا مجتمع الأفكار الانسانية الجديدة بعد الحرب الثانية. واتخاذ مواقف تجاه قضايا سياسية أو أخلاقية، نجد أن مفهوم الالتزام قد تبلورت ملامحه من خلال الجهد التحليلي والتنظيري الذي بذله مفكرو الوجودية. فأصبح من الممكن، اختبار اجرائية المفهوم على ضوء مفاهيم وممارسات أدبية أخرى ما انفك حقل الأدب العالمي يفرزها. لاعادة استجلاء التغيرات التي طرأت على مفهوم الأدب والكتابة والقراءة. وقد يكون أدبنا بحاجة الى إعادة النظر فيما تراكم لدينا من خلاصات الاستيعاب والتمثل والتدقيق.). (*) . أي عندما ندقق النظر، (.. نجد أن بصمات مفهوم الالتزام ما تزال سارية المفعول) ب (فهم مغاير، يسلك طريقة نوعية في تحقيق مسؤولية الالتزام.).. بينما لا نظن أن القضية قد أصبحت متجاوزة، في مجال الأدب العربي الحديث، وذلك بسبب عدم الوضوح الذي يطبع علاقة النقد بالنص الأدبي وبالقارئ تحت ضغط المشكلات الاجتماعية والسياسية التي تجعل معظم النقاد يتحرزون من المجاهرة باستقلالية الأدب عن الخطابات الايديولوجية. لكن واقع الابداع، في نماذجه الجيدة، يشخص نوعا آخر من "الالتزام" لا تكون فيه القيمة الفنية والرؤية الذاتية أقل من المضمون ودلالاته المختلفة). (مما يجعلنا نتابع تجليات ومصير الالتزام في ساحة الأدب العربي الحديث، قبل أن نتوقف عند سؤال ماذا يستطيع الأدب اليوم؟) (*)

1- "ما الأدب؟" ص 60، وجميع الاستشهادات عن طبعة سلسلة (Idees) رقم 58، جاليمار.

2- انظر صفحة: 272 من: eBenoik Denis: Littérature et engage ment Collection oints n= 407-ed sSeuil 2000

3- انظر: Germaine Bréé & Edouard Mort-sir: Litt'rature Franzaise Tome 9: Du Surréalisme á liempire de la ritique - ed. Artaud، 1984، Paris.

4- انظر كتاب رئيف خوري: الأدب المسؤول، دار الآداب، 1968، ص 89 وما بعدها.

...........................................

 

(3) تجربة متميزة : غالب هلسا والواقعية النقدية وهواجس الأمكنة-(*)

كانت أعمال غالب هلسا تشير إلى رصد تفاصيل اجتماعية وسياسية وثقافية من الواقع الاجتماعي في حياة الأرادنة بين العقد الثالث والخامس من القرن العشرين. كانت سعيا لكشف حقائق متراكمة في انتمائها للماضي وإعادة بناء مفردات عالمها وتصوير معمار بديل ينهض مكانه. وكان انعكاسا لبيئته ن فهو قد ولد ونشأ في مجتمع يتحول من البداوة إلى الزراعة، ومن الزراعة إلى التجارة. وهذا ما جعل رواياته تجمع ملامح من سيرة مجتمع قبلي صحراوي بحثا شجاعا عن (الحقيقة) وليس قصاً تخيلياً، منشغلا بعلاقاته الداخلية، دون مرجعياته الخارجية. نحن أمام كتب تم اختيارها من بين مجموع اصداراته المتميزة : (أدباء علموني.. أدباء عرفتهم) (زنوج وبدو وفلاحون) و(وديع والقديسة ميلادة) و(ثلاثة وجوه لبغداد) ورواية (سلطانة) ونشير إلى اختياراته الأخرى في الترجمة او الدراسات والبحوث والمقالات النقدية. التي تعبر عن الهموم إياها التي يبحثها ويعالجها في رواياته

نجد في كتاب (أدباء علموني.. أدباء عرفتهم)، شكلا من أشكال السيرة الذاتية، الحياتية والأدبية والنقدية. وضم معالجات الروائي. لعدد من الكتب والكتاب الذين قرأ لهم، وأثرهم في ادبه.مثلا:ويتضح تأثير القراءة في نوعية وقيمة صياغاته وسرده الروائي كما حدث مثلا في معالجته لشكل الكتابة في رواية وديع والقديسة ميلادة وآخرون)، قبل أن يقرأ فوكنر، ثم كيف كتب (زنوج وبدو وفلاحون) بتأثير من فوكنر. ففي الفصل المخصص للكاتب الأمريكي المعروف، يتحدث غالب عن كونه في رواياته، بعد سنوات، وكما لم يفعله سواه.

 (يأخذ غالب هلسا، ومع قراءته روبرت ستيفنسن، في استعادة مناخات ترتبط لديه بقراءة هذا الكاتب، فيستعيد- مثلا - ليلة باردة في بيت أخيه المنعزل في مأدبا، ثم يستعيد عواصف ثلجية تهدر حول بناء المدرسة الداخلية (يقصد المطران) وهو في سريره يحاول استجلاب الدفء). وبعد أن قرأ فوكنر، صار الواقع اليومي في خانة الاحتمالات، وبات يكتسب حيوية مدهشة، وتنوعا لا حد له. وفجأة (امتلأ البشر حولي بإمكانات لانهائية). فثمة في الأردن، كما في غيره من دول العالم، ما يستحق الكتابة) : (...كانت الكتابة عاري السري، ووسيلتي للخروج من الرتابة والملل. وحين قرأت كافكا فيما بعد، انفجرت عوالم الحلم في داخلي.. لم يعلمني أحد الكتابة ولم يشجعني أحد على المضي فيها. كنت أقرأ لأكون أفكارا خاطئة لم يعن أحد بتصحيحها). كتب غالب كثيرا عن الأردن، عن مجتمع القرية والمدينة وتفاصيله، وقدم قراءته للمكان بعناصره وتفاصيله وجمالياته. ونجد في حوار معه قوله (قبل فوكنر كنت أحتار كيف أصيغ من الحياة البطيئة والرتيبة في القرية فعلا دراميا، فوكنر جعلني أرى الأحداث ليس كما وقعت، ولكن عبر تحولاتها في المجتمع). كما تجلى ذلك بوضوح في (زنوج وبدو وفلاحون) وما يبرز نمط الحياة في القرية الأردنية. إذ يقيم المؤلف تناظرا ضمنيا بين نمطين من الحياة ولهجتين وثقافتين. ففي حين تعكس لهجة البدو القاسية نمط حياتهم المغلقة: (أشوفك مربي جدايل، ما قلت والله غير انك بدوي، وأنت فلاح مقطوع الأصل)، فإن لهجة الريف الشفافة تصور تسامح أهلها وطيبتهم (والله ما حد رايح الصلاة في هالسمطة، أبونا الله يسامحه ما يقطع فرض لو كانت حتى ثلج). وهذا الصراع يخفي صراع ثقافتين ونمطين من الوجود: البدوي الحاد الطبع والريفي المتسامح).

تسرد قصة (زنوج وبدو وفلاحون)، في فصولها الثمانية، مشاهد من سيرة حياة قبيلة بدوية، وتصور على نحو معمق مجموعة من العلاقات داخل القبيلة وبين أفرادها، من جهة، وعلاقة القبيلة بالفلاحين الذين يعملون لديها من جهة ثانية، وعلاقتها كذلك بالضابط الإنجليزي المعروف (جون باجوت جلوب) والملقب ب-(أبو حنيك) من جهة ثالثة. وهي في ذلك كله تقدم رؤية للمجتمع الأردني في حقبة تاريخية محددة، هي الفترة التي شهدت تأسيس(إمارة شرقي الأردن) مطلع العشرينيات من القرن العشرين، والمجتمع المحكوم بالعلاقات العشائرية).

في كتابه (أدباء علموني.).، وفي فصل عن علاقته بروايات فوكنر، ثمة فقرة يتحدث فيها غالب عن رواية فوكنر (الحرام) وبطلها (بوبي)، فهذا البطل الذي يفقد مسدسه في لحظة، يدرك أنه فقد شيئا أساسيا في شخصيته، ويرى غالب كيف اعتقد (بوبي) أنه- بفقدان مسدسه- كمن أصيب بعاهة، لأن الأمير المحارب لا يجوز أن يفقد عدته، لذا يفضل الموت. ومثل بوبي هذا، يحدثنا غالب عن فارس بدوي من قريته، أصيبت قدم اليسرى بالغنغرينا، فقرر الطبيب قطعها، لكن الفارس البدوي قال إنه يفضل الموت! ومن هاتين الحالتين، بوبي والفارس البدوي، يخلص غالب إلى أن <<سمة الكمال العضوي صورة للأمير المحارب>>. وعليه يؤكد أن قصته <<الب ش عة>> قد كتبت بتأثير هذه الصورة.

وديع والقديسة ميلادة: إن البطل هنا أكثر من حالة واقعية، فهو تجسيد لواقع وتقاليد معروفة في العشائر البدوية الأردنية، وربما العربية، لكنه هنا ليجسد حالة ذهنية، وليكشف زيف هذه التقاليد حين يجعل أهل البطل يحاولون بكل ما يمكنهم من الحيل أن لا يخضع ابنهم للاختبار. بل إن أمه، وهي امرأة داهية، تساعده على الالتقاء بالمرأة التي يحبها، مع أنها لا تكف عن لعنه ولعن والده الذي لم يكن يكف عن مطاردة النساء حتى وفاته. وبقدر ما تكشف القصة عوالم نفسية لشخوصها، فهي تكشف أيضا بنية ثقافة شعبية مستقرة، مستخدمة في ذلك قاموس هذه الثقافة ومفرداتها. ويستكمل غالب الغوص في هذه الثقافة من زاوية أخرى، فيقدم في قصة (وديع والقديسة ميلادة وآخرون)نماذج للتخلف والخرافات التي تعشش في مجتمع الريف والبداوة. فالمكان قرية تجمع النمطين الريفي والبدوي، في لحظة توجههما إلى الاستشفاء لدى الطفلة التي باركتها السيدة العذراء، وراح أهلها يستغلونها لمعالجة أصناف المرض العضوي والنفسي). ثمة صراع آخر في هذه القصة الطويلة (أو الرواية القصيرة، كما يسميها المؤلف)، هو الصراع بين القروي والمديني. وهنا نسترجع ما قاله الكاتب حول أثر فوكنر في كتاباته حيث يقول عن شعوره تجاه أهل المدينة (مارست انتقامي- انتقاما لخيبة أملي- من عم ان، إذ بدا أهلها ضيقي الأفق، مفجوعين بأحلام لا تتحقق). (هذه الخيبة يعلن عنها في سلطانة أيضا) فحين يذهب أهل القرية إلى المدينة، بما فيهم الطفل وديع وأمه، ينزلون عند الأستاذ إلياس- الشقيق الأكبر لوديع- الذي يتعامل معهم بازدراء، كما لو كانوا من الهمج. من هنا تأتي خيبة أمل وديع.

وقد اختار غالب أن يجعل العذراء تظهر في الصورة (بلباس فلاحة فلسطينية تحتضن يسوع الطفل)? بما يشير، ربما، إلى وجود (القديسة) في فلسطين! وهنا يظهر لنا الراوي طبيعة مشاعر القرويين بعد دخول بيت إلياس (بعد أن كوّموا حاجياتهم قرب الباب، كان الجميع يشعرون بتأنيب وخوف غامضين، وراحت عيونهم تتجه إلى كل حركة تصدر عنهم). ورغم أنهم يحاولون منع كل ما يمكن أن يسبب مشكلة، فهم لا يتورعون عن تأنيب إلياس حين يقمع شقيقه الطفل وديع. ولتبرز ثنائية الريفي وازدواجية تركيبة شخصيته; فمن ناحية ثمة شعور عارم بالكرامة، يقابله- من ناحية ثانية- شعور بالدونية أمام الأستاذ، الكاتب، ابن المدينة!

غالب هلسا يكشف اسم (بطل) روايته ثلاثة وجوه لبغداد (غالب)، القادم للتو من القاهرة إلى بغداد، وهو يتجول في شوارعها. وبعد صفحات قليلة نجد غالب هذا في شارع الرشيد، ونقرأ على لسان الراوي أنه (كان يود أن يعبر الشارع نحو الصيدلية. كانت المكتبة على يساره، وقد صفت أمام الباب أعداد كبيرة من الكتب. كتاب ما، غير محدد اجتذبه قبل أن يغادر الرصيف، فوقف أمام الكتب وأخذ يقرأ عناوينها. وخفق قلبه. كان هناك كتاب يحمل اسمه، بعنوان (زنوج وبدو وفلاحون). أمسك بالكتاب وتفحصه. إنه من إصدار وزارة الثقافة والإعلام العراقية. الغريب أنه لم يرسل مخطوطة لتنشر في العراق. فكيف حدث هذا?) وهذا المشهد من أوضح المشاهد التي تربط السيرة الذاتية لغالب برواياته. فالبطل هو غالب هلسا نفسه، وهو مؤلف الكتاب المذكور كنوع من التأكيد على حضور مؤلف الرواية التي بين أيدينا. وفي وزارة الثقافة المتخيلة سيقابل غالب موظفا عجوزا يسأله عن مكافأة الكتاب، ويستغرب العجوز من اسم (هلسا).. لكنه ما أن دخل الوزارة الحديثة حتى وجد كتاب قصة ورواية وشعراء يعرفهم ويعرفونه، بل يتوقعون مجيئه. ولكنهم تأدبا سألوه عما حدث كي تبعده القاهرة، فحكى لهم أن ندوة أقيمت في القاهرة عن (المخطط الأمريكي في المنطقة العربية)، وأنه كان يرأسها، وعندما انتهت الندوة ألقوا القبض عليه ووضعوه في الطائرة المتجهة إلى بغداد.. هذه جميعا وقائع يعرفها كل من يعرف غالب هلسا عن قرب، وكل من قرأ عن تلك الندوة المذكورة وما جرى فيها وعلى إثرها. ففي هذه الوقائع تحديدا، وفي وقائع غيرها من الرواية أيضا، نجد صورة غالب هلسا واضحة المعالم والملامح. لكن هذا لا يعني أن الرواية هي رواية وقائع أو رواية تسجيلية. فثمة الكثير من المتخيل الذي لا علاقة له بالذكريات فقط. ) .

وفي (سلطانة) يستطيع قارئ أعمال غالب هلسا أن يجد جوانب كثيرة من الحياة الاجتماعية الأردنية في عدد من رواياته، لكن العمل الأضخم، والأهم في نتاجه الإبداعي الذي خصصه للأردن هو روايته (سلطانة). ففيها نجد تفاصيل حياة المؤلف في منتصف الخمسينيات- وتنطوي على شكل ما من سيرة الكاتب في الأردن، وهي رد على سؤال عزة (حبيبة جريس في القاهرة) عن سبب رحيله عن الأردن وعدم عودته إليه، الأمر الذي جعله يستعيد هذه الحياة كلها، إلا أن القارئ سرعان ما ينسى (عزة والقاهرة)، ويندمج في أجواء أردنية، بدءا من قرية ماعين، وصولا إلى عمّان بكل تفاصيل الحياة فيها).

علينا هنا أن نستعيد بعض ما كتبه غالب هلسا - في كتاباته غير الروائية- عن قريته، وعن عائلته وقبيلته، وعن مدرسته الداخلية، وسواها مما يمكن أن يضيء تفاصيل هامة من هذه الرواية. ففي حديثه عن القرية، وهو غالبا ما يأتي ضمن سياقات من الحنين والتذكر، لا التأريخ والتوثيق، يكتب غالب، في دراسات ومقالات كثيرة، أشخاصا وحوادث ووقائع تتقاطع مع شخوص وحوادث ووقائع الرواية التي نحن بصددها. نشير هنا- مثلا - إلى ما جاء عن طفولته، وعن كونه ولد واكتشف أن له أُمّيْن: واحدة يناديها (يمَّة) والثانية يناديها (يمّة آمنة). وهذه الأم الثانية، كما نعرف من كتاباته، وكذلك من الرواية، هي أمه بالرضاعة. والمفارقة التي نتوقف عندها- ابتداء- هي أن أمه آمنة هي امرأة من قبيلة مسلمة، وظلت ابنتها أخته في الرضاعة حتى كبر وغادر الأردن. وستشكل هذه المرأة محورا هاما في حياة غالب، كما شكلت في حياة جريس الذي يقول (حين كبرت رحت أتساءل: كيف يحدث في مجتمع متعصب دينيا، العائلة والقبيلة فيه تشكلان وحدة عضوية متماسكة ومعادية للعالم.. كيف قدرت أمي آمنة المسلمة أن تحب طفلا من عائلة غريبة، ومسيحية كمان، دون أن تسأل نفسها أنا شو بيربطني فيه?). هذا التساؤل يحتاج دراسة معمقة للبنية التي أنتجت هذه الحالة، رغم إمكانية القول إنها الشذوذ الذي يؤكد القاعدة ولا ينفيها. والمرأة الأخرى التي ستشكل محطة هامة في حياة جريس، هي سلطانة، فمن (سلطانة) هذه?

 ال

لاثية الأحزان ( 29) شوكت الربيعي - المثقف -8 / 9 / 2008م

ثلاثية أحزان القصب تأليف شوكت الربيعي- القسم التاس والعشرون- المثقف- 8/ 9/ 2008م -

ثلاثية الأحزان (29)

أرسل لصديق
شوكت الربيعي – المثقف   
Monday, 08 September 2008

ثنائيات الكتابة المشتركة

(قمت بتحرير ومناقشة ما قرأته وحققت فيه، عن دراسات وبحوث ومتابعات ومقالات كتبها اساتذة ونقدة آداب وفنون، في تجريبية  ثنائية الكتابة المشتركة)، باحثا  فيها عن: الأداء الفني، العناية بالتركيب والأسلوب والاضاءات النقدية، التقنية الشكلية والدلالية والجمالية، آلية القصة القصيرة .

كانت عيون الشعر والأدب والموسيقا والفنون الزمانية والمكانية تفيض من روحها تميزا، هو جزء من المبدع متفردا بذاته. غاضين الطرف عن مبدا: (.. إن العمل الأدبي لا يصدر إلا عن شخص واحد هو المبدع)،  بيد أن تجربة الفن التشكيلي ورسوم الجداريات والنصب والتماثيل والباناروما الفنية في انحاء العالم وفنون العمارة والزخرفة والخطوط تشير إلى إمكانية نجاح الأعمال المشتركة. . كل ذلك يشير أيضا إلى أن عملا فنيا مبتكرا بخصوصية وجمالية مؤثرة،  سيظهر للوجود الجمالي في الحياة ولا يقتصر الامر على اعتبار واحد  لايصبر على طعام واحد. ولكن  سردا ينشؤه اثنان أو اكثر سيبدو غير قابل للمحبة، وليس مالوفا او تم استيعابه أو جرى تفهم اسبابه وعلاته في تاريخ الفن والادب الانساني . أي قد  يشترك اثنان أو أربع  بكتاب أو موسوعة، و يتفقان بمنهجية دقيقة على إنجاز أعمال أدبية أو فكرية بصورة مشتركة /.أمر مكن تقنيا وحرفيا وتوثيقيا وتسجيليا. على أن تظل طبيعة مساهمة كل منهم مكشوفة وواضحة / وهي صياغة تختلف تماما، بل  على الضد من الصيغة التي جرى تطبيقها في باديء الأمر/  ومؤداها أن تكون التجربة المشتركة  طي الكتمان، مما يعني ظهور «نص آخر» لا ينتمي إلى أي منهما منفردا أو  على حدة)، إلا أن الكتابة الثنائية، أو «الكتابة بأربع أياد» وقائع وحكايات طافحة بالود والصداقة أحيانا، وبالغرور والغرابة والتناقضات أحيانا أخرى. أي ان العمل المشترك قد يظهر إلى النور أفضل ما في بعض الكُتاب من مزايا، إلى جانب إخراجه أسوأ ما في بعضهم الآخر من مثالب وعيوب). ومن التجارب المتميزة في ثنائيات الكتابة المشتركة أخترنا نموذجين هما، ما يلي:

 (1) - تجربة متميزة: جبرا ابراهيم جبرا “و البئر الاولى”  والكتابة المشتركة

كنت دائب الربط بين مفهوم القراءة والكتابة والواقع الذي أعيشه، باحثا عن متعتها وقيمتها الفنية من بين مئات المقالات الأدبية المختارة والمجاميع الشعرية والقصصية والكتب الفنية والنقدية وتاريخ الفنون عامة متسائلا عن اعتبار هوايتي الشغوفة بالقراءة، اختيارا وحوارا ورؤية وموقفا ومتعة. وكنت احتفظ بنسخة موقعة من الطبعة الاولى لكتاب “البئر الاولى” للاديب الكبير الراحل جبرا ابراهيم جبرا – وكانت قد صدرت في لندن عام، 1989 عن دار رياض الريس. ولكنني لم احصل في العام،1995 على طبعة شعبية خاصة صدرت من هذا الكتاب، لان مؤلفه كان قد توفي في بغداد عام 1994م .

جبرا الروائي الانسان: قال الشاعر سركون بولص (1944م – 2007م): ان جبرا ابراهيم جبرا  (المبدع الفلسطيني العراقي)، كان بالنسبة لي ولشباب آخرين أبا حقيقيا.  وكنت أسبح وأعبر جسر الجمهورية كل يومين أو ثلاثة من الاسبوع، كان بالنسبة لنا أيضا مصدر رزق حيث كان ينشر لي ولرهط من الشعراء المفلسين من بينهم جان دمو الذين كانوا يتوافدون يوميا على مكتب جبرا ابراهيم جبرا في مجلة،" العاملون بالنفط ". 

(كان جبرا أبا روحيا بالنسبة لي، وكنت أتحدث معه لأنه كان واحدا من العقول النيرة التي استطيع أن أتحدث معها عن اكتشافاتي في الأدب العالمي التي كنت أقرأه بنهم وكنت مذهولا بالأدب الغربي.  وكان جبرا ابراهيم جبرا الكاتب والمترجم والشاعر شخصية فذة، كأنه واحد من شخصيات النهضة الأوروبية العظيمة كدافنشي، التي لها إحاطة بالعلم والأدب والفن والتيارات الفكرية الأخرى، إنه ليس شاعرا أو كاتبا فقط وانما هو بالنسبة لي كان شخصية عالمية. وانا عرفته عندما اكتشفت انه يحرر مجلة «العاملون بالنفط» وكنت آنذاك في كركوك وعرفت أن المجلة تدفع مكافأة مالية كانت متواضعة غير أنها بالنسبة لي آنذاك غير متواضعة، فالدنانير الثلاثة أو الخمسة التي تدفعها كانت كافية لليلتين أو ثلاث في حانة مع عشرة شعراء مفلسين).

كان جبرا بالنسبة لي المثال العظيم وهو الذي قام بترجمة شكسبير وآخرين وكنت معجبا بترجماته لشكسبير فهو كان مثالا للمترجم الحق.  وأذكر عندما نويت مغادرة  بغداد للذهاب الى بيروت والتقيت بجبرا ابراهيم جبرا في مكتبه ببغداد في كرادة مريم، أعطاني مخطوطة الملك لير مطبوعة على الآلة الكاتبة كي أوصلها الى يوسف الخال ببيروت لغرض نشرها في دار النهار. وكان جبرا لا يعرف وأقول هذا للمرة الأولى بأنني كنت ماشيا عبر الصحراء على الأقدام وكان يعتقد بأني ذاهب كأي مسافر بالطائرة أو بالسيارة الى بيروت، ولم يدر بخاطره هذا الأمر حتى وفاته.  ولم أقل له بأني حملت مخطوطة الملك لير معي في حقيبتي عبر الصحراء وفي أحقر الفنادق بحلب وحمص ودمشق وعبر الحدود السورية اللبنانية ومع مهربين مغامرين حتى وصلت بيروت وسلمت مخطوطة الملك لير الى يوسف الخال ونشرتها دار النهار. 

"لقد نسيت أسفاري، وما عدت أستطيع أن أذكر ملامح أية مدينة في العالم سوى مدينة واحدة. مدينة واحدة أذكرها، أذكرها طيلة الوقت. تركت جزءا من حياتي مدفونا تحت أنقاضها، تحت أشجارها المجرحة وسقوفها المهدمة، وقد أتيت الى بغداد وعيناي ما زالتا تتشبثان بها – القدس "صيادون في شارع ضيق"، دار الآداب، بيروت 1974. ص. 16-15) هذا الفلسطيني التائه مثل أبطال رواياته، والمؤمن بفكرة " الإنسان الكوني " الرافض مقولة هاملت الرهيبة – على حد تعبيره- " إني والله لأستطيع أن أحصر في قشرة جوزة، واعد نفسي ملك الرحاب التي لا تحد، لولا أنني أرى أحلاما مزعجة " (تأملات في بنيان مرمري، رياض الريس – لندن، ص. 131)، لم ينل ما يستحقه من نقد وتقدير جدير بأبداعه المتعدد الجوانب، رواية ونقدا وشعرا. هذا المبدع، صاحب البنيان المرمري في الرواية العربية المعاصرة، وأحد أبرز الأصوات الروائية العربية الناجحة في إستيعاب تقنيات الرواية الغربية وتوظيفها خاصة الرؤى المتعددة " Points of View " والارتجاعFlash back والاستباق Anticipation، بقي جنديا مجهولا في عالم يرقص فيه أنصاف المثقفين، وأصحاب الاقلام الرديئة. عاش جبرا بعيدا عن الأيديولوجيات، ظانا منه، أن الأدب في مجتمعنا فوق التجزيئية، والخطابية الجوفاء. لم يكن جبرا طائرا يغني في غير سربه، بل كان في طليعة السرب، ذا صوت مثقل بالمأساة الفلسطينية والهم العربي.

كان جبرا روائي الأرض، ولم يكن روائي الكواكب الوهمية، فالسفينة رغم مدلول عنوانها البحري هي رواية الأرض والجذور، تتلاحم وتتفاعل فيها الأصوات العراقية والفلسطينية، وتحكي الهم والوجع العربي الإقليمي والعام، فعصام السلمان المهندس العراقي وخريج أكسفورد. بعد ان حرم الزواج من لمى عبد الغني، زميلته في أكسفورد، بسبب نزاع عشائري، يقرر الهرب منها عن طريق رحلة قصيرة، يقوم بها لمدة اسبوع على ظهر (الهركيوليز). إحدى سفن النزهات البحرية اليونانية، التي تسافر من بيروت الى أثينا ومن ثم الى نابولي. حيث سيقلع من هناك في طائرة الى لندن. وفي السفينة يلتقي عصام من حيث لا يدري، مجموعة من الهاربين أبرزهم لمى عبد الغني، التي خططت لهذه الرحلة كي تلتقي عصام، وتعيش معه عواصف جنسية في قمرة السفينة، على مسمع من زوجها فالح عبد الغني، الذي إنتحر بشكل مدروس على غرار " ابالسة" ديستويفسكي، بعد ان عاش مأزوما مهزوما.

ان جبرا في السفينة رفض هجرة المثقفين العرب. رغم غياب الحرية الفكرية في العالم العربي ورغم القمع والتعذيب، هذا ما يقوله وديع عساف لعصام السلمان في نهاية الرواية، أثناء التحضير لنقل جثمان فالح الى بغداد " حريتك هي في ان ترفض الهرب حريتك هي في ان تكون مهندسا في أرضك- مهما ضاقت بك وتفننت في إيذائك " (ص 237). كما رأى في الغربة "أوجع اللعنات".

 

لقد حملت السفينة الهم العربي قاطبة، وقدمته بجمالية روائية مميزة، من خلال أتباع تشظي الزمن واعتماد الأصوات المتعددة. Polyphonic Novel فمحمود الراشد، الأستاذ الجامعي الذي تعرض للأضطهاد والتعذيب بسبب نشاطه السياسي ينهار حين يشاهد النادل اليوناني في السفينة، متوهما أنه نمر العجمي، رجل المخابرات، الذي عذبه في السجن ".. نمر العجمي يا وديع، شهرين كاملين، ستين يوما عذبني بالكرباج، وعلقني بالمروحة. وحبسني في المرحاض، وسقاني بولي.... أما رأيته في ثياب ملاح يوناني !" (ص 136)  ولقد عالج جبرا في السفينة قضية الأرض والجذور، فعصام السلمان الهارب الأول والحقيقي في السفينة، يهرب من أرضه وجذوره، لأنه يرى فيهما لعنة وجريمة، بسببهما قتل والده عم لمى، لذا باع معظم أرضه " فرحا وطربا"، وقرر الهرب الى الغرب.أما وديع عساف الفلسطيني، المحروم أرضا، يرفض فكرة الهرب والهجرة، وهو متعلق بالأرض والجذور.

وقد قال جبرا في موضوع الهروب من السفينة "إن الهروب من السفينة عنصر أساسي طبعا، فأنا أصور أناسا يهربون، ولكنهم في النهاية يكتشفون أنهم لا يستطيعون الهرب، أو أنهم يجب ألا يهربوا، أو أن خلاصهم يكمن في العودة ألى أرضهم، في العودة الى الصخر، والصخر هو كل شيء، ولذالك وضعتهم في سفينة بعرض البحر، هؤلاء عزلوا أنفسهم، وأبحرت بهم هذه السفينة في المياه، من مدينة ألى مدينة، فكأنهم يتصورون أنهم يستطيعون أن ينسوا تجربتهم الحقيقية، تجربتهم التي هي أعماق كيانهم، ولكنهم اكتشفوا انهم يحملون تجربة الصخر في انفسهم، وأن خلاصهم في النهاية هو أن يعودوا، وألاانتحروا كما انتحر فالحلأنه لم يستطع أن يعود.وخلاص العربي هو في عودته الى الصخر، في مجابهة قضيته في بلده " (الفن والحلم والفعل، بيروت:المؤسسة العربية 1988. ص 488-489).

لقد انحاز جبرا الى الشخصية الفلسطينية وجعلها مركز الدائرة والمحرك الأساس في المجتمع العربي. هذا ما تجسده شخصية وديع عساف في السفينة ووليد مسعود في البحث عن وليد مسعود، فوليد مسعود مصبوغ بهالة من الأسطورية "فوليد أنما هو ذالك الفلسطيني الرافض، الرائد، الباني، الموحد، (أذا كان لأمتي أن تتوحد)، العالم، المهندس، التكنولوجي، المجدد، المحرك للضمير العربي بعنف" (ص 322).

ومن ناحية ثانية صور جبرا المآسي والعقبات التي تحول دون تنقل الفلسطيني، من بلد الى آخر "لقد كانت مصيبة الفلسطيني لا النفي عن مسقط رأسه فحسب، بل الصعوبة المفروضة عليه في التنقل من بلد ألى بلد" (البحث عن وليد مسعود، ص 110).

هذا المبدع صاحب الفن التعددي، الروائي، القاص، الشاعر، الناقد، الرسام، المترجم الحاذق الذي أغنى المكتبة العربية بروائع شكسبير وفوكنر وجيمز فريزر وألكسندر أليوت وبيكيت ولافونتين وغيرهم من أساطين الأدب العالمي هو ذاك الطفل المثير في البئر الأولى. أنه في الخامسة من عمره، حافي القدمين، يتعلم في مدرسة الروم الأرثوذكس في بيت لحم، بين خمسين صبيا من اعمار شتى، في غرفة واحدة، وعلى يد معلم واحد. والده عامل بناء فقير، أمي، لكنه يحفظ الكثير من الحكايات الشعبية، المستقاة بأغلبها من ألف ليلة وليلة، والتي رواها على مسمع جبرا الطفل، غارسا فيه من حيث لا يدري، البذرة الأولى التي نمت واصبحت شجرة ثقافية باسقة. لقد كتب مكسيم غوركي في رائعته طفولتي: " ولكن الحقيقة فوق كل نزوة شخصية، وأنا لا أكتب هنا عن نفسي، بل عن تلك البيئة الخانقة الرهيبة التي كان يعيش فيها، وما يزال، الروسي العادي". (طفولتي، بيروت: مكتبة الحياة، ص 20).وإذا كان الكاتب الإنساني غوركي قد وصف معاناته ومعاناة باقي البشر، من الأمتهانات والآلام الأنسانية بدءا بوصف غربته في بيت جده، وغربة البشر في موطنهم الأم، وعداوة جده الخانقة الذي لا يكف عن جلده وضربه، وصراع خاليه واقتتالهما على أملاك جده وصور الفقر والجوع، وذل وعذاب الفلاحين وشقاء والدته وبؤسها في دار أبيها، وغيرها من الأهوال التي لقيها في طفولته، والتي تجسد تلك البيئة الخانقة التي عاشها الروسي العادي، فأن جبرا في البئر الأولى يرصد الطفولة القاسية التي عاشها الفلسطيني التلحمي في العشرينيات من القرن الماضي. رحل ذاك الطفل التلحمي في البئر الأولى والذي شمخ وأصبح أنموذجا للمبدع العربي الموسوعي في القرن العشرين. (سمير حاج من الجليل: / في ذكرى رحيل جبرا إبراهيم جبرا)

كان جبرا ابراهيم جبرا يخص بالإهداء شريحة معينة كان لها الأثر الكبير في مسار حياته وفي تكوينه العلمي والتربوي، فكانوا الروافد أو الأنهار التي استقى منها جبرا وملأ بئره من عذب مياههم. ويمثل الإهداء بوصفه عنصراً من العناصر الموجهة للنص السيرذاتي عتبة نصية مهمة تسهم في إضاءة النص، وتشير بشكل مباشر ولاسيما في نص يمثل سيرة الكاتب الذاتية، لأن الإهداء هنا لو كان على أي عمل إبداعي آخر مثل الرواية أو القصة لما كان الأهمية التي نجدها في النص السيراذتي لأنه في العمل الروائي يحيل إلى خارج النص في حين أنه في العمل السيرذاتي يحيل إلى داخل النص ويعمل على توضيح بعض جوانبه.‏ ويمكن تلمس ذلك في سيرة جبرا الذاتية إذ جاء الإهداء بوصفه إشارة لافتة لأهمية هؤلاء في تكوين جبرا -الطفل- العلمي والتربوي، ثم نجده يقف في المتن عند هؤلاء الذين لقنوه سحر الكلمة وقفة متأنية يشيد فيها بفضل هؤلاء عليه عرفاناً منه بهذا الجميل بدأ بالمعلم صاموئيل الذي علمه الألف باء وانتهاءً بالأساتذة الذين تخرج على أيديهم في الكلية العربية في القدس(1) .‏

(2) تجربة متميزة: عبد الرحمن منيف “و عطر المكان ” (*)

عبدالرحمن منيف (1933 ـ 2004) (*) كان يبحث عن اسلوب جديد لمواجهة الاستكانة والعجز العربي، فهو الذي وصف نفسه بالثائر الروائي انشغل بموضوعين شكلا المدماك لكل رواياته وهما القمع والنفط، وعبرهما عمل علي تشكيل مدن وقراءة اماكن وحيوات شخوص، لم يكن فيها مشغولا بالتأنق اللفظي او بناء شعرية خاصة عن المكان بقدر ما اراد ان يقدم رؤية عن الطريقة التي يتشكل فيها المكان بفعل الاستغلال والاكتشاف وعلاقته بالفرد الذي قد يكون عامل هدم او بناء.

وفي داخل هذا الفهم كان منيف يقرأ التغييرات النفسية والظاهرية التي تحدث علي المكان، والتحول المثير في العلاقة القريبة بالمكان الي غربة عنه.

منيف الذي كتب رواياته فيما بعد الهزيمة العربية والانكسار العربي كان مشغولا بالهموم السياسية والثورية التي تفرعت عنها، فقد قال مرة نحن بحاجة الي ثوار روائيين لديهم تطلعات، لديهم صيغ واساليب في التعبير، ولديهم هموم يشركون الاخرين فيها، وهذا لا يعني بالضرورة الدخول في اطار المباشرة السياسية ولكن رصد وتوثيق العصر الذي يعيش فيه الكاتب، وبداية من الاشجار واغتيال مرزوق حتي روايته الاخيرة ذات النفس الملحمي ارض السواد عن بغداد العثمانية كان يصور اثار السياسة علي العربي واثار الطبيعة علي نفسيته، علاقته بالمكان، حس الانتماء والاقتلاع الذي يولده مكان ما، والشعور بالغربة والاغتراب عن هذه الارض التي تتغير ولكن الانسان يأبي التغيير. غير ان منيف المثقف ايضا لم يكن غافلا عن الاثار التي تركتها الحداثة القاسية التي جاءت الي وطننا العربي ولم تخلف وراءها الا الاستغلال والسجون والفقر والتفرقة. ومثل الجانب السياسي في حياة منيف كان الجانب الروائي يؤمن بقدرة الرواية علي التغيير).

(البطل الروائي الفردي لديه التزام نحو مجتمعه وواقعه ولكنه ليس كل شيء ففي اعمال منيف ابطال يلعبون ادوارا مهمة في التغيير. المكان في مدن الملح في اجزائها الخمسة، يصبح عاملا مهما يتداخل في حيوات الشخوص والزمان، يصبح المكان المصهر او البوتقة التي تنصهر فيها كل الشخصيات التي تتعاقب كمياه النهر الجاري بحيث لا يتوقف الواحد منها اكثر مما يحتمله المشهد او الحالة فاسحا المجال لكي يأتي الاخر البديل المكمل ويواصل المشوار ـ الحياة. تتنوع شخصيات منيف في اعماله الروائية فهو وان قدم صورا عن الشخصية الانتهازية والاجنبية، الا انه يفسح المجال امام عدد من الاصوات لتكمل الالتحام الذي يبدو ضرورويا في بناء واحكام البناء الروائي امام شخصيات شعبية، ولا يغفل صوت المرأة، المثقف والشعبي والمرأة والاجنبي نماذج من الوجوه التي عاشت في عالم منيف الروائي، في محاولته لبناء صلة وتواصل بينها وبين المكان والزمان).

توزع انتاج منيف الروائي بين الواقعي النقدي الي الرومانسي والتأصيلي التراثي، وفي كل هذا الانتاج ظل منيف يجرب في الاشكال الروائية التي يظل الواقعي من اقرب الاشكال الادبية له، ولكنه ظل يبتكر ويطعم اساليبه السردية بالمثل والاشعار الشعبية بل ان استخدامه للهجة العامية يضفي نوعا من التوتر والجمالية علي نصه، وبدا هذا واضحا في تقديمه اللهجة الشعبية الجميلة في توترها وغنائيتها في عمله الاخير ارض السواد)

كان منيف على خلاف كتاب الرواية العرب الذين اتخذوا من مكان محدد في الجغرافيا العربية عاملا مميزا ولكنه قابل للتطبيق علي اجزاء اخرى منه، يقدم اماكن ليست محددة ولكنها تجمع العديد من الصفات المحددة والممثلة للواقع العربي، ولهذا السبب جاءت مدنه ممثلة للواقع العربي دون ان تكون محددة بمكان حقيقي معروف، موران والطيبة ووادي العيون وحران والعوالي والجسر وعساف هي اسماء اماكن والقاريء لديه القدرة علي وعي صورة المكان وربطه باي واقع عربي، هذا لا يعني ان منيف لم يكن شغوفا برسم المكان وتحديد ملامحه فتضاريسه واجزاؤه واضحة لان المكان يظل خزانا لافكار ومشاعر الشخصية، حيث يولد معها ويتشكل بتشكلها ولديه قابلية علي الزوال كما في مدن الملح التي يقترح عنوانها وجودا مؤقتا قابلا في اي لحظة للانتهاء والتلاشي، وهذا الوجود قائم علي الطفرة. لا محدودية المكان لا تجعل من مسرح الاحداث ارضا غامضة فتنازية فاسماء الروايات تدل علي مكانيتها. المكان في بناء منيف الروائي مرتبط بالانسان والزمان فقيام مدينة او مكان ونهايته متصل بهذه الثلاثية التي تبدو هامة في سرد الكاتب يروح ويجي الثاني يا ابو عزيز، وتنبني المدينة الجديدة، وكأنه ناقصنا مدن، وتقوم مدن ملح، وترتفع وتكبر اذا جاءها الماء فش ولا كأنها كانت .  كل اعمال منيف تبدأ بمكان وتنتهي به وبدأت موران تتنصت وتتلفت وتترقب.... من جديد، انه وادي العيون..، فجأة وسط الصحراء القاسية العنيدة تنبثق هذه البقعة الخضراء، وكأنها انفجرت من باطن الارض او سقطت من السماء)

لم يكن (المكان في بناء المبدع عبد الرحمن منيف لعالمه الروائي عاملا مكملا او زخرفا وحلية للتأنق ولكنه برز كعامل حاسم ومحوري في تطور الاحداث. يقول منيف ان المكان ليس جامدا او محايدا، انه الحاضنة التي تتكون فيها الافكار والعلاقات وتكتسب من خلالها حتي الملامح ونمط القول والنظرة وبالتالي يترك المكان بصمته القوية علي البشر والشجر وكل ما ينهض فوقه، وللامكنة بعد اخر يتحكم فيها وهو الزمن، وهو الذي يترك اثره الاخر علي الشخصيات الروائية في عالم منيف، ان اكثر ما تخشاه شخصيات منيف هو الزمن، الحكيم صبحي ان اكثر ما اخشاه هو الزمن، انا وموران وهذا الزمن، وعلي الرغم من مركزية الزمن في رواياته الا انه من الصعوبة بمكان تحديد الفترة التاريخية التي تجري فيها احداث الرواية، ويتجاهل منيف تحديد الزمن، ويتركه فضاءا فسيحا، وهو يشير الي بعض التواريخ والاحداث مثل احداث عام 1948، واحداث ايران وثورة مصدق، وحكم الاتراك والحربين العالميتين. في الوقت الذي يجد فيه القارئ صعوبة في تحديد ازمنة الرواية، الا ان الكاتب يجد الحرية الكاملة في التلاعب فيها، اختصاره وتكثيف حياة شخص او تجربة تمتد علي اربعة وعشرين عاما الاشجار واغتيال مرزوق الي بضع ساعات تستعاد في رحلة قطار. تحفل روايات وعوالم منيف بالعديد من الشخصيات، منها المثقفة ومنها الشعبية، ولكنها تشترك في حالة الاغتراب التي يعاني منها الانسان العربي، الانسان الضائع، والمثقلة بمشاعر الذنب، وهي محطمة متآكلة فقدت الامل بحدوث تغيير.

في روايات منيف قليلة هي الاماكن الاليفة والجميلة، التي يعيش فيها الابطال في انسجام وتواؤم، وحتي هذه الاماكن التي كانت تحط بها القوافل ظلت مهددة. وفي غالب الاحيان فالمكان بطبيعته اليف حتي في ظروفه القاسية الا ان الظروف التي جمعت الابطال به هي التي شوهت طابع العلاقة، وهذا باد في معظم الاماكن التي برزت في مدن الملح، الحدرة، وحران التي حولها النفط والامريكان. وهناك صلة عضوية بين براءة المكان الذي يعيش خلف سراب الصحراء العنيدة والقاتلة، وبين وصول الالات العتيدة التي لم تغير البيوت وطابع الارض كما حلم في ذلك الحكيم صبحي المحملجي، بل غيرت نفسيات الناس بحيث صارت صيرورة الزمن الذي عاشوا فيه قاتمة وغريبة، بعضهم تهمش وانعزل والبعض الاخر اخذ يطارد خياله واشباح الماضي التي لم يتخل عنها، فيما فقد الاخر عقله، وصار موضعا للشبهة).

صالح الرشدان مثلا في الاخدود الذي ظل حريصا علي البقاء قريبا من السوق القديم الذي كان يشير الي انفتاح المدينة علي العالم/ عالم القوافل شعر بالوحدة والنبذ، تفرق من حوله الناس، وهو الذي كان سيد الزمن، والمكان يأمر وينهي، وعندما مات ابنه، لم يشاركوه الفقد، بل اتهموه بالسرقة، وعندما سار حاملا النعش الابيض الصغير بين يديه، كان وحيدا و يثير السخرية اكثر مما يثير الشفقة، يا جماعة، صالح سارق له سرقة، مثل الحرامي يهرول ولا بد ينكفي علي وجهه وتبين سرقته ... ولكن صالح لا يلتفت ويسير لا يرفع وجهه، لا يسمع، ويمسك بجثة الصغير، بحقد اكبر، وكأنه يريد ان يستمد منها مزيدا من الصلابة والقوة .

علاقات الابطال مع المكان في بعض المرات تأتي نتاجا للاختلاف والصور الجاهزة، كما في مواجهة الامريكي مع الصحراء، التي بدت لهم كالجحيم وبدوا فيها كحيوانات محاصرة بالنيران يتراكضون في كل الاتجاهات ويصرخون ويتعاركون، فالصحراء تبدو ملعونة في رؤي القادمين الاجانب. حتي الحكيم الذي آمن عندما حل في موران، ان البشر هم الذين يخلقون الامكنة، بدا يعيد النظر في رؤيته، عندما اخذ يجول في اجواء هذه المدينة التي تحولت الي مسخ، والي عالم منفر يذرع المدينة الان لا يري في وهج الشمس الا كتلا سوداء صماء عاتية، وهذه الكتل تناصبه العداء لدرجة انه تمني لو انه لم يأت اليها . ان النظرة الشاكة في التطور والتحولات التي حدثت سريعا علي مجمتع الصحراء هي ادانة واضحة لعمليات التحديث التي حلت في المجتمع البدوي الذي نقل فجأة الي مجتمع نفطي. انها المدينة الجديدة التي قامت علي انقاض مدن الصحراء، مدن التآلف والانتظار، لم يعد فيها مكان للحياة الجماعية، وادي العيون لم يعد في ايام الخصب يخترع الحكايات والاحتفالات ليطيل اقامة القوافل، فالمشاعر الانسانية والجماعية في مدن الملح الجديدة الطالعة لم تعد موجودة. في اجواء كهذه يشعر الابطال بالسلبية ويفكرون بالرحيل الي مرافئ جديدة نسيت كل الجسور التي تصلني بالعالم، بشاطيء السلامة، لم يبق امامي الا ان اشرب، انا مجرد انسان عادي، مضطهد، هكذا يقول بطل الاشجار واغتيال مرزوق، بل يسائل كل اليقينيات التي شب عليها مثل فكرة الوطن الذي يختصر الانسان في جو كهذا الي مجرد انسان يتيه في الشوارع يبحث عن عمل ووراءه المخبرون)

عندما يقرر الرحيل، يقر في نفسه انه لن يعود، سيغادر الوطن وينسي الاشعار التي تعلمها في المدرسة والحنين والمشاوير والقمر في الصحراء، فيما يقرر بطل حين تركنا الجسر التوقف عن القراءة والتفكير، بل ان البطل المثقف في هذه الحالة يألف الهزيمة، ويتلذذ بها. منيف في تصويره لاشكالية المثقف العربي في اي مكان لا يريد ادامة حس الهزيمة والهوان بل يريد منه ان يتمرد علي واقعه، ولهذا يفتح لهم منيف الباب امام التكفير احيانا عن اخطاء الماضي والعودة للذات، كما في حالة رجب اسماعيل شرق المتوسط والياس نخلة الاشجار واغتيال مرزوق . مقابل شخصية المثقف المهزوم والبطل الشعبي، تحفل اعمال منيف بالشخصيات التي تجسد السلطة الامير فنر، السلطان خريبط، و حماد المطوع الذي يشكل ويؤكد بما يرمز اليه من سطوة الامن والعيون علي حماية السلطة التي تعيش داخل قصورها، وتشعر بعزلة خاصة لولا الامن والرجل الاجنبي هاملتون مثلا (مدن الملح) الذي جاء برومانسية المستعمر واراد مزجها ببساطة البداوة من اجل تثبيت الاستعمار والسيطرة علي دفة الاقتصاد دون الالتفات الي حياة الناس العاديين. وهناك شخصية الانتهازي الحالم مثل المستعمر التي ساهمت في بناء المجتمع النفطي ولكنها لم تتورع عن استغلال كل الوسائل لصالحها تحت شعار الغاية تبرر الوسيلة، وهناك المرأة التي عكست شكل القمع او صوره المفروضة عليها في المجتمع، وهي ان لم تلعب دورا ثانويا ولم تبرز في عملين مهمين النهايات و حين تركنا الجسر، فقد كان وجودها ضروريا، ولعبت دور المحرك في الكثير من الاحداث، سواء كزوجة، ربة بيت، خليلة في القصر، او زوجة رجل انتهازي لم تتورع عن اهتبال اية فرصة لإرواء شبقها ومع ذلك ظلت وفية لاطفالها).

(ان قراءة منيف ضمن معادلة الزمان والمكان والشخصية تظهر دوره الريادي في تشكيل وتطوير الرواية العربية الحديثة، وكيف حاول الاستفادة من تقنيات السرد الغربي واشكاله، والعودة الي التراث العربي، واذا اخذنا خماسية مدن الملح فهي وان كانت عن صدمة الحداثة، ونشوء المجتمعات الاستهلاكية التي لم تتخل عن بداوتها، تظل عملا ملحميا، وظف له منيف التراث الشعري والمخزون التراثي البدوي، وقام من خلال هذا المزج برصد تحولات منطقة في العالم العربي، تغيرت بفعل ثنائية القمع والنفط).

وهذه القراءة التي يقترحها الباحث والناقد الفلسطيني، نبيه القاسم تختلف عن القراءات السابقة لاعمال منيف والتي استندت على تحليل الموضوعات التي شغلت الكاتب، ولم تنتبه الا بقدر للجوانب الفنية والسردية وتطور الشخصيات والاحداث فيها.

والقراءة الجديدة هي موضوع كتاب القاسم الصادر حديثا في فلسطين الفن الروائي عند عبد الرحمن منيف: المكان ـ الزمان ـ الشخصية، والكتاب في الاصل اطروحة دكتوراه تقدم بها لجامعة تل ابيب واشرف عليها الباحث المتخصص بالادب العربي ساسون سوميخ. ونبيه القاسم ليس باحثا اكاديميا فقط، بل هو ناقد رصد تطور الحركة الادبية في فلسطين المحتلة ويتابعها منذ اكثر من ثلاثة عقود دراسات في القصة المحلية، دراسات في الادب الفلسطيني المحلي، في الرواية الفلسطينية، واصدر عددا من المجموعات القصصية ابتسمي يا قدس، و آه يا زمن، اضافة لعدد من الابحاث التاريخية والكتب التعليمية).. إبراهيم درويش: ناقد من أسرة "القدس العربي" لندن / الكتاب: الفن الروائي عند عبد الرحمن منيف / المكان ـ الزمان ـ الشخصية / نبيه القاسم / دار الهدي للطباعة والنشر / كفر فرع/ 2005

(إن القيمة الفنية لمضمون الرواية ولجمالية شكلها ورؤيتها المستقبلية)، مهما بلغت من الواقعية، غالباً ما تحافظ على مسافة "جمالية" بين الذات والآخر، بين الذات و الحياة، وقد نجد تلك السمات واضحة في أحدث الاشكال الروائية الحديثة ومنها ما أبدعه يراع الروائي عبد الرحمن منيف ليرعف من ذاكرة أمته بين نجد والعراق وعمان ودمشق، فجعل من تلك الأمكنة، عوالمه الأدبية في شتى المباحث والمضامين السياسيةوالاجتماعية،والفكرية، والعاطفية، والإنسانية، فكان بارعا في نصوص رواياته ويومياته ودراساته، التي غدت متعة للعين والفكر و للروح. و التقت في نقطة الرؤية الجديدة على أفق الأدب الانساني.. من هنا انبثقت حيوات كتبه: ذاكرة للمستقبل: فكان الدافع الأساس وراء معظم ما ورد في هذا الكتاب هو تعزيز دور الذاكرة، بتسليط الأضواء على عدد من الظواهر الأدبية ومبدعيها، كمساهمة في توفير مادة تساعد وضع سياق، ومن ثم تاريخ أدبي، دون تحيّز ودون تأثير اللحظة الراهنة، خاصة وأن معظم الذين تمّ التطرق لأعمالهم غادروا هذه الدنيا، وأصبح من الممكن التعامل مع ما أنجزوه بموضوعية. وهذه المادة ليست تاريخاً للأدب أو قولاً نهائياً: وإنما رحلة في عدد من النصوص، ومنها: رحلة ضوء: إذ تواجه الرواية العربية مجموعة من التحديات التي بقدر النجاح في مواجهتها، يكون النجاح في إبداع رواية عربية لها حضورها العالمي. أبرز هذه التحديات: لغة الحوار، أي لغة نختار؟. والشخصية كيف يتمّ اختيارها، كيف ستحيا وتموت؟ إن الشخصية في الرواية لا تتلخص بالإنسان البطل، بل وأيضاً بالطبيعة والحيوان، وهي ما إن تبدأ خطواتها في الرواية حتى تصبح حيّة، وتحكم على سلوكها وخياراتها بين الثقافة والسياسة:  أمام إخفاقات الماضي والحيرة التي تسم حركة التغيير في الحاضر، تطرح اليوم تساؤلات تزيد من حدتها الوتيرة المتسارعة للتغيرات التي تحصل في العالم. مشاكل كثيرة تطرح أمام المثقفين العرب، بدءاً من النقاش الدائر حول المثقف الاجتماعي والسياسي، وصولاً إلى محاولة تجاوز الإنكسارات الناتجة عن تراجع قوة الحركات الوطنية، وسقوط الاتحاد السوفياتي، وتنصيب الولايات المتحدة الأميركية لنفسها زعيمة للعالم وحامية للنظام . ولكي نفهم لماذا نحن في سباق المسافات الطويلة: "الحياة الشرقية مليئة بالسرية والتلون، ولا يقتصر الأمر على البشر وسلوكهم بل يتعداه إلى الحيوانات والطبيعة: برد قارس في الشتاء، وربيع يتفجر بشكل مباغت ودون تمهيد أو إنذار، وصيف لاهب مشتعل تنبع فيه الشمس في الأرض والجدران والأشجار". في ذلك الشرق عاش بيتر لفترة، راقب فيها انهيار سلطة الامبراطورية التي طالما اعتبرت السيطرة على الشرق رمزاً لقوتها.

(2) - كان منيف يقرأ التغييرات النفسية والظاهرية التي تحدث علي المكان، والتحول المثير في العلاقة القريبة بالمكان الي غربة عنه. ومنيف الذي كتب رواياته فيما بعد الهزيمة العربية والانكسار العربي كان مشغولا بالهموم السياسية والثورية التي تفرعت عنها، فقد قال مرة نحن بحاجة الي ثوار روائيين لديهم تطلعات، لديهم صيغ واساليب في التعبير، ولديهم هموم يشركون الاخرين فيها، وهذا لا يعني بالضرورة الدخول في اطار المباشرة السياسية ولكن رصد وتوثيق العصر الذي يعيش فيه الكاتب، وبداية من الاشجار واغتيال مرزوق حتي روايته الاخيرة ذات النفس الملحمي ارض السواد عن بغداد العثمانية كان يصور اثار السياسة علي العربي واثار الطبيعة علي نفسيته، علاقته بالمكان، حس الانتماء والاقتلاع الذي يولده مكان ما، والشعور بالغربة والاغتراب عن هذه الارض التي تتغير ولكن الانسان يأبي التغيير. غير ان منيف المثقف ايضا لم يكن غافلا عن الاثار التي تركتها الحداثة القاسية التي جاءت الي وطننا العربي ولم تخلف وراءها الا الاستغلال والسجون والفقر والتفرقة. ومثل الجانب السياسي في حياة منيف كان الجانب الروائي يؤمن بقدرة الرواية علي التغيير).

(البطل الروائي الفردي لديه التزام نحو مجتمعه وواقعه ولكنه ليس كل شيء ففي اعمال منيف ابطال يلعبون ادوارا مهمة في التغيير. المكان في مدن الملح في اجزائها الخمسة، يصبح عاملا مهما يتداخل في حيوات الشخوص والزمان، يصبح المكان المصهر او البوتقة التي تنصهر فيها كل الشخصيات التي تتعاقب كمياه النهر الجاري بحيث لا يتوقف الواحد منها اكثر مما يحتمله المشهد او الحالة فاسحا المجال لكي يأتي الاخر البديل المكمل ويواصل المشوار ـ الحياة. تتنوع شخصيات منيف في اعماله الروائية فهو وان قدم صورا عن الشخصية الانتهازية والاجنبية، الا انه يفسح المجال امام عدد من الاصوات لتكمل الالتحام الذي يبدو ضرورويا في بناء واحكام البناء الروائي امام شخصيات شعبية، ولا يغفل صوت المرأة، المثقف والشعبي والمرأة والاجنبي نماذج من الوجوه التي عاشت في عالم منيف الروائي، في محاولته لبناء صلة وتواصل بينها وبين المكان والزمان).

(توزع انتاج منيف الروائي بين الواقعي النقدي الي الرومانسي والتأصيلي التراثي، وفي كل هذا الانتاج ظل منيف يجرب في الاشكال الروائية التي يظل الواقعي من اقرب الاشكال الادبية له، ولكنه ظل يبتكر ويطعم اساليبه السردية بالمثل والاشعار الشعبية بل ان استخدامه للهجة العامية يضفي نوعا من التوتر والجمالية علي نصه، وبدا هذا واضحا في تقديمه اللهجة الشعبية الجميلة في توترها وغنائيتها في عمله الاخير ارض السواد) وعلي خلاف كتاب الرواية العرب الذين اتخذوا من مكان محدد في الجغرافيا العربية عاملا مميزا ولكنه قابل للتطبيق علي اجزاء اخري منه، كان منيف يقدم اماكن ليست محددة ولكنها تجمع العديد من الصفات المحددة والممثلة للواقع العربي، ولهذا السبب جاءت مدنه ممثلة للواقع العربي دون ان تكون محددة بمكان حقيقي معروف، موران والطيبة ووادي العيون وحران والعوالي والجسر وعساف هي اسماء اماكن والقاريء لديه القدرة علي وعي صورة المكان وربطه باي واقع عربي، هذا لا يعني ان منيف لم يكن شغوفا برسم المكان وتحديد ملامحه فتضاريسه واجزاؤه واضحة لان المكان يظل خزانا لافكار ومشاعر الشخصية، حيث يولد معها ويتشكل بتشكلها ولديه قابلية علي الزوال كما في مدن الملح التي يقترح عنوانها وجودا مؤقتا قابلا في اي لحظة للانتهاء والتلاشي، وهذا الوجود قائم علي الطفرة. لا محدودية المكان لا تجعل من مسرح الاحداث ارضا غامضة فتنازية فاسماء الروايات تدل علي مكانيتها. المكان في بناء منيف الروائي مرتبط بالانسان والزمان فقيام مدينة او مكان ونهايته متصل بهذه الثلاثية التي تبدو هامة في سرد الكاتب يروح ويجي الثاني يا ابو عزيز، وتنبني المدينة الجديدة، وكأنه ناقصنا مدن، وتقوم مدن ملح، وترتفع وتكبر اذا جاءها الماء فش ولا كأنها كانت) .

تبدأ كل اعمال منيف بمكان وتنتهي به وبدأت موران تتنصت وتتلفت وتترقب.... من جديد، انه وادي العيون..، فجأة وسط الصحراء القاسية العنيدة تنبثق هذه البقعة الخضراء، وكأنها انفجرت من باطن الارض او سقطت من السماء).

(لم يكن المكان في بناء منيف لعالمه الروائي عاملا مكملا او زخرفا وحلية للتأنق ولكنه برز كعامل حاسم ومحوري في تطور الاحداث. يقول منيف ان المكان ليس جامدا او محايدا، انه الحاضنة التي تتكون فيها الافكار والعلاقات وتكتسب من خلالها حتي الملامح ونمط القول والنظرة وبالتالي يترك المكان بصمته القوية علي البشر والشجر وكل ما ينهض فوقه، وللامكنة بعد اخر يتحكم فيها وهو الزمن، وهو الذي يترك اثره الاخر علي الشخصيات الروائية في عالم منيف، ان اكثر ما تخشاه شخصيات منيف هو الزمن، (الحكيم صبحي): ان اكثر ما اخشاه هو الزمن، انا وموران وهذا الزمن، وعلي الرغم من مركزية الزمن في رواياته الا انه من الصعوبة بمكان تحديد الفترة التاريخية التي تجري فيها احداث الرواية، ويتجاهل منيف تحديد الزمن، ويتركه فضاءا فسيحا، وهو يشير الي بعض التواريخ والاحداث مثل احداث عام 1948، واحداث ايران وثورة مصدق، وحكم الاتراك والحربين العالميتين. في الوقت الذي يجد فيه القارئ صعوبة في تحديد ازمنة الرواية، الا ان الكاتب يجد الحرية الكاملة في التلاعب فيها، اختصاره وتكثيف حياة شخص او تجربة تمتد علي اربعة وعشرين عاما الاشجار واغتيال مرزوق الي بضع ساعات تستعاد في رحلة قطار. تحفل روايات وعوالم منيف بالعديد من الشخصيات، منها المثقفة ومنها الشعبية، ولكنها تشترك في حالة الاغتراب التي يعاني منها الانسان العربي، الانسان الضائع، والمثقلة بمشاعر الذنب، وهي محطمة متآكلة فقدت الامل بحدوث تغيير). وفي روايات منيف قليلة هي الاماكن الاليفة والجميلة، التي يعيش فيها الابطال في انسجام وتواؤم، وحتي هذه الاماكن التي كانت تحط بها القوافل ظلت مهددة. وفي غالب الاحيان فالمكان بطبيعته اليف حتي في ظروفه القاسية الا ان الظروف التي جمعت الابطال به هي التي شوهت طابع العلاقة، وهذا باد في معظم الاماكن التي برزت في مدن الملح، الحدرة، وحران التي حولها النفط والامريكان. وهناك صلة عضوية بين براءة المكان الذي يعيش خلف سراب الصحراء العنيدة والقاتلة، وبين وصول الالات العتيدة التي لم تغير البيوت وطابع الارض كما حلم في ذلك الحكيم صبحي المحملجي، بل غيرت نفسيات الناس بحيث صارت صيرورة الزمن الذي عاشوا فيه قاتمة وغريبة، بعضهم تهمش وانعزل والبعض الاخر اخذ يطارد خياله واشباح الماضي التي لم يتخل عنها، فيما فقد الاخر عقله، وصار موضعا للشبهة). يتبع

----------------------------------------------------------------------------

(*) إبراهيم درويش: ناقد من أسرة "القدس العربي" لندن /  اسم الكتاب: الفن الروائي عند عبد الرحمن منيف  / المكان ـ الزمان ـ الشخصية /  نبيه القاسم /  دار الهدي للطباعة والنشر /  كفر فرع/ 2005 

-----------------------------------------------------------------------=--

التعليقات (1)Add Comment
...
المرسل: رهان, 2008-09-08 14:15:38
ما أجمل هذه اللوحات، يرجى الإشارة لريشة مبدعها

أضف تعليقا
smaller | bigger

busy
 

أضافة تعليق

{ الصفحة الأخيرة } { من 269 } { الصفحة التالية }
Image Hosted by فــــي مركز تحميل الصــور منتديات أســـود الاطلـــس

أهلاً و سهلاً

شوكت الربيعي يرحب بكم اهلا وسهلا
الصفحة الأولى
من أنا؟
الأرشيف
أصدقائي
صوري

وصلات

اليوميات المدهشة
الشاعر ماجد البلداوي
الشاعر عيسى الياسري
تحديث المدونة
شوكت الربيعي
كتاب الأمل
الفن العماني المعاصر
طائر الشوف الاصفر
احزان القصب
خمسة عقود من الفن والادب
من التجربة المدهشة
موقع شوكت الربيعي في المثقف


الأقسام


آخر المقالات

ثلاثية أحزان القصب - شوكت الربيعي- المثقف - ( 8 2)- ج2
ثلاثية الأحزان (28) ج2 - شوكت الربيعي - المثقف 6/ 9 /2008م
ثلاثية الأحزان (28) ج1 - شوكت الربيعي - المثقف 6/ 9 /2008م
ثلاثية أحزان القصب تأليف شوكت الربيعي- القسم السابع والعشرون- صحيفة المثقف- 4/ 9/ 2008م -
ثلاثية أحزان القصب تأليف شوكت الربيعي- القسم السادس والعشرون - المثقف- 3- 9- 2008م

أكتب ما تريد ترجمته هنا

أصدقائي



ثلاثية أحزان القصب تأليف شوكت الربيعي- القسم التاس والعشرون- المثقف- 8/ 9/ 2008م -

ثلاثية الأحزان (29)

أرسل لصديق
شوكت الربيعي – المثقف   
Monday, 08 September 2008

ثنائيات الكتابة المشتركة

(قمت بتحرير ومناقشة ما قرأته وحققت فيه، عن دراسات وبحوث ومتابعات ومقالات كتبها اساتذة ونقدة آداب وفنون، في تجريبية  ثنائية الكتابة المشتركة)، باحثا  فيها عن: الأداء الفني، العناية بالتركيب والأسلوب والاضاءات النقدية، التقنية الشكلية والدلالية والجمالية، آلية القصة القصيرة .

كانت عيون الشعر والأدب والموسيقا والفنون الزمانية والمكانية تفيض من روحها تميزا، هو جزء من المبدع متفردا بذاته. غاضين الطرف عن مبدا: (.. إن العمل الأدبي لا يصدر إلا عن شخص واحد هو المبدع)،  بيد أن تجربة الفن التشكيلي ورسوم الجداريات والنصب والتماثيل والباناروما الفنية في انحاء العالم وفنون العمارة والزخرفة والخطوط تشير إلى إمكانية نجاح الأعمال المشتركة. . كل ذلك يشير أيضا إلى أن عملا فنيا مبتكرا بخصوصية وجمالية مؤثرة،  سيظهر للوجود الجمالي في الحياة ولا يقتصر الامر على اعتبار واحد  لايصبر على طعام واحد. ولكن  سردا ينشؤه اثنان أو اكثر سيبدو غير قابل للمحبة، وليس مالوفا او تم استيعابه أو جرى تفهم اسبابه وعلاته في تاريخ الفن والادب الانساني . أي قد  يشترك اثنان أو أربع  بكتاب أو موسوعة، و يتفقان بمنهجية دقيقة على إنجاز أعمال أدبية أو فكرية بصورة مشتركة /.أمر مكن تقنيا وحرفيا وتوثيقيا وتسجيليا. على أن تظل طبيعة مساهمة كل منهم مكشوفة وواضحة / وهي صياغة تختلف تماما، بل  على الضد من الصيغة التي جرى تطبيقها في باديء الأمر/  ومؤداها أن تكون التجربة المشتركة  طي الكتمان، مما يعني ظهور «نص آخر» لا ينتمي إلى أي منهما منفردا أو  على حدة)، إلا أن الكتابة الثنائية، أو «الكتابة بأربع أياد» وقائع وحكايات طافحة بالود والصداقة أحيانا، وبالغرور والغرابة والتناقضات أحيانا أخرى. أي ان العمل المشترك قد يظهر إلى النور أفضل ما في بعض الكُتاب من مزايا، إلى جانب إخراجه أسوأ ما في بعضهم الآخر من مثالب وعيوب). ومن التجارب المتميزة في ثنائيات الكتابة المشتركة أخترنا نموذجين هما، ما يلي:

 (1) - تجربة متميزة: جبرا ابراهيم جبرا “و البئر الاولى”  والكتابة المشتركة

كنت دائب الربط بين مفهوم القراءة والكتابة والواقع الذي أعيشه، باحثا عن متعتها وقيمتها الفنية من بين مئات المقالات الأدبية المختارة والمجاميع الشعرية والقصصية والكتب الفنية والنقدية وتاريخ الفنون عامة متسائلا عن اعتبار هوايتي الشغوفة بالقراءة، اختيارا وحوارا ورؤية وموقفا ومتعة. وكنت احتفظ بنسخة موقعة من الطبعة الاولى لكتاب “البئر الاولى” للاديب الكبير الراحل جبرا ابراهيم جبرا – وكانت قد صدرت في لندن عام، 1989 عن دار رياض الريس. ولكنني لم احصل في العام،1995 على طبعة شعبية خاصة صدرت من هذا الكتاب، لان مؤلفه كان قد توفي في بغداد عام 1994م .

جبرا الروائي الانسان: قال الشاعر سركون بولص (1944م – 2007م): ان جبرا ابراهيم جبرا  (المبدع الفلسطيني العراقي)، كان بالنسبة لي ولشباب آخرين أبا حقيقيا.  وكنت أسبح وأعبر جسر الجمهورية كل يومين أو ثلاثة من الاسبوع، كان بالنسبة لنا أيضا مصدر رزق حيث كان ينشر لي ولرهط من الشعراء المفلسين من بينهم جان دمو الذين كانوا يتوافدون يوميا على مكتب جبرا ابراهيم جبرا في مجلة،" العاملون بالنفط ". 

(كان جبرا أبا روحيا بالنسبة لي، وكنت أتحدث معه لأنه كان واحدا من العقول النيرة التي استطيع أن أتحدث معها عن اكتشافاتي في الأدب العالمي التي كنت أقرأه بنهم وكنت مذهولا بالأدب الغربي.  وكان جبرا ابراهيم جبرا الكاتب والمترجم والشاعر شخصية فذة، كأنه واحد من شخصيات النهضة الأوروبية العظيمة كدافنشي، التي لها إحاطة بالعلم والأدب والفن والتيارات الفكرية الأخرى، إنه ليس شاعرا أو كاتبا فقط وانما هو بالنسبة لي كان شخصية عالمية. وانا عرفته عندما اكتشفت انه يحرر مجلة «العاملون بالنفط» وكنت آنذاك في كركوك وعرفت أن المجلة تدفع مكافأة مالية كانت متواضعة غير أنها بالنسبة لي آنذاك غير متواضعة، فالدنانير الثلاثة أو الخمسة التي تدفعها كانت كافية لليلتين أو ثلاث في حانة مع عشرة شعراء مفلسين).

كان جبرا بالنسبة لي المثال العظيم وهو الذي قام بترجمة شكسبير وآخرين وكنت معجبا بترجماته لشكسبير فهو كان مثالا للمترجم الحق.  وأذكر عندما نويت مغادرة  بغداد للذهاب الى بيروت والتقيت بجبرا ابراهيم جبرا في مكتبه ببغداد في كرادة مريم، أعطاني مخطوطة الملك لير مطبوعة على الآلة الكاتبة كي أوصلها الى يوسف الخال ببيروت لغرض نشرها في دار النهار. وكان جبرا لا يعرف وأقول هذا للمرة الأولى بأنني كنت ماشيا عبر الصحراء على الأقدام وكان يعتقد بأني ذاهب كأي مسافر بالطائرة أو بالسيارة الى بيروت، ولم يدر بخاطره هذا الأمر حتى وفاته.  ولم أقل له بأني حملت مخطوطة الملك لير معي في حقيبتي عبر الصحراء وفي أحقر الفنادق بحلب وحمص ودمشق وعبر الحدود السورية اللبنانية ومع مهربين مغامرين حتى وصلت بيروت وسلمت مخطوطة الملك لير الى يوسف الخال ونشرتها دار النهار. 

"لقد نسيت أسفاري، وما عدت أستطيع أن أذكر ملامح أية مدينة في العالم سوى مدينة واحدة. مدينة واحدة أذكرها، أذكرها طيلة الوقت. تركت جزءا من حياتي مدفونا تحت أنقاضها، تحت أشجارها المجرحة وسقوفها المهدمة، وقد أتيت الى بغداد وعيناي ما زالتا تتشبثان بها – القدس "صيادون في شارع ضيق"، دار الآداب، بيروت 1974. ص. 16-15) هذا الفلسطيني التائه مثل أبطال رواياته، والمؤمن بفكرة " الإنسان الكوني " الرافض مقولة هاملت الرهيبة – على حد تعبيره- " إني والله لأستطيع أن أحصر في قشرة جوزة، واعد نفسي ملك الرحاب التي لا تحد، لولا أنني أرى أحلاما مزعجة " (تأملات في بنيان مرمري، رياض الريس – لندن، ص. 131)، لم ينل ما يستحقه من نقد وتقدير جدير بأبداعه المتعدد الجوانب، رواية ونقدا وشعرا. هذا المبدع، صاحب البنيان المرمري في الرواية العربية المعاصرة، وأحد أبرز الأصوات الروائية العربية الناجحة في إستيعاب تقنيات الرواية الغربية وتوظيفها خاصة الرؤى المتعددة " Points of View " والارتجاعFlash back والاستباق Anticipation، بقي جنديا مجهولا في عالم يرقص فيه أنصاف المثقفين، وأصحاب الاقلام الرديئة. عاش جبرا بعيدا عن الأيديولوجيات، ظانا منه، أن الأدب في مجتمعنا فوق التجزيئية، والخطابية الجوفاء. لم يكن جبرا طائرا يغني في غير سربه، بل كان في طليعة السرب، ذا صوت مثقل بالمأساة الفلسطينية والهم العربي.

كان جبرا روائي الأرض، ولم يكن روائي الكواكب الوهمية، فالسفينة رغم مدلول عنوانها البحري هي رواية الأرض والجذور، تتلاحم وتتفاعل فيها الأصوات العراقية والفلسطينية، وتحكي الهم والوجع العربي الإقليمي والعام، فعصام السلمان المهندس العراقي وخريج أكسفورد. بعد ان حرم الزواج من لمى عبد الغني، زميلته في أكسفورد، بسبب نزاع عشائري، يقرر الهرب منها عن طريق رحلة قصيرة، يقوم بها لمدة اسبوع على ظهر (الهركيوليز). إحدى سفن النزهات البحرية اليونانية، التي تسافر من بيروت الى أثينا ومن ثم الى نابولي. حيث سيقلع من هناك في طائرة الى لندن. وفي السفينة يلتقي عصام من حيث لا يدري، مجموعة من الهاربين أبرزهم لمى عبد الغني، التي خططت لهذه الرحلة كي تلتقي عصام، وتعيش معه عواصف جنسية في قمرة السفينة، على مسمع من زوجها فالح عبد الغني، الذي إنتحر بشكل مدروس على غرار " ابالسة" ديستويفسكي، بعد ان عاش مأزوما مهزوما.

ان جبرا في السفينة رفض هجرة المثقفين العرب. رغم غياب الحرية الفكرية في العالم العربي ورغم القمع والتعذيب، هذا ما يقوله وديع عساف لعصام السلمان في نهاية الرواية، أثناء التحضير لنقل جثمان فالح الى بغداد " حريتك هي في ان ترفض الهرب حريتك هي في ان تكون مهندسا في أرضك- مهما ضاقت بك وتفننت في إيذائك " (ص 237). كما رأى في الغربة "أوجع اللعنات".

 

لقد حملت السفينة الهم العربي قاطبة، وقدمته بجمالية روائية مميزة، من خلال أتباع تشظي الزمن واعتماد الأصوات المتعددة. Polyphonic Novel فمحمود الراشد، الأستاذ الجامعي الذي تعرض للأضطهاد والتعذيب بسبب نشاطه السياسي ينهار حين يشاهد النادل اليوناني في السفينة، متوهما أنه نمر العجمي، رجل المخابرات، الذي عذبه في السجن ".. نمر العجمي يا وديع، شهرين كاملين، ستين يوما عذبني بالكرباج، وعلقني بالمروحة. وحبسني في المرحاض، وسقاني بولي.... أما رأيته في ثياب ملاح يوناني !" (ص 136)  ولقد عالج جبرا في السفينة قضية الأرض والجذور، فعصام السلمان الهارب الأول والحقيقي في السفينة، يهرب من أرضه وجذوره، لأنه يرى فيهما لعنة وجريمة، بسببهما قتل والده عم لمى، لذا باع معظم أرضه " فرحا وطربا"، وقرر الهرب الى الغرب.أما وديع عساف الفلسطيني، المحروم أرضا، يرفض فكرة الهرب والهجرة، وهو متعلق بالأرض والجذور.

وقد قال جبرا في موضوع الهروب من السفينة "إن الهروب من السفينة عنصر أساسي طبعا، فأنا أصور أناسا يهربون، ولكنهم في النهاية يكتشفون أنهم لا يستطيعون الهرب، أو أنهم يجب ألا يهربوا، أو أن خلاصهم يكمن في العودة ألى أرضهم، في العودة الى الصخر، والصخر هو كل شيء، ولذالك وضعتهم في سفينة بعرض البحر، هؤلاء عزلوا أنفسهم، وأبحرت بهم هذه السفينة في المياه، من مدينة ألى مدينة، فكأنهم يتصورون أنهم يستطيعون أن ينسوا تجربتهم الحقيقية، تجربتهم التي هي أعماق كيانهم، ولكنهم اكتشفوا انهم يحملون تجربة الصخر في انفسهم، وأن خلاصهم في النهاية هو أن يعودوا، وألاانتحروا كما انتحر فالحلأنه لم يستطع أن يعود.وخلاص العربي هو في عودته الى الصخر، في مجابهة قضيته في بلده " (الفن والحلم والفعل، بيروت:المؤسسة العربية 1988. ص 488-489).

لقد انحاز جبرا الى الشخصية الفلسطينية وجعلها مركز الدائرة والمحرك الأساس في المجتمع العربي. هذا ما تجسده شخصية وديع عساف في السفينة ووليد مسعود في البحث عن وليد مسعود، فوليد مسعود مصبوغ بهالة من الأسطورية "فوليد أنما هو ذالك الفلسطيني الرافض، الرائد، الباني، الموحد، (أذا كان لأمتي أن تتوحد)، العالم، المهندس، التكنولوجي، المجدد، المحرك للضمير العربي بعنف" (ص 322).

ومن ناحية ثانية صور جبرا المآسي والعقبات التي تحول دون تنقل الفلسطيني، من بلد الى آخر "لقد كانت مصيبة الفلسطيني لا النفي عن مسقط رأسه فحسب، بل الصعوبة المفروضة عليه في التنقل من بلد ألى بلد" (البحث عن وليد مسعود، ص 110).

هذا المبدع صاحب الفن التعددي، الروائي، القاص، الشاعر، الناقد، الرسام، المترجم الحاذق الذي أغنى المكتبة العربية بروائع شكسبير وفوكنر وجيمز فريزر وألكسندر أليوت وبيكيت ولافونتين وغيرهم من أساطين الأدب العالمي هو ذاك الطفل المثير في البئر الأولى. أنه في الخامسة من عمره، حافي القدمين، يتعلم في مدرسة الروم الأرثوذكس في بيت لحم، بين خمسين صبيا من اعمار شتى، في غرفة واحدة، وعلى يد معلم واحد. والده عامل بناء فقير، أمي، لكنه يحفظ الكثير من الحكايات الشعبية، المستقاة بأغلبها من ألف ليلة وليلة، والتي رواها على مسمع جبرا الطفل، غارسا فيه من حيث لا يدري، البذرة الأولى التي نمت واصبحت شجرة ثقافية باسقة. لقد كتب مكسيم غوركي في رائعته طفولتي: " ولكن الحقيقة فوق كل نزوة شخصية، وأنا لا أكتب هنا عن نفسي، بل عن تلك البيئة الخانقة الرهيبة التي كان يعيش فيها، وما يزال، الروسي العادي". (طفولتي، بيروت: مكتبة الحياة، ص 20).وإذا كان الكاتب الإنساني غوركي قد وصف معاناته ومعاناة باقي البشر، من الأمتهانات والآلام الأنسانية بدءا بوصف غربته في بيت جده، وغربة البشر في موطنهم الأم، وعداوة جده الخانقة الذي لا يكف عن جلده وضربه، وصراع خاليه واقتتالهما على أملاك جده وصور الفقر والجوع، وذل وعذاب الفلاحين وشقاء والدته وبؤسها في دار أبيها، وغيرها من الأهوال التي لقيها في طفولته، والتي تجسد تلك البيئة الخانقة التي عاشها الروسي العادي، فأن جبرا في البئر الأولى يرصد الطفولة القاسية التي عاشها الفلسطيني التلحمي في العشرينيات من القرن الماضي. رحل ذاك الطفل التلحمي في البئر الأولى والذي شمخ وأصبح أنموذجا للمبدع العربي الموسوعي في القرن العشرين. (سمير حاج من الجليل: / في ذكرى رحيل جبرا إبراهيم جبرا)

كان جبرا ابراهيم جبرا يخص بالإهداء شريحة معينة كان لها الأثر الكبير في مسار حياته وفي تكوينه العلمي والتربوي، فكانوا الروافد أو الأنهار التي استقى منها جبرا وملأ بئره من عذب مياههم. ويمثل الإهداء بوصفه عنصراً من العناصر الموجهة للنص السيرذاتي عتبة نصية مهمة تسهم في إضاءة النص، وتشير بشكل مباشر ولاسيما في نص يمثل سيرة الكاتب الذاتية، لأن الإهداء هنا لو كان على أي عمل إبداعي آخر مثل الرواية أو القصة لما كان الأهمية التي نجدها في النص السيراذتي لأنه في العمل الروائي يحيل إلى خارج النص في حين أنه في العمل السيرذاتي يحيل إلى داخل النص ويعمل على توضيح بعض جوانبه.‏ ويمكن تلمس ذلك في سيرة جبرا الذاتية إذ جاء الإهداء بوصفه إشارة لافتة لأهمية هؤلاء في تكوين جبرا -الطفل- العلمي والتربوي، ثم نجده يقف في المتن عند هؤلاء الذين لقنوه سحر الكلمة وقفة متأنية يشيد فيها بفضل هؤلاء عليه عرفاناً منه بهذا الجميل بدأ بالمعلم صاموئيل الذي علمه الألف باء وانتهاءً بالأساتذة الذين تخرج على أيديهم في الكلية العربية في القدس(1) .‏

(2) تجربة متميزة: عبد الرحمن منيف “و عطر المكان ” (*)

عبدالرحمن منيف (1933 ـ 2004) (*) كان يبحث عن اسلوب جديد لمواجهة الاستكانة والعجز العربي، فهو الذي وصف نفسه بالثائر الروائي انشغل بموضوعين شكلا المدماك لكل رواياته وهما القمع والنفط، وعبرهما عمل علي تشكيل مدن وقراءة اماكن وحيوات شخوص، لم يكن فيها مشغولا بالتأنق اللفظي او بناء شعرية خاصة عن المكان بقدر ما اراد ان يقدم رؤية عن الطريقة التي يتشكل فيها المكان بفعل الاستغلال والاكتشاف وعلاقته بالفرد الذي قد يكون عامل هدم او بناء.

وفي داخل هذا الفهم كان منيف يقرأ التغييرات النفسية والظاهرية التي تحدث علي المكان، والتحول المثير في العلاقة القريبة بالمكان الي غربة عنه.

منيف الذي كتب رواياته فيما بعد الهزيمة العربية والانكسار العربي كان مشغولا بالهموم السياسية والثورية التي تفرعت عنها، فقد قال مرة نحن بحاجة الي ثوار روائيين لديهم تطلعات، لديهم صيغ واساليب في التعبير، ولديهم هموم يشركون الاخرين فيها، وهذا لا يعني بالضرورة الدخول في اطار المباشرة السياسية ولكن رصد وتوثيق العصر الذي يعيش فيه الكاتب، وبداية من الاشجار واغتيال مرزوق حتي روايته الاخيرة ذات النفس الملحمي ارض السواد عن بغداد العثمانية كان يصور اثار السياسة علي العربي واثار الطبيعة علي نفسيته، علاقته بالمكان، حس الانتماء والاقتلاع الذي يولده مكان ما، والشعور بالغربة والاغتراب عن هذه الارض التي تتغير ولكن الانسان يأبي التغيير. غير ان منيف المثقف ايضا لم يكن غافلا عن الاثار التي تركتها الحداثة القاسية التي جاءت الي وطننا العربي ولم تخلف وراءها الا الاستغلال والسجون والفقر والتفرقة. ومثل الجانب السياسي في حياة منيف كان الجانب الروائي يؤمن بقدرة الرواية علي التغيير).

(البطل الروائي الفردي لديه التزام نحو مجتمعه وواقعه ولكنه ليس كل شيء ففي اعمال منيف ابطال يلعبون ادوارا مهمة في التغيير. المكان في مدن الملح في اجزائها الخمسة، يصبح عاملا مهما يتداخل في حيوات الشخوص والزمان، يصبح المكان المصهر او البوتقة التي تنصهر فيها كل الشخصيات التي تتعاقب كمياه النهر الجاري بحيث لا يتوقف الواحد منها اكثر مما يحتمله المشهد او الحالة فاسحا المجال لكي يأتي الاخر البديل المكمل ويواصل المشوار ـ الحياة. تتنوع شخصيات منيف في اعماله الروائية فهو وان قدم صورا عن الشخصية الانتهازية والاجنبية، الا انه يفسح المجال امام عدد من الاصوات لتكمل الالتحام الذي يبدو ضرورويا في بناء واحكام البناء الروائي امام شخصيات شعبية، ولا يغفل صوت المرأة، المثقف والشعبي والمرأة والاجنبي نماذج من الوجوه التي عاشت في عالم منيف الروائي، في محاولته لبناء صلة وتواصل بينها وبين المكان والزمان).

توزع انتاج منيف الروائي بين الواقعي النقدي الي الرومانسي والتأصيلي التراثي، وفي كل هذا الانتاج ظل منيف يجرب في الاشكال الروائية التي يظل الواقعي من اقرب الاشكال الادبية له، ولكنه ظل يبتكر ويطعم اساليبه السردية بالمثل والاشعار الشعبية بل ان استخدامه للهجة العامية يضفي نوعا من التوتر والجمالية علي نصه، وبدا هذا واضحا في تقديمه اللهجة الشعبية الجميلة في توترها وغنائيتها في عمله الاخير ارض السواد)

كان منيف على خلاف كتاب الرواية العرب الذين اتخذوا من مكان محدد في الجغرافيا العربية عاملا مميزا ولكنه قابل للتطبيق علي اجزاء اخرى منه، يقدم اماكن ليست محددة ولكنها تجمع العديد من الصفات المحددة والممثلة للواقع العربي، ولهذا السبب جاءت مدنه ممثلة للواقع العربي دون ان تكون محددة بمكان حقيقي معروف، موران والطيبة ووادي العيون وحران والعوالي والجسر وعساف هي اسماء اماكن والقاريء لديه القدرة علي وعي صورة المكان وربطه باي واقع عربي، هذا لا يعني ان منيف لم يكن شغوفا برسم المكان وتحديد ملامحه فتضاريسه واجزاؤه واضحة لان المكان يظل خزانا لافكار ومشاعر الشخصية، حيث يولد معها ويتشكل بتشكلها ولديه قابلية علي الزوال كما في مدن الملح التي يقترح عنوانها وجودا مؤقتا قابلا في اي لحظة للانتهاء والتلاشي، وهذا الوجود قائم علي الطفرة. لا محدودية المكان لا تجعل من مسرح الاحداث ارضا غامضة فتنازية فاسماء الروايات تدل علي مكانيتها. المكان في بناء منيف الروائي مرتبط بالانسان والزمان فقيام مدينة او مكان ونهايته متصل بهذه الثلاثية التي تبدو هامة في سرد الكاتب يروح ويجي الثاني يا ابو عزيز، وتنبني المدينة الجديدة، وكأنه ناقصنا مدن، وتقوم مدن ملح، وترتفع وتكبر اذا جاءها الماء فش ولا كأنها كانت .  كل اعمال منيف تبدأ بمكان وتنتهي به وبدأت موران تتنصت وتتلفت وتترقب.... من جديد، انه وادي العيون..، فجأة وسط الصحراء القاسية العنيدة تنبثق هذه البقعة الخضراء، وكأنها انفجرت من باطن الارض او سقطت من السماء)

لم يكن (المكان في بناء المبدع عبد الرحمن منيف لعالمه الروائي عاملا مكملا او زخرفا وحلية للتأنق ولكنه برز كعامل حاسم ومحوري في تطور الاحداث. يقول منيف ان المكان ليس جامدا او محايدا، انه الحاضنة التي تتكون فيها الافكار والعلاقات وتكتسب من خلالها حتي الملامح ونمط القول والنظرة وبالتالي يترك المكان بصمته القوية علي البشر والشجر وكل ما ينهض فوقه، وللامكنة بعد اخر يتحكم فيها وهو الزمن، وهو الذي يترك اثره الاخر علي الشخصيات الروائية في عالم منيف، ان اكثر ما تخشاه شخصيات منيف هو الزمن، الحكيم صبحي ان اكثر ما اخشاه هو الزمن، انا وموران وهذا الزمن، وعلي الرغم من مركزية الزمن في رواياته الا انه من الصعوبة بمكان تحديد الفترة التاريخية التي تجري فيها احداث الرواية، ويتجاهل منيف تحديد الزمن، ويتركه فضاءا فسيحا، وهو يشير الي بعض التواريخ والاحداث مثل احداث عام 1948، واحداث ايران وثورة مصدق، وحكم الاتراك والحربين العالميتين. في الوقت الذي يجد فيه القارئ صعوبة في تحديد ازمنة الرواية، الا ان الكاتب يجد الحرية الكاملة في التلاعب فيها، اختصاره وتكثيف حياة شخص او تجربة تمتد علي اربعة وعشرين عاما الاشجار واغتيال مرزوق الي بضع ساعات تستعاد في رحلة قطار. تحفل روايات وعوالم منيف بالعديد من الشخصيات، منها المثقفة ومنها الشعبية، ولكنها تشترك في حالة الاغتراب التي يعاني منها الانسان العربي، الانسان الضائع، والمثقلة بمشاعر الذنب، وهي محطمة متآكلة فقدت الامل بحدوث تغيير.

في روايات منيف قليلة هي الاماكن الاليفة والجميلة، التي يعيش فيها الابطال في انسجام وتواؤم، وحتي هذه الاماكن التي كانت تحط بها القوافل ظلت مهددة. وفي غالب الاحيان فالمكان بطبيعته اليف حتي في ظروفه القاسية الا ان الظروف التي جمعت الابطال به هي التي شوهت طابع العلاقة، وهذا باد في معظم الاماكن التي برزت في مدن الملح، الحدرة، وحران التي حولها النفط والامريكان. وهناك صلة عضوية بين براءة المكان الذي يعيش خلف سراب الصحراء العنيدة والقاتلة، وبين وصول الالات العتيدة التي لم تغير البيوت وطابع الارض كما حلم في ذلك الحكيم صبحي المحملجي، بل غيرت نفسيات الناس بحيث صارت صيرورة الزمن الذي عاشوا فيه قاتمة وغريبة، بعضهم تهمش وانعزل والبعض الاخر اخذ يطارد خياله واشباح الماضي التي لم يتخل عنها، فيما فقد الاخر عقله، وصار موضعا للشبهة).

صالح الرشدان مثلا في الاخدود الذي ظل حريصا علي البقاء قريبا من السوق القديم الذي كان يشير الي انفتاح المدينة علي العالم/ عالم القوافل شعر بالوحدة والنبذ، تفرق من حوله الناس، وهو الذي كان سيد الزمن، والمكان يأمر وينهي، وعندما مات ابنه، لم يشاركوه الفقد، بل اتهموه بالسرقة، وعندما سار حاملا النعش الابيض الصغير بين يديه، كان وحيدا و يثير السخرية اكثر مما يثير الشفقة، يا جماعة، صالح سارق له سرقة، مثل الحرامي يهرول ولا بد ينكفي علي وجهه وتبين سرقته ... ولكن صالح لا يلتفت ويسير لا يرفع وجهه، لا يسمع، ويمسك بجثة الصغير، بحقد اكبر، وكأنه يريد ان يستمد منها مزيدا من الصلابة والقوة .

علاقات الابطال مع المكان في بعض المرات تأتي نتاجا للاختلاف والصور الجاهزة، كما في مواجهة الامريكي مع الصحراء، التي بدت لهم كالجحيم وبدوا فيها كحيوانات محاصرة بالنيران يتراكضون في كل الاتجاهات ويصرخون ويتعاركون، فالصحراء تبدو ملعونة في رؤي القادمين الاجانب. حتي الحكيم الذي آمن عندما حل في موران، ان البشر هم الذين يخلقون الامكنة، بدا يعيد النظر في رؤيته، عندما اخذ يجول في اجواء هذه المدينة التي تحولت الي مسخ، والي عالم منفر يذرع المدينة الان لا يري في وهج الشمس الا كتلا سوداء صماء عاتية، وهذه الكتل تناصبه العداء لدرجة انه تمني لو انه لم يأت اليها . ان النظرة الشاكة في التطور والتحولات التي حدثت سريعا علي مجمتع الصحراء هي ادانة واضحة لعمليات التحديث التي حلت في المجتمع البدوي الذي نقل فجأة الي مجتمع نفطي. انها المدينة الجديدة التي قامت علي انقاض مدن الصحراء، مدن التآلف والانتظار، لم يعد فيها مكان للحياة الجماعية، وادي العيون لم يعد في ايام الخصب يخترع الحكايات والاحتفالات ليطيل اقامة القوافل، فالمشاعر الانسانية والجماعية في مدن الملح الجديدة الطالعة لم تعد موجودة. في اجواء كهذه يشعر الابطال بالسلبية ويفكرون بالرحيل الي مرافئ جديدة نسيت كل الجسور التي تصلني بالعالم، بشاطيء السلامة، لم يبق امامي الا ان اشرب، انا مجرد انسان عادي، مضطهد، هكذا يقول بطل الاشجار واغتيال مرزوق، بل يسائل كل اليقينيات التي شب عليها مثل فكرة الوطن الذي يختصر الانسان في جو كهذا الي مجرد انسان يتيه في الشوارع يبحث عن عمل ووراءه المخبرون)

عندما يقرر الرحيل، يقر في نفسه انه لن يعود، سيغادر الوطن وينسي الاشعار التي تعلمها في المدرسة والحنين والمشاوير والقمر في الصحراء، فيما يقرر بطل حين تركنا الجسر التوقف عن القراءة والتفكير، بل ان البطل المثقف في هذه الحالة يألف الهزيمة، ويتلذذ بها. منيف في تصويره لاشكالية المثقف العربي في اي مكان لا يريد ادامة حس الهزيمة والهوان بل يريد منه ان يتمرد علي واقعه، ولهذا يفتح لهم منيف الباب امام التكفير احيانا عن اخطاء الماضي والعودة للذات، كما في حالة رجب اسماعيل شرق المتوسط والياس نخلة الاشجار واغتيال مرزوق . مقابل شخصية المثقف المهزوم والبطل الشعبي، تحفل اعمال منيف بالشخصيات التي تجسد السلطة الامير فنر، السلطان خريبط، و حماد المطوع الذي يشكل ويؤكد بما يرمز اليه من سطوة الامن والعيون علي حماية السلطة التي تعيش داخل قصورها، وتشعر بعزلة خاصة لولا الامن والرجل الاجنبي هاملتون مثلا (مدن الملح) الذي جاء برومانسية المستعمر واراد مزجها ببساطة البداوة من اجل تثبيت الاستعمار والسيطرة علي دفة الاقتصاد دون الالتفات الي حياة الناس العاديين. وهناك شخصية الانتهازي الحالم مثل المستعمر التي ساهمت في بناء المجتمع النفطي ولكنها لم تتورع عن استغلال كل الوسائل لصالحها تحت شعار الغاية تبرر الوسيلة، وهناك المرأة التي عكست شكل القمع او صوره المفروضة عليها في المجتمع، وهي ان لم تلعب دورا ثانويا ولم تبرز في عملين مهمين النهايات و حين تركنا الجسر، فقد كان وجودها ضروريا، ولعبت دور المحرك في الكثير من الاحداث، سواء كزوجة، ربة بيت، خليلة في القصر، او زوجة رجل انتهازي لم تتورع عن اهتبال اية فرصة لإرواء شبقها ومع ذلك ظلت وفية لاطفالها).

(ان قراءة منيف ضمن معادلة الزمان والمكان والشخصية تظهر دوره الريادي في تشكيل وتطوير الرواية العربية الحديثة، وكيف حاول الاستفادة من تقنيات السرد الغربي واشكاله، والعودة الي التراث العربي، واذا اخذنا خماسية مدن الملح فهي وان كانت عن صدمة الحداثة، ونشوء المجتمعات الاستهلاكية التي لم تتخل عن بداوتها، تظل عملا ملحميا، وظف له منيف التراث الشعري والمخزون التراثي البدوي، وقام من خلال هذا المزج برصد تحولات منطقة في العالم العربي، تغيرت بفعل ثنائية القمع والنفط).

وهذه القراءة التي يقترحها الباحث والناقد الفلسطيني، نبيه القاسم تختلف عن القراءات السابقة لاعمال منيف والتي استندت على تحليل الموضوعات التي شغلت الكاتب، ولم تنتبه الا بقدر للجوانب الفنية والسردية وتطور الشخصيات والاحداث فيها.

والقراءة الجديدة هي موضوع كتاب القاسم الصادر حديثا في فلسطين الفن الروائي عند عبد الرحمن منيف: المكان ـ الزمان ـ الشخصية، والكتاب في الاصل اطروحة دكتوراه تقدم بها لجامعة تل ابيب واشرف عليها الباحث المتخصص بالادب العربي ساسون سوميخ. ونبيه القاسم ليس باحثا اكاديميا فقط، بل هو ناقد رصد تطور الحركة الادبية في فلسطين المحتلة ويتابعها منذ اكثر من ثلاثة عقود دراسات في القصة المحلية، دراسات في الادب الفلسطيني المحلي، في الرواية الفلسطينية، واصدر عددا من المجموعات القصصية ابتسمي يا قدس، و آه يا زمن، اضافة لعدد من الابحاث التاريخية والكتب التعليمية).. إبراهيم درويش: ناقد من أسرة "القدس العربي" لندن / الكتاب: الفن الروائي عند عبد الرحمن منيف / المكان ـ الزمان ـ الشخصية / نبيه القاسم / دار الهدي للطباعة والنشر / كفر فرع/ 2005

(إن القيمة الفنية لمضمون الرواية ولجمالية شكلها ورؤيتها المستقبلية)، مهما بلغت من الواقعية، غالباً ما تحافظ على مسافة "جمالية" بين الذات والآخر، بين الذات و الحياة، وقد نجد تلك السمات واضحة في أحدث الاشكال الروائية الحديثة ومنها ما أبدعه يراع الروائي عبد الرحمن منيف ليرعف من ذاكرة أمته بين نجد والعراق وعمان ودمشق، فجعل من تلك الأمكنة، عوالمه الأدبية في شتى المباحث والمضامين السياسيةوالاجتماعية،والفكرية، والعاطفية، والإنسانية، فكان بارعا في نصوص رواياته ويومياته ودراساته، التي غدت متعة للعين والفكر و للروح. و التقت في نقطة الرؤية الجديدة على أفق الأدب الانساني.. من هنا انبثقت حيوات كتبه: ذاكرة للمستقبل: فكان الدافع الأساس وراء معظم ما ورد في هذا الكتاب هو تعزيز دور الذاكرة، بتسليط الأضواء على عدد من الظواهر الأدبية ومبدعيها، كمساهمة في توفير مادة تساعد وضع سياق، ومن ثم تاريخ أدبي، دون تحيّز ودون تأثير اللحظة الراهنة، خاصة وأن معظم الذين تمّ التطرق لأعمالهم غادروا هذه الدنيا، وأصبح من الممكن التعامل مع ما أنجزوه بموضوعية. وهذه المادة ليست تاريخاً للأدب أو قولاً نهائياً: وإنما رحلة في عدد من النصوص، ومنها: رحلة ضوء: إذ تواجه الرواية العربية مجموعة من التحديات التي بقدر النجاح في مواجهتها، يكون النجاح في إبداع رواية عربية لها حضورها العالمي. أبرز هذه التحديات: لغة الحوار، أي لغة نختار؟. والشخصية كيف يتمّ اختيارها، كيف ستحيا وتموت؟ إن الشخصية في الرواية لا تتلخص بالإنسان البطل، بل وأيضاً بالطبيعة والحيوان، وهي ما إن تبدأ خطواتها في الرواية حتى تصبح حيّة، وتحكم على سلوكها وخياراتها بين الثقافة والسياسة:  أمام إخفاقات الماضي والحيرة التي تسم حركة التغيير في الحاضر، تطرح اليوم تساؤلات تزيد من حدتها الوتيرة المتسارعة للتغيرات التي تحصل في العالم. مشاكل كثيرة تطرح أمام المثقفين العرب، بدءاً من النقاش الدائر حول المثقف الاجتماعي والسياسي، وصولاً إلى محاولة تجاوز الإنكسارات الناتجة عن تراجع قوة الحركات الوطنية، وسقوط الاتحاد السوفياتي، وتنصيب الولايات المتحدة الأميركية لنفسها زعيمة للعالم وحامية للنظام . ولكي نفهم لماذا نحن في سباق المسافات الطويلة: "الحياة الشرقية مليئة بالسرية والتلون، ولا يقتصر الأمر على البشر وسلوكهم بل يتعداه إلى الحيوانات والطبيعة: برد قارس في الشتاء، وربيع يتفجر بشكل مباغت ودون تمهيد أو إنذار، وصيف لاهب مشتعل تنبع فيه الشمس في الأرض والجدران والأشجار". في ذلك الشرق عاش بيتر لفترة، راقب فيها انهيار سلطة الامبراطورية التي طالما اعتبرت السيطرة على الشرق رمزاً لقوتها.

(2) - كان منيف يقرأ التغييرات النفسية والظاهرية التي تحدث علي المكان، والتحول المثير في العلاقة القريبة بالمكان الي غربة عنه. ومنيف الذي كتب رواياته فيما بعد الهزيمة العربية والانكسار العربي كان مشغولا بالهموم السياسية والثورية التي تفرعت عنها، فقد قال مرة نحن بحاجة الي ثوار روائيين لديهم تطلعات، لديهم صيغ واساليب في التعبير، ولديهم هموم يشركون الاخرين فيها، وهذا لا يعني بالضرورة الدخول في اطار المباشرة السياسية ولكن رصد وتوثيق العصر الذي يعيش فيه الكاتب، وبداية من الاشجار واغتيال مرزوق حتي روايته الاخيرة ذات النفس الملحمي ارض السواد عن بغداد العثمانية كان يصور اثار السياسة علي العربي واثار الطبيعة علي نفسيته، علاقته بالمكان، حس الانتماء والاقتلاع الذي يولده مكان ما، والشعور بالغربة والاغتراب عن هذه الارض التي تتغير ولكن الانسان يأبي التغيير. غير ان منيف المثقف ايضا لم يكن غافلا عن الاثار التي تركتها الحداثة القاسية التي جاءت الي وطننا العربي ولم تخلف وراءها الا الاستغلال والسجون والفقر والتفرقة. ومثل الجانب السياسي في حياة منيف كان الجانب الروائي يؤمن بقدرة الرواية علي التغيير).

(البطل الروائي الفردي لديه التزام نحو مجتمعه وواقعه ولكنه ليس كل شيء ففي اعمال منيف ابطال يلعبون ادوارا مهمة في التغيير. المكان في مدن الملح في اجزائها الخمسة، يصبح عاملا مهما يتداخل في حيوات الشخوص والزمان، يصبح المكان المصهر او البوتقة التي تنصهر فيها كل الشخصيات التي تتعاقب كمياه النهر الجاري بحيث لا يتوقف الواحد منها اكثر مما يحتمله المشهد او الحالة فاسحا المجال لكي يأتي الاخر البديل المكمل ويواصل المشوار ـ الحياة. تتنوع شخصيات منيف في اعماله الروائية فهو وان قدم صورا عن الشخصية الانتهازية والاجنبية، الا انه يفسح المجال امام عدد من الاصوات لتكمل الالتحام الذي يبدو ضرورويا في بناء واحكام البناء الروائي امام شخصيات شعبية، ولا يغفل صوت المرأة، المثقف والشعبي والمرأة والاجنبي نماذج من الوجوه التي عاشت في عالم منيف الروائي، في محاولته لبناء صلة وتواصل بينها وبين المكان والزمان).

(توزع انتاج منيف الروائي بين الواقعي النقدي الي الرومانسي والتأصيلي التراثي، وفي كل هذا الانتاج ظل منيف يجرب في الاشكال الروائية التي يظل الواقعي من اقرب الاشكال الادبية له، ولكنه ظل يبتكر ويطعم اساليبه السردية بالمثل والاشعار الشعبية بل ان استخدامه للهجة العامية يضفي نوعا من التوتر والجمالية علي نصه، وبدا هذا واضحا في تقديمه اللهجة الشعبية الجميلة في توترها وغنائيتها في عمله الاخير ارض السواد) وعلي خلاف كتاب الرواية العرب الذين اتخذوا من مكان محدد في الجغرافيا العربية عاملا مميزا ولكنه قابل للتطبيق علي اجزاء اخري منه، كان منيف يقدم اماكن ليست محددة ولكنها تجمع العديد من الصفات المحددة والممثلة للواقع العربي، ولهذا السبب جاءت مدنه ممثلة للواقع العربي دون ان تكون محددة بمكان حقيقي معروف، موران والطيبة ووادي العيون وحران والعوالي والجسر وعساف هي اسماء اماكن والقاريء لديه القدرة علي وعي صورة المكان وربطه باي واقع عربي، هذا لا يعني ان منيف لم يكن شغوفا برسم المكان وتحديد ملامحه فتضاريسه واجزاؤه واضحة لان المكان يظل خزانا لافكار ومشاعر الشخصية، حيث يولد معها ويتشكل بتشكلها ولديه قابلية علي الزوال كما في مدن الملح التي يقترح عنوانها وجودا مؤقتا قابلا في اي لحظة للانتهاء والتلاشي، وهذا الوجود قائم علي الطفرة. لا محدودية المكان لا تجعل من مسرح الاحداث ارضا غامضة فتنازية فاسماء الروايات تدل علي مكانيتها. المكان في بناء منيف الروائي مرتبط بالانسان والزمان فقيام مدينة او مكان ونهايته متصل بهذه الثلاثية التي تبدو هامة في سرد الكاتب يروح ويجي الثاني يا ابو عزيز، وتنبني المدينة الجديدة، وكأنه ناقصنا مدن، وتقوم مدن ملح، وترتفع وتكبر اذا جاءها الماء فش ولا كأنها كانت) .

تبدأ كل اعمال منيف بمكان وتنتهي به وبدأت موران تتنصت وتتلفت وتترقب.... من جديد، انه وادي العيون..، فجأة وسط الصحراء القاسية العنيدة تنبثق هذه البقعة الخضراء، وكأنها انفجرت من باطن الارض او سقطت من السماء).

(لم يكن المكان في بناء منيف لعالمه الروائي عاملا مكملا او زخرفا وحلية للتأنق ولكنه برز كعامل حاسم ومحوري في تطور الاحداث. يقول منيف ان المكان ليس جامدا او محايدا، انه الحاضنة التي تتكون فيها الافكار والعلاقات وتكتسب من خلالها حتي الملامح ونمط القول والنظرة وبالتالي يترك المكان بصمته القوية علي البشر والشجر وكل ما ينهض فوقه، وللامكنة بعد اخر يتحكم فيها وهو الزمن، وهو الذي يترك اثره الاخر علي الشخصيات الروائية في عالم منيف، ان اكثر ما تخشاه شخصيات منيف هو الزمن، (الحكيم صبحي): ان اكثر ما اخشاه هو الزمن، انا وموران وهذا الزمن، وعلي الرغم من مركزية الزمن في رواياته الا انه من الصعوبة بمكان تحديد الفترة التاريخية التي تجري فيها احداث الرواية، ويتجاهل منيف تحديد الزمن، ويتركه فضاءا فسيحا، وهو يشير الي بعض التواريخ والاحداث مثل احداث عام 1948، واحداث ايران وثورة مصدق، وحكم الاتراك والحربين العالميتين. في الوقت الذي يجد فيه القارئ صعوبة في تحديد ازمنة الرواية، الا ان الكاتب يجد الحرية الكاملة في التلاعب فيها، اختصاره وتكثيف حياة شخص او تجربة تمتد علي اربعة وعشرين عاما الاشجار واغتيال مرزوق الي بضع ساعات تستعاد في رحلة قطار. تحفل روايات وعوالم منيف بالعديد من الشخصيات، منها المثقفة ومنها الشعبية، ولكنها تشترك في حالة الاغتراب التي يعاني منها الانسان العربي، الانسان الضائع، والمثقلة بمشاعر الذنب، وهي محطمة متآكلة فقدت الامل بحدوث تغيير). وفي روايات منيف قليلة هي الاماكن الاليفة والجميلة، التي يعيش فيها الابطال في انسجام وتواؤم، وحتي هذه الاماكن التي كانت تحط بها القوافل ظلت مهددة. وفي غالب الاحيان فالمكان بطبيعته اليف حتي في ظروفه القاسية الا ان الظروف التي جمعت الابطال به هي التي شوهت طابع العلاقة، وهذا باد في معظم الاماكن التي برزت في مدن الملح، الحدرة، وحران التي حولها النفط والامريكان. وهناك صلة عضوية بين براءة المكان الذي يعيش خلف سراب الصحراء العنيدة والقاتلة، وبين وصول الالات العتيدة التي لم تغير البيوت وطابع الارض كما حلم في ذلك الحكيم صبحي المحملجي، بل غيرت نفسيات الناس بحيث صارت صيرورة الزمن الذي عاشوا فيه قاتمة وغريبة، بعضهم تهمش وانعزل والبعض الاخر اخذ يطارد خياله واشباح الماضي التي لم يتخل عنها، فيما فقد الاخر عقله، وصار موضعا للشبهة). يتبع

----------------------------------------------------------------------------

(*) إبراهيم درويش: ناقد من أسرة "القدس العربي" لندن /  اسم الكتاب: الفن الروائي عند عبد الرحمن منيف  / المكان ـ الزمان ـ الشخصية /  نبيه القاسم /  دار الهدي للطباعة والنشر /  كفر فرع/ 2005 

-----------------------------------------------------------------------=--

التعليقات (1)Add Comment
...
المرسل: رهان, 2008-09-08 14:15:38
ما أجمل هذه اللوحات، يرجى الإشارة لريشة مبدعها

أضف تعليقا
smaller | bigger

busy
 


ثلاثية أحزان القصب - شوكت الربيعي- المثقف - ( 8 2)- ج2

 

 

 

الفنان والناقد شــــــــــــوكت الربيـــعي

ثلاثية الأحزان (28) ج2 - شوكت الربيعي - المثقف 6/ 9 /2008م

 

 

ثلاثية الأحزان (28) أرسل لصديق

 

ثلاثية الأحزان ( 28 ) - ج2

شوكت الربيعي - المثقف   

Saturday, 06 September 2008

الواقعية في الأدب والفن

كان موضوع الواقعية في الأدب والفن من أهم الأبواب التي بحثت فيها: الأداء الفني، العناية بالتركيب والأسلوب والاضاءات النقدية،

التقنية الشكلية والدلالية والجمالية، آلية القصة القصيرة . وقد تبلور الجهد بعد أن قمت بتحرير ما قرأته ولخصته عن دراسات وبحوث ومتابعات ومقالات دونها اساتذة ونقدة آداب وفنون.

(2)- من تجارب الأدب القصصي المتميزة في العراق

- تجربة الناقد الباحث الدكتور عبد الاله أحمد:

كنت أقرأ الادب الروسي والواقعية في الأدب والفنون ونظرية الجمال عند بليخانوف وأبي حيان التوحيدي في الفترة التي كنت قد حضرت فيها مناقشة رسالة الماجستير للباحث الاستاذ عبد الاله أحمد في القاهرة. واردت نشر مقالتي عنها، ولكن الكاتبة نجاة شاهين كانت قد هيأت متابعة رائعة (تعودت أن تنشرها في بابها الثابت) لمناقشة (رسائل جامعية)الماجستير والدكتوراه في مجلة المجلة المصرية في عهد رئيس تحريرها الكاتب القدير الاستاذ يحي حقي وكنت من كتاب تلك المجلة في الستينيات من القرن العشرين. وكان الناقد المتميز عبد الاله أحمد قد بحث في رسالته القيمة، (الأدب القصصي في العراق)، منذ نشأته، وبأنواعه المختلفة، وطبيعة المنهج الذي حاول فيه أن يجمع بين المنهج التاريخي والمنهج النقدي الذي يقيم هذا الأدب، ويضعه في مكانه الملائم من سلم التطور، فيحاول أن ينظر جهده إلى النتاج القصصي، نظرة نسبية، تسعى إلى أن تستوعب واقع الفترة الزمنية التي كتب فيها، ومستوى ثقافة كتابه، الذين تحكمت فيهم إلى حد بعيد طبيعة الظروف الموضوعية. وكان له شرف الريادة في ذلك.

لقد حدثت في تاريخ العراق الحديث، منذ الحرب العالمية الأولى، وحتى انبثاق ثورة الرابع عشر من تموز 1958، منعطفات ومتغيرات جوهرية، وأرست دعائم نظام وطني جديد. إلا أنها لم تغير كثيراً من واقع الثقافة والفنون. وهو أمر فرضه مضمون المديات الزمنية، لكي تتضح طبيعة المتغيرات التي تحدثها في المجتمع، وبالتالي لتتضح طبيعة نتائج المتغيرات التي تصيب الفكر والأدب فيه نتيجة لذلك. بل إن الأدب في العراق الذي نشر بعد الثورة، يمكن اعتباره امتداداً بشكل أو بآخر، للمرحلة السابقة. ويمكن تحميل أحداث الفترات اللاحقة، مسؤولية كاملة لما أصاب الحركة الأدبية من شلل وتوقف، استمر واضحاً منذ عام1961 وحتى منتصف الستينات، حين بدأ نفر من الأدباء الشباب، (الذي امتاز بالجرأة والصخب والادعاء)، يكتب لوناً من الأدب يختلف عن سابقه الذي كان سائدا منذ عام 1940،- واستمر طوال الأربعينات والخمسينات، وأصبحنا مهيئين لأن نتابع دراسة واقع هذا الأدب في العراق والوطن العربي في الفترات اللاحقة.‏

كان للدكتور الجليل الاستاذ عبد الاله أحمد، الدور الطليعي في جمع تفاصيل الموضوع المبعثرة في كتب، وفي أكداس هائلة من الصحف والمجلات.. لكنها بمجموعها أتاحت لنا أن نضع أيدينا على تصور واضح لمسار الأدب القصصي منذ الحرب العالمية الثانية، وطبيعة صفاته وخصائصه، لنستجلي واقع اتجاهاته الفكرية، وقيمه الفنية، وانتقاء النماذج الدالة منه لوضعها في مكانها من تاريخ هذا الأدب في العراق. ففي الكتاب الأول، الذي تناول فيه الدكتور عبد الاله أحمد فيه القصة الساذجة، وقف في الباب الأول منه عند أبرز الاتجاهات القصصية الأولى في تاريخ الأدب القصصي، وهما الاتجاه التقليدي، والاتجاه الرومانسي. وحاول في الباب الثاني أن يدرس الاتجاه الواقعي الساذج، بتوطئة وقف فيها عند جذور هذا الاتجاه بين الحربين، كما عكسها إنتاج أبرز كتابه محمود أحمد السيد، مبينا العوامل التي أدت بعده إلى انصراف هذا الاتجاه عن وجهته الفنية، إلى هذا اللون من الواقعية الذي يتجه إلى تحقيق هدف سياسي واضح، فكان أن درس في الفصل الأول من هذا الباب إنتاج "ذو النون أيوب" وهو القصاص الذي كان له أثره الكبير في انعطاف الأدب القصصي الواقعي في اتجاه الواقعية السياسية الساذجة في الأربعينات، متمما فيه حديثه الذي بدأه في نشأة القصة. ثم تابع بعد ذلك في الفصل الثاني رصد ملامح هذه الواقعية السياسية الساذجة كما برزت في إنتاج غيره من القصاصين. ثم حاول في الباب الثالث دراسة إنتاج أبرز القصاصين الذين ظهروا في الثلاثينات واتصل إنتاجهم القصصي بعد ذلك على قل منهم، في فترة البحث، وهم: أنور شاؤل، وشالوم درويش، وعبد الحق فاضل. ولقد اعتبر إنتاج هؤلاء القصاصين الثلاثة الذي تتوفر فيه الكثير من الملامح الفنية، من ممهدات الواقعية الفنية التي برزت بعد ذلك واضحة في الخمسينات. ووقف في هذا الباب بالإضافة إلى ذلك عند هذه المحاولات القليلة التي نشرت في الأربعينات، والتي اتصفت على نحو من الأنحاء، بالفنية، والتي اعتبرها بسبب ذلك تبشيراً بإنتاج الجيل الجديد من القصاصين الذي كتب القصة الفنية في الخمسينات.‏ وفي الكتاب الثاني، الذي تناول فيه القصة الفنية، حاول أن يمهد لدراستها بمدخل يبين فيه العوامل التي أدت إلى نهضة الأدب القصصي في الخمسينات، وطبيعة هذه النهضة. ثم وقف في الباب الأول عند سمات وملامح القصة الفنية في هذه الفترة، من خلال دراسته ثلاثة أمور أساسية. الأمر الأول: ملامح التقنية الفنية العامة كما ظهرت في إنتاج القصاصين باعتبارها السمة الأساس الأولى التي ميزت إنتاجهم القصصي عن إنتاج سابقيهم. والأمر الثاني: ملامح وسمات مضامين واتجاهات القصة الفنية. والأمرالثالث: الأعمال القصصية الطويلة التي لا ترقى لأن تكون رواية فنية حقة بالمعنى الذي حدده لها كبار نقادها. أما الباب الثاني فخصصه لدراسة أبرز قاصين، كتبا القصة الفنية في العراق في الخمسينات، وكان إنتاجهما يمثل أفضل ما كتب من هذا الأدب في فترة البحث، ويعكس أبرز سماته الرئيسة وهما: عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي.‏ وفي جميع دراسته لإنتاج القصاصين، الساذج أو الفني منه، حاول أن يعتمد جهد الإمكان، المنهج "الوصفي" الذي يسعى إلى الوقوف عند العمل القصصي، ليتعرف على خصائصه الفنية والفكرية، كما يعكسها هذا العمل بالضبط. لأن هذا المنهج، يتيح فهماً أدق لطبيعة الطرق الفنية التي استخدمها القصاصون العراقيون، كما يكشف عن مستواهم الفني، وما أضافوه من جديد في تاريخ هذا الفن في العراق، وهو في الوقت ذاته، يجنب الباحث امتحان إنتاج هؤلاء القصاصين بمنظور فني مستمد من إنتاج قصصي أكثر تطوراً، لا يمكن أن يتحمله دون تعسف كبير يجور عليه. ومن هنا كان استخدامه المباشر لنتائج الدراسات التي تناولت القصص الحديث، العربي أو العالمي، على أهميته، محدوداً، وبالمقدار الذي ورد في هذه الدراسات، مما ساعد على توضيح طريقة القصاصين في التعبير، أو نهجهم الفكري، أو يعمق الفهم لجانب أو آخر في إنتاجهم، أو يرفد بمصطلح دقيق في دلالته على مايمكن تحديده.‏ وكان بحث الدكتور عبد الاله أحمد بعد ذلك كله جهد مخلص حاول فيه أن يقدم تصوراً واضحاً لواقع الأدب القصصي في العراق في فترة قريبة من تاريخه. وقد أفاد الحياة الأدبية في العراق، بما يصل بين إنتاج السابقين وإنتاج المعاصرين، وقد نجح كثيرا حتى اليوم، في جهده ووضوح هدفه وامتداد تأثيره في مسيرة القصة والرواية في العراق. لمن سيبدأ قراءة ما تم اختياره وتدوينه وتحريره من مواضيع تتعلق بالقصة القصيرة والرواية في العراق وبعض الامصار العربية في مرحلة النشوء والتكون والمسيرة. هذا البحث لنصل الى حقيقة واضحة، وهي أن حصاد الإنتاج القصصي ذا القيمة الفنية والفكرية الحقة، محدود، خلال هذه الحقبة الطويلة من تاريخ العراق والعرب الحديث. ومنها القصص القليلة جدا للتكرلي وذو النون أيوب وعبد الملك نوري التي أعطى الكاتب فيها الناحية الفنية أهمية متميزة، فإن أغلب ما نشر من إنتاج قصصي آخر، قد احتوته سذاجة فكرية وفنية ليس فيها سوى اشارات تاريخية واهنة القيمة بسبب، خضوع مضامين القص باستمرار لمؤثرات خارجية أسهمت إلى حد كبير في تحديد طابع اتجاهاته الفكرية، وملامحه الفنية، وتداخل الاتجاهات الفكرية في الفترة الواحدة، وتداخلها في الوقت ذاته، لدى القاص الواحد، الذي لم يكن قادراً في أكثر الأحيان على أن يحد من أثر هذا العمل الأدبي أو ذاك –الذي يقرؤه- فيه، رغم أنه قد يتعارض في بعض الأحيان، مع موقفه الفكري المعلن. كما كان من مظاهرها الواضحة تفاوت مستوى إنتاج القاص الفني، وافتقاد ما يكتبه الرؤية الواضحة للحياة، التي تحدد موقفاً فكرياً يمكن تبينه. فضلاً عن ضعف الملامح المحلية الخاصة، مما يفقد أدبه الكثير من قيمته.).‏ولكنها تجربة وفقت في الخمسينات إلى تحقيق ملامح جديدة للأدب القصصي، نهضة فنية نقلته إلى واقع مغاير لواقعه في الفترات السابقة. وتتضح ملامح هذه النهضة في هذه التقنية الفنية التي حرص القصاصون على توفيرها لقصصهم، باعتبارها ضرورة لازمة للعمل القصصي، مما نلمسه في تنوع طرق عرضهم لمضامينهم، التي كانوا في بعضها رائدين، كما يظهر ذلك في استخدامهم طريقة تيار الوعي أو المنلوج الداخلي، منذ أواخر الأربعينات. وفي طبيعة اللغة القصصية التي استخدموها في هذا العرض، التي أتاحت لهم معالجة الكثير من القضايا الإنسانية العامة، على نحو لم نعهده في الأدب العراقي الحديث قبل هذه الفترة.‏) لكن القاص، لم يصل بهذه القصص إلى مستوى من الجودة الفنية، يجنبها مظاهر ضعف القيمة الفنية الحقة، التي مكنت الجيل الأخير من القصاصين الذي بدأ يمارس أفراده الكتابة منذ منتصف الستينات، من أن يكتب قصصه بلغة فيها الكثير من المرونة والرواء، فلا يعاني في محاولة تذليلها ما عاناه الجيل السابق، كما أصبح في طوقه أن يكتب في أشكال فنية أكثر تطوراً، وأن يدعي رفضه للأشكال الفنية التقليدية التي كتب فيها العديد من الأعمال القصصية العراقية في الخمسينات. مما يشير الى عدم انقطاع الصلة بإنتاج الأوائل، على الرغم من اكثار بعض شباب الستينيات، من المكابرة والادعاء. كان مسار الأدب القصصي في العراق، رغم ما شابه من اضطراب، يتجه في طريق متطور نام. لابد أن ينتهي يوماً، إلى تمكين الأديب العراقي، من أبداع أعمال قصصية، يمكن أن تسهم في إثراء الأدب العربي(المرجع: د. عبد الاله أحمد..)

(3)

نجد تاثير اسلوب الواقعية في الادب الروسي والأوروبي، على امتداد ثلاثة قرون، جليا ساطعا في تجارب رواد القصة العراقية والعربية، التي تقع ضمن توجه الواقعية بوظيفتها التسجيلية،أوالتحليلية.. ولكن(..ظلت التفاصيل الواقعية في القصة الاجتماعية الإصلاحية العربية رتيبة غير قادرة على استبطان الأعماق الداخلية للشخصيات، حتى باتت تتحرك غالباً بمعزل عن واقع التفاصيل . أما القصة الرومانسية فقد كانت تفاصيلها الواقعية تتحرك مع حركة العواطف الذاتية للكاتب الاجتماعي بصيغة حكائية تفتقر إلى عناصر جمالية وفنية وتقنية تقع في تركيبة ومعمار الشكل الفني ..). وشهد العقد الأول والثاني من القرن الماضي، تفاعلات الأساليب والاتجاهات السائدة في مرحلة نشوء وتحول مكونات المجتمع العربي . منعكسة في أعمال الرعيل الأول من كتاب القصة والشعر والأدب عامة والفنون التشكيلية. في معالجة قضايا المجتمع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وهذا ما أظهر لدى كتاب القصة القصيرة ميلا نحو تصوير الواقع، على الرغم من حداثة مثل هذا الفن المستولد عن الحكايا الأقصوصة والمقامة والف ليلة وليلة وابو زيد الهلالي وكليلة ودمنة وسوى ذلك من تقاليد القص الشفاهي والحكائي المتناقل من جيل إلى جيل في تاريخ الادب العربي والمجتمع. كل ذلك بات يشكل عوامل حقيقية أبعدت معظم كتاب القصة القصيرة في تلك الفترة الابتائية عن التوصل إلى جذور الواقعية الفنية معبرة عن كنه وطبيعة البداية التي توصف بفترة قصص الاتجاه الاجتماعي. ومثل هذه العبارات تشير إلى الجانب التسجيلي في صياغة الاقصوصة والحكاية والقصة القصيرة جدا، الذي لم يقم على رؤية ومواقف فكري جمالي فني، بل كان قائماً على التقاط عفوي لبعض المشاكل الجتماعية والفردية الجاهزة. لذلك يصعب انتقاء (العدد القليل من القصص والروايات والخروج بالنوع الروائي، الذي كان يشق طريقه بصعوبة في الثقافة العربية، من أسر الخطابية والوعظية المباشرة، ولم يستطع أي كاتب آنذاك من تقديم شخصيات مستقلة نسبياً تتحرك بحرية في فضاء السرد من دون أن يحس القارئ أن الكاتب يحركها بحسب مشيئته القاهرة ويوجهها من دون التفات إلى وظائفها الروائية..) .(*) وهذا ما جعل القصة شديدة الاضطراب، مصطنعين عملية الارتباط بالواقع اصطناعاً فطريا فجا. يلصقها جزافا بقصص الاتجاه الاجتماعي.دون أن تتميز بجوانب فنية أو فكرية محددة، ولم يظهر المضمون لا بشكل فني متماسك، ولا بلغة فنية ثرية موحية جديرة بالاهتمام. وفي غياب التمثل الحقيقي لمعنى الواقعية في القصة العربية، وفي ضمور الوعي والادراك بمفهوم الواقعية الفنية فإنه لن يظهر النمو والتحرك، وتبلور النزعة التي كانت سائدة للحكائية الشفاهية والوصفية المرتبكة خلال سنوات العقد الثالث والرابع من القرن المنصرم. وليس لرواد فن القصة القصيرة وتجاربهم ترنو نحو التطور الفكري والحضاري. (.. وهذا يعني أن الواقعية ترتبط بحركة المجتمع الذي تنمو فيه، وترتبط بقضايا التغير الاجتماعي والسياسي، وترتبط بقضايا الديمقراطية وكيفية بلوغها أيضاً.. فتتشابك تجربته الفردية بالتجربة الإنسانية العامة للواقع، كي يتسنى للأديب أو الفنان أن يمسك العناصر الجوهرية التي تحكم صراعات المجتمع، وتسير علاقاته الدائرة إذ أن (المبدأ الفكري الذي سري في صميم العمل الفني الواقعي يتطلب بالضرورة من الفنان أن ينظر بجسارة ودون خنوع إلى العالم، وذلك لأن حقيقة الحياة المعممة حقيقة الشخصيات تنهار إذا أحل الكاتب محل حقيقة الواقع بدائله، أو سمح بتفسير اعتباطي، ذاتي النزعة لمعنى الأحداث والظاهرات، ومضمونها) ولمعنى التغيير النفسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي.مع الأخذ بنظر الاعتبار الجوهري، (..التمسك بالغيبيات، والقيم التي توارثها من الأجيال الماضية، والتعلق بكثير من قواعد التفكير السلفية، وبخاصة حول وضع المرأة في المجتمع..) والأمة تعاني من قلق التغير الجديد المتلاحق الحاد والسريع. وليس من الصعب تلمس مظاهر التخلف في، المجتمع المحافظ، بمعاييره التقليدية المسرفة التي تحول دون بروز التفكير الواقعي، والمجابهة المنطقية . فهو يؤثر التمسك بالغيبيات، والقيم التي توارثها من الأجيال الماضية، ويتعلق بكثير من قواعد التفكير السلفية، وبخاصة حول وضع المرأة في المجتمع. وكان مجرد المطالبة بالتعليم الإلزامي للمرأة كفيلاً بإثارة رواسب المحافظة والتزمت العنيفة..و ظلت الطبقات الشعبية مغمورة بما هي عليه من تخلـف وفـقر وبـؤس، محرومة من فرص التعلـيم، ومعطيات التغـير الاقتصادي. ومن هنا كثرت التابوات وعناصر (الاغتراب) بأجواء القصة الواقعية القصيرة.. التي شاع فيها الخطاب اليومي الدارج، والخطاب الرومانسي الحالم، والمتحذلق المتعالم، وخطاب الشعوذة. (*)..(إن النوع الروائي يسعى، منذ تبلوره في القرن التاسع عشر، إلى التخلص من الرؤية المثالية للعالم واللغة، وينزع إلى تأكيد النسبية اللغوية وكذلك التاريخية، كما يرى ميخائيل باختين في فهمه للخطاب الروائي) (*) إن (الأمانة الذاتية عند الكاتب لا تستطيع أن تولد تلك الواقعية إلا إذا كانت تعبيراً أدبياً عن حركة اجتماعية عريضة، بحيث تدفع مشكلات هذه الحركة وقضاياها الكاتب إلى أن يلاحظ ويصف مظاهرها الأكثر أهمية، وبحيث تقوي من عوده، وتدعمه من جهة أخرى، وتمنحه القوة والشجاعة الكافية التي تخصب وتغني إخلاصه وأمانته) والواقعية لا تجد استقرارها ونموها إلا مع التطور الاجتماعي وصراع القوى الاجتماعية. بيد أننا نجد ملامح مغبشة لمشروع القصة الواقعية في العقد الخامس أكثر خصوبة من الناحية الفكرية والاجتماعية والسياسية، لنمو تجربة بعض كتاب القصة القصيرة ولاستفادتهم وتأثرهم بالتيار الواقعي البازغ في الأدب العربي الحديث والادب العالمي المترجم.) وهو (القدرة على نقل الرواية العربية من مرحلة البدايات وتلعثمها إلى عالم الكتابة الروائية الناضجة التي يتقن فيها الروائي استخدام تقنيات الكتابة الروائية. وكذلك القدرة على توظيف هذا النوع الأدبي الوليد في الثقافة العربية ..) (*) . وحدث هذا التحول أيضا في الشعر والمسرح والموسيقا والفنون التشكيلية. ونضجت تأثيراته في العقد السادس من القرن العشرين.. فالشاعر فوزي كريم ليس بعيدا عن والأمة التي تعاني من قلق التغير الجديد المتلاحق الحاد والسريع، فأراد أن يستولد من تجارب العقد السادس في روسيا ما يوحي اليه نموذجا متشابها في النزوع والاندفاع والمحاكاة تحت لافتات الواقعية الجديدة والحديثة والمتجددة. فهو يقول): في الستينيات كنا نقرأ أعمال دستويفسكي بهوس. داخل هذا الهوس لم نتوقف عند شخوص رواية "الشياطين" لنذعر. كانت تلك الشخوص كفيلة بأن تثير الذعر في قراء على هذا القدر من الشبه بها.. شياطين دستويفسكي هم ستينيو روسيا القرن التاسع عشر. جيل احتفى بـ "الفكرة العظمى" التي ورثها عن الجيل الأربعيني، وذهب بها، بطيش الأطفال الحمقى، الى أبعد مدى من التطرف.

 كانت ستينيات روسيا القيصرية، قبل قرن من ستينيات العراق والعالم الغربي، تضج بجيل يستحق ان يوصف بـ"الموجة الصاخبة" أو "الروح الحية" (*) فالثقافة مسيّسة لدى الجيلين بصورة تامة، وهوية المثقف تكمن في انتمائه العقائدي. والجيل منقسم بصورة حاسمة الى تيارين لكل منهما فروع، الأول يستلهم الغرب وحداثته بكل ما ينطوي عليه من تيارات فكرية وسياسية. والثاني يتشبث بالجذور القومية بكل ما تنطوي عليه من معايير وقيم. وكل منهما يدعي سعةَ الأفق، التي لا تضيق باستيعاب حسنات الطرف الأخر. ولكن تسييس هذا الميل الفكري يلغي أية إمكانية لسعة الأفق المزعومة، لأن الفكرة سرعان ما تتحول الى عقيدة عمياء. ورجل العقيدة العمياء، أو المبصرة، يلغي "الآخر" كوجود يشكل طرفاً لتحقيق الحوار. لأن رجل العقيدة ببساطة "لا يعرف إلا شكلين للتعبير: الحوار مع النفس، أو المحاضرة"،على حد تعبير أوكتافيو باث. انتشار الصحافة وفاعليتها في الوسط الثقافي عامة شبه آخر يجمع بين الجيلين المتباعدين، ودستويفسكي الروائي نفسه كان مسؤولاً عن مجلتين فكريتين: "الزمان" و"العهد"، وعبرهما كان كثير الجدل، كثير الخصام. وللتأكيد على قرابة الأدب والسياسة، كان يضع تحت عنوانيهما عبارة: "تعنى بالأدب والسياسة". وكان) الشبه الأساس الذي يظلل الجميع هو اندفاعتهم المتطرفة باتجاه الأفكار المجردة، دون التفاتة الى الواقع الأرضي، وإخضاع الفعل السياسي التاريخي المغير الى أهوائهم المبدعة في حقل العواطف والمخيلة. في "الشياطين" يقدم لنا المؤلف شخصية ستيفان الرئيسية كمثقف رائد لاحتضان رفعة الأفكار المتعالية على الانسان الزائل ابن الأرض. ودستويفسكي يقدمه بصورة هجائية ساخرة في أحد المشاهد الروائية الأخيرة: "الأفضل ان يمشي في الطريق العام، الأفضل أن يمضي دون أن يفكر في شيء. الطريق العام ... شيء طويل، طويل جداً، لا يرى المرء له نهاية، كالحياة الإنسانية، كالأحلام الإنسانية. الطريق العام يتضمن فكرة. أما جواز السفر في الطريق فأي فكرة يمكن أن يتضمن؟ جواز السفر نهاية كل فكرة...عاش الطريق العام، وعلى بركة الله..."(ترجمة الدروبي2/383). وعلى لسان أحدهم يتحدث عن الثوري شاتوف: "إن شاتوف واحد من أولئك الروس المثاليين الذي متى أشرقت في نفوسهم فكرة قوية كبيرة، بُهروا بها وتسلطت عليهم تسلطاً تاماً قد يدوم في بعض الأحيان الى الأبد، فلا يصلون يوماً الى السيطرة على هذه الفكرة التي أصبحوا يعتنقونها اعتناقاً عنيفاً. فحياتهم كلها تنقضي بعد ذلك فيما يشبه التشنجات الكبرى تحت وطأة تلك الصخرة التي سقطت عليهم ذات يوم فحطمتهم نصف تحطيم." كما ورد في نص (تهافت الستينيين) : (*).

 (4)

(1) تهافت الستينيين - شعرا وقصا ورواية وفنا تشكيليا وموسيقيا ومسرحيا. اذ كتب الشاعر فوزي كريم في مقدمة دراسته التي ضمها كتاب (تهافت الستينيين) الذي صدر عن دار المدى، 2006 -عن) الهوة بين النص الشعري وخبرة الشاعر الداخلية ظاهرة عربية، امتدت من الشعر الجاهلي حتى اليوم. عرضت لها بتفصيل في كتابه "ثياب الامبراطور".، ولكنه يُعنى بوجوه أخرى إضافية من الظاهرة، وفي عصرنا الحديث بالذات. هذه الوجوه العصرية استجابة ليست متعافية لنشاطات الغرب بالغة الكثافة والتعقيد. محاولة منها لإشعار نفسها بالتكافؤ مع الغرب، وتجاوزه أيضاً. وبالتالي كراهيته وتنشيط فعالية العداء غير العقلاني له. وكما بدت الجملة العصرية مترجمة، وبدت القصيدة مترجمة، بدا الوعي الثقافي والأدبي مترجماً هو الآخر. قناع مورد بالأصباغ، يخفي الوجه الحقيقي الشاحب. هذا واضح في أصوات شعرية كثيرة، يمكن لقصيدة النثر أن تكون أوسع أوعيتها. وأصوات نقدية أكثر، تحت راية البنيوية والتفكيكية.(.كانت فورة الستينيين محاكاة، ولكن صادقة العواطف. وهنا يكمن موطن مخاطرها. لأن أهواءها الخيالية طمعت بأن تكون فعلاً، وفعلا سياسياً بالدرجة الأولى. قال هادي العلوي.: (..في الشعر لم أسع الى شعراء الظاهرة، بل انتخبت، في المقابل، عيّنات من شعراء الخبرة الداخلية. شعراء التيار الذي حفر مجراه ضيقا، ولكن عميقاً، الى جوار التيار الأغلب..(ضمن تيار ات تضج بجيل يستحق ان يوصف بـ"الموجة الصاخبة" أو "الروح الحية"   (1).

الصوت الستيني: "كنت انتمي الى الحلم بفردوس سوف يعم يوماً ما العراق والوطن العربي والعالم، معتقداً ان الثمن المدفوع في الحاضر هو ضريبة الوصول الى ذلك المستقبل."(2) . ما يثير الذعر يكمن في جملة "الثمن المدفوع في الحاضر". الثمن العراقي المدفوع كان باهظاً، ولكن لم يحظ بكاتب يملك ضمير دستويفسكي اليقظ، ليرقب ويعري "الشياطين" التي قبلت بدفع الثمن الباهظ من أجل حلم لا سبيل الى تحقيقه. روسيا حظيت بدستويفسكي، وابتلينا نحن بالكاتب الثوري الذي يرقب الظاهرة ليمنحها، بمزيد من العواطف والخيال، شرعية وطأتها كالصخرة. يكتب سامي مهدي في تاريخ هذه المرحلة ليؤكد أن الأكثرية من كتاب الستينيات كانت تنتمي لتنظيمات حزبية، وأنها منيت بانتكاسات سياسية ونفسية لم تؤد بهم الى مراجعة النفس والحكمة بل الى ميول وأهواء فكرية أكثر تطرفاً. "فكان أن تسللت إليهم، بدرجات متفاوتة، الأفكار الوجودية والعدمية والتروتسكية والفوضوية، حتى أن نفراً منهم أعاد الاعتبار لتروتسكي وأفكار الأممية الثانية. وحين تألق نجم الجيفارية صار أرنستو تشي جيفارا بطلاً محبباً لدى أغلبهم، وراحت صور مقاتلي الجبال والأدغال تداعب مخيلاتهم، بل كان بعضهم يحسد الكاتب ريجس دوبريه على ما وصل اليه من شرف...وحين انفجرت أحداث أيار 1968 في فرنسا كان هناك من عثر على بغية أخرى، فصار أبطال هذه الأحداث من النجوم التي يتطلع إليها... كان أكثرهم يبحث في هذا الخليط المتنافر من الأفكار عن خلاص ما غير الخلاص الذي وعدتهم به الأحزاب التي كانوا ينتمون إليها. بل كانوا يبحثون عن مصداقية تسوغ لهم خروجهم من تلك الأحزاب، فراحوا يستقصونها في كل ما يُطرح من النظريات والأفكار والأساليب الكفاحية الجديدة، وكانت دور النشر في لبنان تلبي هذا النوع من الحاجات بحساسية تاجر عريق. فليس مستغرباً، والحالة هذه، أن يظهر بينهم من يتنطع بالتنظير للكفاح المسلح، ويختار له زاوية في مقهى يقصدها بضعة مريدين يلبون حاجة من حاجاته النفسية، ويشاركونه التفكير بمستقبل البشرية المعذبة، ويتعاطون معه نوعاً من أنواع المخدرات..." (*).

 (2) الشياطين" رواية ذات أفقين: أحدهما سياسي يعالج أزمة تطرف العقائديين الستينيين في روسيا القرن التاسع عشر، الذين قاربناهم مع أزمة ستينيينا في القرن العشرين، والآخر ميتافيزيقي، ينصرف فيه دستويفسكي الى معالجة قضايا كبرى كالخير والشر، والله، والحرية.

كاتب آخر معاصر لدستويفسكي، ولا يقل شهرة وموهبة عنه، هو تورجينف، عالج أزمة تطرف الستينيين وانصرف لهم وحدهم في روايته "آباء وأبناء". والموقف منهم فيها أكثر عقلانية وموضوعية من موقف دستويفسكي، لا بل يبدو موقفاً حانياً، ولكن غير متعاطف. الأمر الذي يعكس شخصية تورجينف ذاته، مقارنة بشخصية دستويفسكي الحادة، المعتمة، الموسوسة. ومن أجل مزيد من إضاءة ظاهرة ستينيينا رأيت أن أعود الى جذور التطرف اليوتوبي لدى الشبيبة المثقفة، التي يحلو لها ان تختلق حلولاً وهمية للإنسان والمجتمع والعالم والكون، كما رأيناها في لغة فاضل العزاوي، وتحاول جاهدة أن تدفع الناس إليها داخل مخاضة من الدماء، محتفظة لنفسها بحق ارتقاء الناصية الآمنة للمراقبة. حدث هذا في القرن التاسع عشر في روسيا، وفي ثلاثينيات القرن العشرين، وفي ستينياته.

تحدث "التحولات الحاسمة في التاريخ، عندما تبدأ أشكال الحياة ومؤسساتها تعوق وتلجم القوى المبدعة الأكثر حيوية في المجتمع ـ القوى الاقتصادية، والاجتماعية، والفنية، والثقافية ـ ثم لا تقدر على مقاومتها أمام نظام اجتماعي كهذا تتحد الجماعات والأفراد من كل الأنواع والطبقات. حينها تشيع الاضطرابات (الثورة) إنها تتوقف. أو تواصل دون يقين. ولكن في روسيا، من ستينيات القرن التاسع عشر حتى ثورة أكتوبر 1917، أصبح هذا الشعور القاسي المربك، الذي تعمق عبر سنوات الاضطهاد والرعب، حالة مزمنة، وتعمداً للأذى لا يتوقف ضد الشريحة المتنورة من المجتمع الروسي. (ويواصل برلين عن تورجينف: "... إن هؤلاء الذين مازالوا يظنونه فناناً غير ملتزم، مترفعاً عن المعترك العقائدي، ربما يدهشون لمعرفة أن ما من أحد في كل تاريخ الأدب الروسي، أو ربما الأدب عامة، قد تعرض لهجوم ضار ومتواصل، من قبل اليسار واليمين مثل تورجينف.)

 (3) - كانت النزعة الراديكالية لدى القلة من المثقفين باتجاه اليوتوبيا علامة فارقة للجيل الستيني في روسيا القرن التاسع عشر، ولقد انتظرت مئة سنة لكي تعاود الظهور لدى ستينيي الغرب في القرن العشرين. ولا بأس أن تجد من يمثلها لدى ستينيي العالم الثالث، في محاكاة ألفناها في حياتنا الثقافية طوال القرن العشرين. إلا أن السنوات بينهما لم تخل تماماً من نزعات تسعى الى اليوتوبيا أو تستلهمها من بعيد. حدث شيء من هذا في الثلاثينيات بين مثقفي إنكلترا، ولكن على الطراز الانكليزي الميال الى الاعتدال، بسبب اختلاف الدوافع والظروف. كانت حصة الشعراء بين المثقفين هي الأكبر، وكان أودن في موضع القيادة. ومن يراجع أوراق جيل الأربعينيات والخمسينيات من الشعراء العراقيين لابد وأن يعثر على ذات الرغبة بالمجاراة، باسم التواصل الأممي. فأسماء أودن، ستيفن سبندر، ماكليس، دَيْ لويس...كانت في متناول اليد. ولقد استبعد حينها جورج أورويل علناً، وأُلحق بالقائمة المشبوهة السوداء. كما استبعد سرّاً كل التحول الدراماتيكي الذي حل بأودن وجيله باتجاه المحافظة والدين، بعد الحرب الأهلية الاسبانية مباشرة.

 كان جورج أورويل يسارياً، اندفع الى إسبانيا ليحارب في صف اليسار، ثم أصابه ما أصاب بقية رفاقه من المثقفين الانكليز من صدمات، وخيبات أمل من نزعة التطرف العقائدية. ولكنه انفرد دونهم بتكريس موهبته في معالجة المخاطر المتخفية وراء نزعة اليسار، ووراء السلطات الشمولية التي ولّدتها. رواياته في هذا الشأن أكثر من معروفة، بالرغم من أن الجيل الستيني المسيس في العراق لم يلتفت إلا الى عناوينها، في حين ذهبت نصوصها المحرمة، مع دكتور ژيڤاگو لباسترناك، أدراج الغيب. أما مقالاته، وهو كاتب مقالة من الطراز الأول، فتكاد تكون مجهولة عنواناً ونصاً. واحدة من هذه المقالات بعنوان "في بطن الحوت"(5) كتبها عام 1940. وكما عرض إزايا برلين لظاهرة المثقف اليوتوبي المتطرف في روسيا عبر رواية "آباء وأبناء" وشخص كاتبها تورجينف، يعرض جورج أورويل لظاهرة الجيل الثلاثيني الانكليزي، جيل الشاعر أودن، عبر رواية "مدار السرطان" لهنري مِللر. تتحدث المقالة عن أجيال الأدب الانكليزي الثلاثة في العصر الحديث. ما يعنيني هنا الانتفاع من عرضه لظاهرة الجيل الثالث، جيل أودن. وبعد حديثه عن الفكرة الأساسية، التي أسرت الجيل الأول من "الشعراء الجيورجيين"، وهي فكرة "جمال الطبيعة"، يتحدث عن "الإحساس التراجيدي بالحياة" للجيل الثاني، جيل إليوت أو جيل التشاؤم: "الفكرة التي لم تتمتع بوضوح كاف هي التي قادت كتاب العشرينيات الى أن يكونوا متشائمين. فما الذي يتخفى وراء كل هذا الإحساس الدائم بالانحطاط، بالجماجم والصبّار، وكل هذا التطلع وراء الايمان الضائع، والحضارات المستحيلة إن لم يكن الرخاء الجم والراحة الاستثنائية للمرحلة التي ينتمون لها ويكتبون فيها؟ في زمن كهذا فقط نجد "اليأس الكوني" قابلا للازدهار. الناس الذين ببطون جائعة لا يفكرون بهذا اليأس الكوني، ولا يفكرون حتى بالكون... مرحلة ما بين 1910-1930 كلها كانت مرحلة ازدهار ورخاء. حتى سنوات الحرب كانت محتملة مادياً. فالحرب انتهت، والسلطات الشمولية لم ترتفع بعد. المحرمات الأخلاقية والدينية بكل أنواعها قد تلاشت، والقدرة الشرائية في أحسن حال ...وليس من الصعب التمتع بتذكرة ذهاب وعودة رخيصة الى حافات الليل." ولكن ثمة شيء حدث في السنوات 30-1935. المناخ الأدبي تغير تماماً، وظهرت مجموعة جديدة من الكتاب تختلف تماماً عن الجيل الذي سبقها. استحوذت عليها فكرة "الأهداف الجدية" بدل "الإحساس التراجيدي"، وبدلاً من الاتجاه الى الكنيسة اتجهت الى الشيوعية، ومن ماركسيتها التقطت ثمرتها النبوئية، كمادة جديدة للشعر معبأة بالامكانات.

يقول سپِندر في إحدى قصائده: ( نحن لا شيء/ انحدرنا الى العتمة وسنتلاشى/فالتعرفْ إذن، أن في هذه العتمة/ أمسكنا بمحور فكرة سرّي / تدور عجلته المضاءة الحية في سنوات المستقبل خارجاً.) طبعاً أن تكون شاعراً ماركسياً لا يعني لدى جيل أودن أن تكون قريباً من الجماهير. على أن هذا الانتماء صار موضة المرحلة،

كان كل الكتاب المؤثرين في الثلاثينيات تقريباً ينتمون الى الطبقة الوسطى، ولم يذوقوا بحكم السن مرارة وويلات الحرب العالمية الأولى، ولا ذكرياتها. ولذا لا تبدو لهم مرعبةً مفردات مثل: التطهير، الشرطة السرية، الإعدامات الجماعية، السجن بلا محاكمة...الخ. إنهم قادرون على قبول فكرة السلطة الشمولية لأنهم لا يملكون غير خبرة الليبرالية. تأمل، على سبيل المثال، هذا المقطع من قصيدة "إسبانيا" للسيد أودن (وهذه القصيدة بحكم الصدفة من بين القصائد القليلة المهذبة، التي كتبت حول الحرب الاسبانية)) الغد للشبيبة، وكالقنابل يتفجر الشعراء،/ التجوال بمحاذاة البحيرة، أسابيع الألفة الحميمة، والغد لرهان الدراجات) (تقطع الضواحي في مساءات الصيف. ولكن لهذا اليوم النضال. لهذا اليوم المزيد المتعمّد من فرص الموت، والرضا الواعي بالذنب في الجريمة الواجبة: لهذا اليوم اتساع القدرات / في المنشور الزائل ولقاءات الخلايا الممل.

 "هناك أكثر من نوع من أنواع عدم القدرة على تحمل المسؤولية بين الكتاب. التيار المعتاد نجده بين الكتاب الذين لا يرغبون في ربط أنفسهم بحركة التاريخ: منهم من يحاول تجاهلها، أو من يحاول الوقوف ضدها. الذين استطاعوا تجاهلها قد يبدون حمقى، والذين فهموها بعمق من أجل امتلاك القدرة على الوقوف ضدها قد يحصلون على رؤية كافية لمعرفة أنهم لن يستطيعوا تحقيق النصر...في الجانب الآخر هناك "التقدميون" التظاهريون، المندفعون أبداً الى الأمام لمعانقة إسقاطات ذاتية يتوهمونها مستقبلاً. كتاب العشرينيات التزموا الخط الأول، أما الخط الثاني فالتزمه كتاب الثلاثينيات..) و(تكمن "أهمية عمل هنري مِللر "مدار السرطان" في تجنبه الالتزام بأي من الخطين السابقين. إنه لم يحاول أن يدفع حركة التاريخ الى الأمام، كما أنه لم يحاول سحبها الى الوراء. ولكنه أيضاً لم يحاول تجاهلها. إنه في موقفه هذا قد يكون أكثر صلابة في الاعتقاد بالانهيار الوشيك للحضارة الغربية من الأكثرية الساحقة من الكتاب "الثوريين". فقط لم يكن يشعر أنه ملزم بعمل أي شيء تجاهها. إنه عازف الكمان أمام روما التي تحترق. ولكنه، على خلاف أكثرية الناس الذين يعزفون مثله، كان يعزف كمانه ووجهه لا يفارق التحديق باللهب.

 (4) - (من بين "الروح الحية" و"الموجة الصاخبة" للستينيين في العراق لم تخرج إلا بضعة أصوات شعرية خفيضة، أعطت شرعية لبضعة تنهدات رأت فيها "صوتاً إنسانياً"، إذ ان تلك الروح الحية والموجة الصاخبة عكست ا الرغبة في "تجريد" الانسان الى مجموعة أفكار.) حين جاءتنا قصائد أدونيس كانت، كما شاء لها الشاعر أن تكون، "إنجيل الرفض". طبعاً لم يسعَ أحد لتحديد معنى هذا الرفض وحدوده، ولا حتى أدونيس نفسه. كان الجميع يطمع به رفضاَ شاملاً لكل ما أعطاه التاريخ، والخبرة. وقبولاً شاملاً للطبيعة، بكل ما فيها من قوى اعتباط وفوضى (." مدينتي أرض بلا خالق/ والرفض إنجيلي"، وأنا في حمى البحث عن خالق، وحمى البحث عن الرضا. وأغني عبد الصبور في ذات الوقت: "حين فقدنا الرضا/ بما يريدُ القضا/ لم تثمر الأشجار...". إزدواجية المثقف بي هي التي أنهكت قواي الروحية والجسدية في تلك المرحلة المبكرة من التكوين. ولكن مناعة الشاعر ضد مرض تحويل الانسان الى رمز، وضد سحر الايمان العقائدي كانت ثابتة .(و (.. قبل مجيء أدونيس كان الشعر العراقي قد قطع شوطاً مثيراً في إنضاج صفتين متناقضتين، ما كانت لتنتصر واحدة على أخرى لولا الظرف السياسي الذي طوى الشعر والشعراء تحت جناحيه. الأولى صفة الشاعر المتسائل، والثانية صفة اليقيني. شاعر الحيرات اكتشف حيرته مع اكتشافه عنصر الجدة في الشعر. ولذلك بدت الحيرة والجدة وجهين لجوهر شعري. شاعر اليقين جاءت به الحداثة، لا الجدة. لأن الجدة اكتشاف، في حين لا تعدو الحداثة أن تكون استيراداً من مكان وزمان الحداثة الغربية. وكما أن الجدة ابتكار في قوى التعبير الشعري، تبدو الحداثة استيراد أفكار ومفاهيم.((*)(1)- كتابان عن مرحلة الستينيات. (2) الروح الحية، فاضل العزاوي،(ص78. -)(3 (الموجة الصاخبة، سامي مهدي،ص 19 – ص20 .

(يتبع) الحلقة القابلة ( 29)

التعليقات (0)Add Comment


أضف تعليقا
smaller | bigger


busy  


أضافة تعليق

{ الصفحة الأخيرة } { من 267 } { الصفحة التالية }

-----------------------------------------------------------------------------

Image Hosted by فــــي مركز تحميل الصــور منتديات أســـود الاطلـــس

أهلاً و سهلاً

شوكت الربيعي يرحب بكم اهلا وسهلا
الصفحة الأولى
من أنا؟
الأرشيف
أصدقائي
صوري

وصلات

اليوميات المدهشة
الشاعر ماجد البلداوي
الشاعر عيسى الياسري
تحديث المدونة
شوكت الربيعي
كتاب الأمل
الفن العماني المعاصر
طائر الشوف الاصفر
احزان القصب
خمسة عقود من الفن والادب
من التجربة المدهشة
موقع شوكت الربيعي في المثقف


الأقسام


آخر المقالات

ثلاثية الأحزان (28) ج1 - شوكت الربيعي - المثقف 6/ 9 /2008م
ثلاثية أحزان القصب تأليف شوكت الربيعي- القسم السابع والعشرون- صحيفة المثقف- 4/ 9/ 2008م -
ثلاثية أحزان القصب تأليف شوكت الربيعي- القسم السادس والعشرون - المثقف- 3- 9- 2008م
ثلاثية أحزان القصب تأليف شوكت الربيعي- القسم الخامس والعشرون - المثقف- 1- 9- 2008م
Descending to the depths - by shawkat alrubaie - part 2-

أكتب ما تريد ترجمته هنا

أصدقائي

 



ثلاثية الأحزان (28) ج2 - شوكت الربيعي - المثقف 6/ 9 /2008م

 

 

ثلاثية الأحزان (28) أرسل لصديق

 

ثلاثية الأحزان ( 28 ) - ج2

شوكت الربيعي - المثقف   

Saturday, 06 September 2008

الواقعية في الأدب والفن

كان موضوع الواقعية في الأدب والفن من أهم الأبواب التي بحثت فيها: الأداء الفني، العناية بالتركيب والأسلوب والاضاءات النقدية،

التقنية الشكلية والدلالية والجمالية، آلية القصة القصيرة . وقد تبلور الجهد بعد أن قمت بتحرير ما قرأته ولخصته عن دراسات وبحوث ومتابعات ومقالات دونها اساتذة ونقدة آداب وفنون.

(2)- من تجارب الأدب القصصي المتميزة في العراق

- تجربة الناقد الباحث الدكتور عبد الاله أحمد:

كنت أقرأ الادب الروسي والواقعية في الأدب والفنون ونظرية الجمال عند بليخانوف وأبي حيان التوحيدي في الفترة التي كنت قد حضرت فيها مناقشة رسالة الماجستير للباحث الاستاذ عبد الاله أحمد في القاهرة. واردت نشر مقالتي عنها، ولكن الكاتبة نجاة شاهين كانت قد هيأت متابعة رائعة (تعودت أن تنشرها في بابها الثابت) لمناقشة (رسائل جامعية)الماجستير والدكتوراه في مجلة المجلة المصرية في عهد رئيس تحريرها الكاتب القدير الاستاذ يحي حقي وكنت من كتاب تلك المجلة في الستينيات من القرن العشرين. وكان الناقد المتميز عبد الاله أحمد قد بحث في رسالته القيمة، (الأدب القصصي في العراق)، منذ نشأته، وبأنواعه المختلفة، وطبيعة المنهج الذي حاول فيه أن يجمع بين المنهج التاريخي والمنهج النقدي الذي يقيم هذا الأدب، ويضعه في مكانه الملائم من سلم التطور، فيحاول أن ينظر جهده إلى النتاج القصصي، نظرة نسبية، تسعى إلى أن تستوعب واقع الفترة الزمنية التي كتب فيها، ومستوى ثقافة كتابه، الذين تحكمت فيهم إلى حد بعيد طبيعة الظروف الموضوعية. وكان له شرف الريادة في ذلك.

لقد حدثت في تاريخ العراق الحديث، منذ الحرب العالمية الأولى، وحتى انبثاق ثورة الرابع عشر من تموز 1958، منعطفات ومتغيرات جوهرية، وأرست دعائم نظام وطني جديد. إلا أنها لم تغير كثيراً من واقع الثقافة والفنون. وهو أمر فرضه مضمون المديات الزمنية، لكي تتضح طبيعة المتغيرات التي تحدثها في المجتمع، وبالتالي لتتضح طبيعة نتائج المتغيرات التي تصيب الفكر والأدب فيه نتيجة لذلك. بل إن الأدب في العراق الذي نشر بعد الثورة، يمكن اعتباره امتداداً بشكل أو بآخر، للمرحلة السابقة. ويمكن تحميل أحداث الفترات اللاحقة، مسؤولية كاملة لما أصاب الحركة الأدبية من شلل وتوقف، استمر واضحاً منذ عام1961 وحتى منتصف الستينات، حين بدأ نفر من الأدباء الشباب، (الذي امتاز بالجرأة والصخب والادعاء)، يكتب لوناً من الأدب يختلف عن سابقه الذي كان سائدا منذ عام 1940،- واستمر طوال الأربعينات والخمسينات، وأصبحنا مهيئين لأن نتابع دراسة واقع هذا الأدب في العراق والوطن العربي في الفترات اللاحقة.‏

كان للدكتور الجليل الاستاذ عبد الاله أحمد، الدور الطليعي في جمع تفاصيل الموضوع المبعثرة في كتب، وفي أكداس هائلة من الصحف والمجلات.. لكنها بمجموعها أتاحت لنا أن نضع أيدينا على تصور واضح لمسار الأدب القصصي منذ الحرب العالمية الثانية، وطبيعة صفاته وخصائصه، لنستجلي واقع اتجاهاته الفكرية، وقيمه الفنية، وانتقاء النماذج الدالة منه لوضعها في مكانها من تاريخ هذا الأدب في العراق. ففي الكتاب الأول، الذي تناول فيه الدكتور عبد الاله أحمد فيه القصة الساذجة، وقف في الباب الأول منه عند أبرز الاتجاهات القصصية الأولى في تاريخ الأدب القصصي، وهما الاتجاه التقليدي، والاتجاه الرومانسي. وحاول في الباب الثاني أن يدرس الاتجاه الواقعي الساذج، بتوطئة وقف فيها عند جذور هذا الاتجاه بين الحربين، كما عكسها إنتاج أبرز كتابه محمود أحمد السيد، مبينا العوامل التي أدت بعده إلى انصراف هذا الاتجاه عن وجهته الفنية، إلى هذا اللون من الواقعية الذي يتجه إلى تحقيق هدف سياسي واضح، فكان أن درس في الفصل الأول من هذا الباب إنتاج "ذو النون أيوب" وهو القصاص الذي كان له أثره الكبير في انعطاف الأدب القصصي الواقعي في اتجاه الواقعية السياسية الساذجة في الأربعينات، متمما فيه حديثه الذي بدأه في نشأة القصة. ثم تابع بعد ذلك في الفصل الثاني رصد ملامح هذه الواقعية السياسية الساذجة كما برزت في إنتاج غيره من القصاصين. ثم حاول في الباب الثالث دراسة إنتاج أبرز القصاصين الذين ظهروا في الثلاثينات واتصل إنتاجهم القصصي بعد ذلك على قل منهم، في فترة البحث، وهم: أنور شاؤل، وشالوم درويش، وعبد الحق فاضل. ولقد اعتبر إنتاج هؤلاء القصاصين الثلاثة الذي تتوفر فيه الكثير من الملامح الفنية، من ممهدات الواقعية الفنية التي برزت بعد ذلك واضحة في الخمسينات. ووقف في هذا الباب بالإضافة إلى ذلك عند هذه المحاولات القليلة التي نشرت في الأربعينات، والتي اتصفت على نحو من الأنحاء، بالفنية، والتي اعتبرها بسبب ذلك تبشيراً بإنتاج الجيل الجديد من القصاصين الذي كتب القصة الفنية في الخمسينات.‏ وفي الكتاب الثاني، الذي تناول فيه القصة الفنية، حاول أن يمهد لدراستها بمدخل يبين فيه العوامل التي أدت إلى نهضة الأدب القصصي في الخمسينات، وطبيعة هذه النهضة. ثم وقف في الباب الأول عند سمات وملامح القصة الفنية في هذه الفترة، من خلال دراسته ثلاثة أمور أساسية. الأمر الأول: ملامح التقنية الفنية العامة كما ظهرت في إنتاج القصاصين باعتبارها السمة الأساس الأولى التي ميزت إنتاجهم القصصي عن إنتاج سابقيهم. والأمر الثاني: ملامح وسمات مضامين واتجاهات القصة الفنية. والأمرالثالث: الأعمال القصصية الطويلة التي لا ترقى لأن تكون رواية فنية حقة بالمعنى الذي حدده لها كبار نقادها. أما الباب الثاني فخصصه لدراسة أبرز قاصين، كتبا القصة الفنية في العراق في الخمسينات، وكان إنتاجهما يمثل أفضل ما كتب من هذا الأدب في فترة البحث، ويعكس أبرز سماته الرئيسة وهما: عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي.‏ وفي جميع دراسته لإنتاج القصاصين، الساذج أو الفني منه، حاول أن يعتمد جهد الإمكان، المنهج "الوصفي" الذي يسعى إلى الوقوف عند العمل القصصي، ليتعرف على خصائصه الفنية والفكرية، كما يعكسها هذا العمل بالضبط. لأن هذا المنهج، يتيح فهماً أدق لطبيعة الطرق الفنية التي استخدمها القصاصون العراقيون، كما يكشف عن مستواهم الفني، وما أضافوه من جديد في تاريخ هذا الفن في العراق، وهو في الوقت ذاته، يجنب الباحث امتحان إنتاج هؤلاء القصاصين بمنظور فني مستمد من إنتاج قصصي أكثر تطوراً، لا يمكن أن يتحمله دون تعسف كبير يجور عليه. ومن هنا كان استخدامه المباشر لنتائج الدراسات التي تناولت القصص الحديث، العربي أو العالمي، على أهميته، محدوداً، وبالمقدار الذي ورد في هذه الدراسات، مما ساعد على توضيح طريقة القصاصين في التعبير، أو نهجهم الفكري، أو يعمق الفهم لجانب أو آخر في إنتاجهم، أو يرفد بمصطلح دقيق في دلالته على مايمكن تحديده.‏ وكان بحث الدكتور عبد الاله أحمد بعد ذلك كله جهد مخلص حاول فيه أن يقدم تصوراً واضحاً لواقع الأدب القصصي في العراق في فترة قريبة من تاريخه. وقد أفاد الحياة الأدبية في العراق، بما يصل بين إنتاج السابقين وإنتاج المعاصرين، وقد نجح كثيرا حتى اليوم، في جهده ووضوح هدفه وامتداد تأثيره في مسيرة القصة والرواية في العراق. لمن سيبدأ قراءة ما تم اختياره وتدوينه وتحريره من مواضيع تتعلق بالقصة القصيرة والرواية في العراق وبعض الامصار العربية في مرحلة النشوء والتكون والمسيرة. هذا البحث لنصل الى حقيقة واضحة، وهي أن حصاد الإنتاج القصصي ذا القيمة الفنية والفكرية الحقة، محدود، خلال هذه الحقبة الطويلة من تاريخ العراق والعرب الحديث. ومنها القصص القليلة جدا للتكرلي وذو النون أيوب وعبد الملك نوري التي أعطى الكاتب فيها الناحية الفنية أهمية متميزة، فإن أغلب ما نشر من إنتاج قصصي آخر، قد احتوته سذاجة فكرية وفنية ليس فيها سوى اشارات تاريخية واهنة القيمة بسبب، خضوع مضامين القص باستمرار لمؤثرات خارجية أسهمت إلى حد كبير في تحديد طابع اتجاهاته الفكرية، وملامحه الفنية، وتداخل الاتجاهات الفكرية في الفترة الواحدة، وتداخلها في الوقت ذاته، لدى القاص الواحد، الذي لم يكن قادراً في أكثر الأحيان على أن يحد من أثر هذا العمل الأدبي أو ذاك –الذي يقرؤه- فيه، رغم أنه قد يتعارض في بعض الأحيان، مع موقفه الفكري المعلن. كما كان من مظاهرها الواضحة تفاوت مستوى إنتاج القاص الفني، وافتقاد ما يكتبه الرؤية الواضحة للحياة، التي تحدد موقفاً فكرياً يمكن تبينه. فضلاً عن ضعف الملامح المحلية الخاصة، مما يفقد أدبه الكثير من قيمته.).‏ولكنها تجربة وفقت في الخمسينات إلى تحقيق ملامح جديدة للأدب القصصي، نهضة فنية نقلته إلى واقع مغاير لواقعه في الفترات السابقة. وتتضح ملامح هذه النهضة في هذه التقنية الفنية التي حرص القصاصون على توفيرها لقصصهم، باعتبارها ضرورة لازمة للعمل القصصي، مما نلمسه في تنوع طرق عرضهم لمضامينهم، التي كانوا في بعضها رائدين، كما يظهر ذلك في استخدامهم طريقة تيار الوعي أو المنلوج الداخلي، منذ أواخر الأربعينات. وفي طبيعة اللغة القصصية التي استخدموها في هذا العرض، التي أتاحت لهم معالجة الكثير من القضايا الإنسانية العامة، على نحو لم نعهده في الأدب العراقي الحديث قبل هذه الفترة.‏) لكن القاص، لم يصل بهذه القصص إلى مستوى من الجودة الفنية، يجنبها مظاهر ضعف القيمة الفنية الحقة، التي مكنت الجيل الأخير من القصاصين الذي بدأ يمارس أفراده الكتابة منذ منتصف الستينات، من أن يكتب قصصه بلغة فيها الكثير من المرونة والرواء، فلا يعاني في محاولة تذليلها ما عاناه الجيل السابق، كما أصبح في طوقه أن يكتب في أشكال فنية أكثر تطوراً، وأن يدعي رفضه للأشكال الفنية التقليدية التي كتب فيها العديد من الأعمال القصصية العراقية في الخمسينات. مما يشير الى عدم انقطاع الصلة بإنتاج الأوائل، على الرغم من اكثار بعض شباب الستينيات، من المكابرة والادعاء. كان مسار الأدب القصصي في العراق، رغم ما شابه من اضطراب، يتجه في طريق متطور نام. لابد أن ينتهي يوماً، إلى تمكين الأديب العراقي، من أبداع أعمال قصصية، يمكن أن تسهم في إثراء الأدب العربي(المرجع: د. عبد الاله أحمد..)

(3)

نجد تاثير اسلوب الواقعية في الادب الروسي والأوروبي، على امتداد ثلاثة قرون، جليا ساطعا في تجارب رواد القصة العراقية والعربية، التي تقع ضمن توجه الواقعية بوظيفتها التسجيلية،أوالتحليلية.. ولكن(..ظلت التفاصيل الواقعية في القصة الاجتماعية الإصلاحية العربية رتيبة غير قادرة على استبطان الأعماق الداخلية للشخصيات، حتى باتت تتحرك غالباً بمعزل عن واقع التفاصيل . أما القصة الرومانسية فقد كانت تفاصيلها الواقعية تتحرك مع حركة العواطف الذاتية للكاتب الاجتماعي بصيغة حكائية تفتقر إلى عناصر جمالية وفنية وتقنية تقع في تركيبة ومعمار الشكل الفني ..). وشهد العقد الأول والثاني من القرن الماضي، تفاعلات الأساليب والاتجاهات السائدة في مرحلة نشوء وتحول مكونات المجتمع العربي . منعكسة في أعمال الرعيل الأول من كتاب القصة والشعر والأدب عامة والفنون التشكيلية. في معالجة قضايا المجتمع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وهذا ما أظهر لدى كتاب القصة القصيرة ميلا نحو تصوير الواقع، على الرغم من حداثة مثل هذا الفن المستولد عن الحكايا الأقصوصة والمقامة والف ليلة وليلة وابو زيد الهلالي وكليلة ودمنة وسوى ذلك من تقاليد القص الشفاهي والحكائي المتناقل من جيل إلى جيل في تاريخ الادب العربي والمجتمع. كل ذلك بات يشكل عوامل حقيقية أبعدت معظم كتاب القصة القصيرة في تلك الفترة الابتائية عن التوصل إلى جذور الواقعية الفنية معبرة عن كنه وطبيعة البداية التي توصف بفترة قصص الاتجاه الاجتماعي. ومثل هذه العبارات تشير إلى الجانب التسجيلي في صياغة الاقصوصة والحكاية والقصة القصيرة جدا، الذي لم يقم على رؤية ومواقف فكري جمالي فني، بل كان قائماً على التقاط عفوي لبعض المشاكل الجتماعية والفردية الجاهزة. لذلك يصعب انتقاء (العدد القليل من القصص والروايات والخروج بالنوع الروائي، الذي كان يشق طريقه بصعوبة في الثقافة العربية، من أسر الخطابية والوعظية المباشرة، ولم يستطع أي كاتب آنذاك من تقديم شخصيات مستقلة نسبياً تتحرك بحرية في فضاء السرد من دون أن يحس القارئ أن الكاتب يحركها بحسب مشيئته القاهرة ويوجهها من دون التفات إلى وظائفها الروائية..) .(*) وهذا ما جعل القصة شديدة الاضطراب، مصطنعين عملية الارتباط بالواقع اصطناعاً فطريا فجا. يلصقها جزافا بقصص الاتجاه الاجتماعي.دون أن تتميز بجوانب فنية أو فكرية محددة، ولم يظهر المضمون لا بشكل فني متماسك، ولا بلغة فنية ثرية موحية جديرة بالاهتمام. وفي غياب التمثل الحقيقي لمعنى الواقعية في القصة العربية، وفي ضمور الوعي والادراك بمفهوم الواقعية الفنية فإنه لن يظهر النمو والتحرك، وتبلور النزعة التي كانت سائدة للحكائية الشفاهية والوصفية المرتبكة خلال سنوات العقد الثالث والرابع من القرن المنصرم. وليس لرواد فن القصة القصيرة وتجاربهم ترنو نحو التطور الفكري والحضاري. (.. وهذا يعني أن الواقعية ترتبط بحركة المجتمع الذي تنمو فيه، وترتبط بقضايا التغير الاجتماعي والسياسي، وترتبط بقضايا الديمقراطية وكيفية بلوغها أيضاً.. فتتشابك تجربته الفردية بالتجربة الإنسانية العامة للواقع، كي يتسنى للأديب أو الفنان أن يمسك العناصر الجوهرية التي تحكم صراعات المجتمع، وتسير علاقاته الدائرة إذ أن (المبدأ الفكري الذي سري في صميم العمل الفني الواقعي يتطلب بالضرورة من الفنان أن ينظر بجسارة ودون خنوع إلى العالم، وذلك لأن حقيقة الحياة المعممة حقيقة الشخصيات تنهار إذا أحل الكاتب محل حقيقة الواقع بدائله، أو سمح بتفسير اعتباطي، ذاتي النزعة لمعنى الأحداث والظاهرات، ومضمونها) ولمعنى التغيير النفسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي.مع الأخذ بنظر الاعتبار الجوهري، (..التمسك بالغيبيات، والقيم التي توارثها من الأجيال الماضية، والتعلق بكثير من قواعد التفكير السلفية، وبخاصة حول وضع المرأة في المجتمع..) والأمة تعاني من قلق التغير الجديد المتلاحق الحاد والسريع. وليس من الصعب تلمس مظاهر التخلف في، المجتمع المحافظ، بمعاييره التقليدية المسرفة التي تحول دون بروز التفكير الواقعي، والمجابهة المنطقية . فهو يؤثر التمسك بالغيبيات، والقيم التي توارثها من الأجيال الماضية، ويتعلق بكثير من قواعد التفكير السلفية، وبخاصة حول وضع المرأة في المجتمع. وكان مجرد المطالبة بالتعليم الإلزامي للمرأة كفيلاً بإثارة رواسب المحافظة والتزمت العنيفة..و ظلت الطبقات الشعبية مغمورة بما هي عليه من تخلـف وفـقر وبـؤس، محرومة من فرص التعلـيم، ومعطيات التغـير الاقتصادي. ومن هنا كثرت التابوات وعناصر (الاغتراب) بأجواء القصة الواقعية القصيرة.. التي شاع فيها الخطاب اليومي الدارج، والخطاب الرومانسي الحالم، والمتحذلق المتعالم، وخطاب الشعوذة. (*)..(إن النوع الروائي يسعى، منذ تبلوره في القرن التاسع عشر، إلى التخلص من الرؤية المثالية للعالم واللغة، وينزع إلى تأكيد النسبية اللغوية وكذلك التاريخية، كما يرى ميخائيل باختين في فهمه للخطاب الروائي) (*) إن (الأمانة الذاتية عند الكاتب لا تستطيع أن تولد تلك الواقعية إلا إذا كانت تعبيراً أدبياً عن حركة اجتماعية عريضة، بحيث تدفع مشكلات هذه الحركة وقضاياها الكاتب إلى أن يلاحظ ويصف مظاهرها الأكثر أهمية، وبحيث تقوي من عوده، وتدعمه من جهة أخرى، وتمنحه القوة والشجاعة الكافية التي تخصب وتغني إخلاصه وأمانته) والواقعية لا تجد استقرارها ونموها إلا مع التطور الاجتماعي وصراع القوى الاجتماعية. بيد أننا نجد ملامح مغبشة لمشروع القصة الواقعية في العقد الخامس أكثر خصوبة من الناحية الفكرية والاجتماعية والسياسية، لنمو تجربة بعض كتاب القصة القصيرة ولاستفادتهم وتأثرهم بالتيار الواقعي البازغ في الأدب العربي الحديث والادب العالمي المترجم.) وهو (القدرة على نقل الرواية العربية من مرحلة البدايات وتلعثمها إلى عالم الكتابة الروائية الناضجة التي يتقن فيها الروائي استخدام تقنيات الكتابة الروائية. وكذلك القدرة على توظيف هذا النوع الأدبي الوليد في الثقافة العربية ..) (*) . وحدث هذا التحول أيضا في الشعر والمسرح والموسيقا والفنون التشكيلية. ونضجت تأثيراته في العقد السادس من القرن العشرين.. فالشاعر فوزي كريم ليس بعيدا عن والأمة التي تعاني من قلق التغير الجديد المتلاحق الحاد والسريع، فأراد أن يستولد من تجارب العقد السادس في روسيا ما يوحي اليه نموذجا متشابها في النزوع والاندفاع والمحاكاة تحت لافتات الواقعية الجديدة والحديثة والمتجددة. فهو يقول): في الستينيات كنا نقرأ أعمال دستويفسكي بهوس. داخل هذا الهوس لم نتوقف عند شخوص رواية "الشياطين" لنذعر. كانت تلك الشخوص كفيلة بأن تثير الذعر في قراء على هذا القدر من الشبه بها.. شياطين دستويفسكي هم ستينيو روسيا القرن التاسع عشر. جيل احتفى بـ "الفكرة العظمى" التي ورثها عن الجيل الأربعيني، وذهب بها، بطيش الأطفال الحمقى، الى أبعد مدى من التطرف.

 كانت ستينيات روسيا القيصرية، قبل قرن من ستينيات العراق والعالم الغربي، تضج بجيل يستحق ان يوصف بـ"الموجة الصاخبة" أو "الروح الحية" (*) فالثقافة مسيّسة لدى الجيلين بصورة تامة، وهوية المثقف تكمن في انتمائه العقائدي. والجيل منقسم بصورة حاسمة الى تيارين لكل منهما فروع، الأول يستلهم الغرب وحداثته بكل ما ينطوي عليه من تيارات فكرية وسياسية. والثاني يتشبث بالجذور القومية بكل ما تنطوي عليه من معايير وقيم. وكل منهما يدعي سعةَ الأفق، التي لا تضيق باستيعاب حسنات الطرف الأخر. ولكن تسييس هذا الميل الفكري يلغي أية إمكانية لسعة الأفق المزعومة، لأن الفكرة سرعان ما تتحول الى عقيدة عمياء. ورجل العقيدة العمياء، أو المبصرة، يلغي "الآخر" كوجود يشكل طرفاً لتحقيق الحوار. لأن رجل العقيدة ببساطة "لا يعرف إلا شكلين للتعبير: الحوار مع النفس، أو المحاضرة"،على حد تعبير أوكتافيو باث. انتشار الصحافة وفاعليتها في الوسط الثقافي عامة شبه آخر يجمع بين الجيلين المتباعدين، ودستويفسكي الروائي نفسه كان مسؤولاً عن مجلتين فكريتين: "الزمان" و"العهد"، وعبرهما كان كثير الجدل، كثير الخصام. وللتأكيد على قرابة الأدب والسياسة، كان يضع تحت عنوانيهما عبارة: "تعنى بالأدب والسياسة". وكان) الشبه الأساس الذي يظلل الجميع هو اندفاعتهم المتطرفة باتجاه الأفكار المجردة، دون التفاتة الى الواقع الأرضي، وإخضاع الفعل السياسي التاريخي المغير الى أهوائهم المبدعة في حقل العواطف والمخيلة. في "الشياطين" يقدم لنا المؤلف شخصية ستيفان الرئيسية كمثقف رائد لاحتضان رفعة الأفكار المتعالية على الانسان الزائل ابن الأرض. ودستويفسكي يقدمه بصورة هجائية ساخرة في أحد المشاهد الروائية الأخيرة: "الأفضل ان يمشي في الطريق العام، الأفضل أن يمضي دون أن يفكر في شيء. الطريق العام ... شيء طويل، طويل جداً، لا يرى المرء له نهاية، كالحياة الإنسانية، كالأحلام الإنسانية. الطريق العام يتضمن فكرة. أما جواز السفر في الطريق فأي فكرة يمكن أن يتضمن؟ جواز السفر نهاية كل فكرة...عاش الطريق العام، وعلى بركة الله..."(ترجمة الدروبي2/383). وعلى لسان أحدهم يتحدث عن الثوري شاتوف: "إن شاتوف واحد من أولئك الروس المثاليين الذي متى أشرقت في نفوسهم فكرة قوية كبيرة، بُهروا بها وتسلطت عليهم تسلطاً تاماً قد يدوم في بعض الأحيان الى الأبد، فلا يصلون يوماً الى السيطرة على هذه الفكرة التي أصبحوا يعتنقونها اعتناقاً عنيفاً. فحياتهم كلها تنقضي بعد ذلك فيما يشبه التشنجات الكبرى تحت وطأة تلك الصخرة التي سقطت عليهم ذات يوم فحطمتهم نصف تحطيم." كما ورد في نص (تهافت الستينيين) : (*).

 (4)

(1) تهافت الستينيين - شعرا وقصا ورواية وفنا تشكيليا وموسيقيا ومسرحيا. اذ كتب الشاعر فوزي كريم في مقدمة دراسته التي ضمها كتاب (تهافت الستينيين) الذي صدر عن دار المدى، 2006 -عن) الهوة بين النص الشعري وخبرة الشاعر الداخلية ظاهرة عربية، امتدت من الشعر الجاهلي حتى اليوم. عرضت لها بتفصيل في كتابه "ثياب الامبراطور".، ولكنه يُعنى بوجوه أخرى إضافية من الظاهرة، وفي عصرنا الحديث بالذات. هذه الوجوه العصرية استجابة ليست متعافية لنشاطات الغرب بالغة الكثافة والتعقيد. محاولة منها لإشعار نفسها بالتكافؤ مع الغرب، وتجاوزه أيضاً. وبالتالي كراهيته وتنشيط فعالية العداء غير العقلاني له. وكما بدت الجملة العصرية مترجمة، وبدت القصيدة مترجمة، بدا الوعي الثقافي والأدبي مترجماً هو الآخر. قناع مورد بالأصباغ، يخفي الوجه الحقيقي الشاحب. هذا واضح في أصوات شعرية كثيرة، يمكن لقصيدة النثر أن تكون أوسع أوعيتها. وأصوات نقدية أكثر، تحت راية البنيوية والتفكيكية.(.كانت فورة الستينيين محاكاة، ولكن صادقة العواطف. وهنا يكمن موطن مخاطرها. لأن أهواءها الخيالية طمعت بأن تكون فعلاً، وفعلا سياسياً بالدرجة الأولى. قال هادي العلوي.: (..في الشعر لم أسع الى شعراء الظاهرة، بل انتخبت، في المقابل، عيّنات من شعراء الخبرة الداخلية. شعراء التيار الذي حفر مجراه ضيقا، ولكن عميقاً، الى جوار التيار الأغلب..(ضمن تيار ات تضج بجيل يستحق ان يوصف بـ"الموجة الصاخبة" أو "الروح الحية"   (1).

الصوت الستيني: "كنت انتمي الى الحلم بفردوس سوف يعم يوماً ما العراق والوطن العربي والعالم، معتقداً ان الثمن المدفوع في الحاضر هو ضريبة الوصول الى ذلك المستقبل."(2) . ما يثير الذعر يكمن في جملة "الثمن المدفوع في الحاضر". الثمن العراقي المدفوع كان باهظاً، ولكن لم يحظ بكاتب يملك ضمير دستويفسكي اليقظ، ليرقب ويعري "الشياطين" التي قبلت بدفع الثمن الباهظ من أجل حلم لا سبيل الى تحقيقه. روسيا حظيت بدستويفسكي، وابتلينا نحن بالكاتب الثوري الذي يرقب الظاهرة ليمنحها، بمزيد من العواطف والخيال، شرعية وطأتها كالصخرة. يكتب سامي مهدي في تاريخ هذه المرحلة ليؤكد أن الأكثرية من كتاب الستينيات كانت تنتمي لتنظيمات حزبية، وأنها منيت بانتكاسات سياسية ونفسية لم تؤد بهم الى مراجعة النفس والحكمة بل الى ميول وأهواء فكرية أكثر تطرفاً. "فكان أن تسللت إليهم، بدرجات متفاوتة، الأفكار الوجودية والعدمية والتروتسكية والفوضوية، حتى أن نفراً منهم أعاد الاعتبار لتروتسكي وأفكار الأممية الثانية. وحين تألق نجم الجيفارية صار أرنستو تشي جيفارا بطلاً محبباً لدى أغلبهم، وراحت صور مقاتلي الجبال والأدغال تداعب مخيلاتهم، بل كان بعضهم يحسد الكاتب ريجس دوبريه على ما وصل اليه من شرف...وحين انفجرت أحداث أيار 1968 في فرنسا كان هناك من عثر على بغية أخرى، فصار أبطال هذه الأحداث من النجوم التي يتطلع إليها... كان أكثرهم يبحث في هذا الخليط المتنافر من الأفكار عن خلاص ما غير الخلاص الذي وعدتهم به الأحزاب التي كانوا ينتمون إليها. بل كانوا يبحثون عن مصداقية تسوغ لهم خروجهم من تلك الأحزاب، فراحوا يستقصونها في كل ما يُطرح من النظريات والأفكار والأساليب الكفاحية الجديدة، وكانت دور النشر في لبنان تلبي هذا النوع من الحاجات بحساسية تاجر عريق. فليس مستغرباً، والحالة هذه، أن يظهر بينهم من يتنطع بالتنظير للكفاح المسلح، ويختار له زاوية في مقهى يقصدها بضعة مريدين يلبون حاجة من حاجاته النفسية، ويشاركونه التفكير بمستقبل البشرية المعذبة، ويتعاطون معه نوعاً من أنواع المخدرات..." (*).

 (2) الشياطين" رواية ذات أفقين: أحدهما سياسي يعالج أزمة تطرف العقائديين الستينيين في روسيا القرن التاسع عشر، الذين قاربناهم مع أزمة ستينيينا في القرن العشرين، والآخر ميتافيزيقي، ينصرف فيه دستويفسكي الى معالجة قضايا كبرى كالخير والشر، والله، والحرية.

كاتب آخر معاصر لدستويفسكي، ولا يقل شهرة وموهبة عنه، هو تورجينف، عالج أزمة تطرف الستينيين وانصرف لهم وحدهم في روايته "آباء وأبناء". والموقف منهم فيها أكثر عقلانية وموضوعية من موقف دستويفسكي، لا بل يبدو موقفاً حانياً، ولكن غير متعاطف. الأمر الذي يعكس شخصية تورجينف ذاته، مقارنة بشخصية دستويفسكي الحادة، المعتمة، الموسوسة. ومن أجل مزيد من إضاءة ظاهرة ستينيينا رأيت أن أعود الى جذور التطرف اليوتوبي لدى الشبيبة المثقفة، التي يحلو لها ان تختلق حلولاً وهمية للإنسان والمجتمع والعالم والكون، كما رأيناها في لغة فاضل العزاوي، وتحاول جاهدة أن تدفع الناس إليها داخل مخاضة من الدماء، محتفظة لنفسها بحق ارتقاء الناصية الآمنة للمراقبة. حدث هذا في القرن التاسع عشر في روسيا، وفي ثلاثينيات القرن العشرين، وفي ستينياته.

تحدث "التحولات الحاسمة في التاريخ، عندما تبدأ أشكال الحياة ومؤسساتها تعوق وتلجم القوى المبدعة الأكثر حيوية في المجتمع ـ القوى الاقتصادية، والاجتماعية، والفنية، والثقافية ـ ثم لا تقدر على مقاومتها أمام نظام اجتماعي كهذا تتحد الجماعات والأفراد من كل الأنواع والطبقات. حينها تشيع الاضطرابات (الثورة) إنها تتوقف. أو تواصل دون يقين. ولكن في روسيا، من ستينيات القرن التاسع عشر حتى ثورة أكتوبر 1917، أصبح هذا الشعور القاسي المربك، الذي تعمق عبر سنوات الاضطهاد والرعب، حالة مزمنة، وتعمداً للأذى لا يتوقف ضد الشريحة المتنورة من المجتمع الروسي. (ويواصل برلين عن تورجينف: "... إن هؤلاء الذين مازالوا يظنونه فناناً غير ملتزم، مترفعاً عن المعترك العقائدي، ربما يدهشون لمعرفة أن ما من أحد في كل تاريخ الأدب الروسي، أو ربما الأدب عامة، قد تعرض لهجوم ضار ومتواصل، من قبل اليسار واليمين مثل تورجينف.)

 (3) - كانت النزعة الراديكالية لدى القلة من المثقفين باتجاه اليوتوبيا علامة فارقة للجيل الستيني في روسيا القرن التاسع عشر، ولقد انتظرت مئة سنة لكي تعاود الظهور لدى ستينيي الغرب في القرن العشرين. ولا بأس أن تجد من يمثلها لدى ستينيي العالم الثالث، في محاكاة ألفناها في حياتنا الثقافية طوال القرن العشرين. إلا أن السنوات بينهما لم تخل تماماً من نزعات تسعى الى اليوتوبيا أو تستلهمها من بعيد. حدث شيء من هذا في الثلاثينيات بين مثقفي إنكلترا، ولكن على الطراز الانكليزي الميال الى الاعتدال، بسبب اختلاف الدوافع والظروف. كانت حصة الشعراء بين المثقفين هي الأكبر، وكان أودن في موضع القيادة. ومن يراجع أوراق جيل الأربعينيات والخمسينيات من الشعراء العراقيين لابد وأن يعثر على ذات الرغبة بالمجاراة، باسم التواصل الأممي. فأسماء أودن، ستيفن سبندر، ماكليس، دَيْ لويس...كانت في متناول اليد. ولقد استبعد حينها جورج أورويل علناً، وأُلحق بالقائمة المشبوهة السوداء. كما استبعد سرّاً كل التحول الدراماتيكي الذي حل بأودن وجيله باتجاه المحافظة والدين، بعد الحرب الأهلية الاسبانية مباشرة.

 كان جورج أورويل يسارياً، اندفع الى إسبانيا ليحارب في صف اليسار، ثم أصابه ما أصاب بقية رفاقه من المثقفين الانكليز من صدمات، وخيبات أمل من نزعة التطرف العقائدية. ولكنه انفرد دونهم بتكريس موهبته في معالجة المخاطر المتخفية وراء نزعة اليسار، ووراء السلطات الشمولية التي ولّدتها. رواياته في هذا الشأن أكثر من معروفة، بالرغم من أن الجيل الستيني المسيس في العراق لم يلتفت إلا الى عناوينها، في حين ذهبت نصوصها المحرمة، مع دكتور ژيڤاگو لباسترناك، أدراج الغيب. أما مقالاته، وهو كاتب مقالة من الطراز الأول، فتكاد تكون مجهولة عنواناً ونصاً. واحدة من هذه المقالات بعنوان "في بطن الحوت"(5) كتبها عام 1940. وكما عرض إزايا برلين لظاهرة المثقف اليوتوبي المتطرف في روسيا عبر رواية "آباء وأبناء" وشخص كاتبها تورجينف، يعرض جورج أورويل لظاهرة الجيل الثلاثيني الانكليزي، جيل الشاعر أودن، عبر رواية "مدار السرطان" لهنري مِللر. تتحدث المقالة عن أجيال الأدب الانكليزي الثلاثة في العصر الحديث. ما يعنيني هنا الانتفاع من عرضه لظاهرة الجيل الثالث، جيل أودن. وبعد حديثه عن الفكرة الأساسية، التي أسرت الجيل الأول من "الشعراء الجيورجيين"، وهي فكرة "جمال الطبيعة"، يتحدث عن "الإحساس التراجيدي بالحياة" للجيل الثاني، جيل إليوت أو جيل التشاؤم: "الفكرة التي لم تتمتع بوضوح كاف هي التي قادت كتاب العشرينيات الى أن يكونوا متشائمين. فما الذي يتخفى وراء كل هذا الإحساس الدائم بالانحطاط، بالجماجم والصبّار، وكل هذا التطلع وراء الايمان الضائع، والحضارات المستحيلة إن لم يكن الرخاء الجم والراحة الاستثنائية للمرحلة التي ينتمون لها ويكتبون فيها؟ في زمن كهذا فقط نجد "اليأس الكوني" قابلا للازدهار. الناس الذين ببطون جائعة لا يفكرون بهذا اليأس الكوني، ولا يفكرون حتى بالكون... مرحلة ما بين 1910-1930 كلها كانت مرحلة ازدهار ورخاء. حتى سنوات الحرب كانت محتملة مادياً. فالحرب انتهت، والسلطات الشمولية لم ترتفع بعد. المحرمات الأخلاقية والدينية بكل أنواعها قد تلاشت، والقدرة الشرائية في أحسن حال ...وليس من الصعب التمتع بتذكرة ذهاب وعودة رخيصة الى حافات الليل." ولكن ثمة شيء حدث في السنوات 30-1935. المناخ الأدبي تغير تماماً، وظهرت مجموعة جديدة من الكتاب تختلف تماماً عن الجيل الذي سبقها. استحوذت عليها فكرة "الأهداف الجدية" بدل "الإحساس التراجيدي"، وبدلاً من الاتجاه الى الكنيسة اتجهت الى الشيوعية، ومن ماركسيتها التقطت ثمرتها النبوئية، كمادة جديدة للشعر معبأة بالامكانات.

 

يقول سپِندر في إحدى قصائده: ( نحن لا شيء/ انحدرنا الى العتمة وسنتلاشى/فالتعرفْ إذن، أن في هذه العتمة/ أمسكنا بمحور فكرة سرّي / تدور عجلته المضاءة الحية في سنوات المستقبل خارجاً.) طبعاً أن تكون شاعراً ماركسياً لا يعني لدى جيل أودن أن تكون قريباً من الجماهير. على أن هذا الانتماء صار موضة المرحلة،

كان كل الكتاب المؤثرين في الثلاثينيات تقريباً ينتمون الى الطبقة الوسطى، ولم يذوقوا بحكم السن مرارة وويلات الحرب العالمية الأولى، ولا ذكرياتها. ولذا لا تبدو لهم مرعبةً مفردات مثل: التطهير، الشرطة السرية، الإعدامات الجماعية، السجن بلا محاكمة...الخ. إنهم قادرون على قبول فكرة السلطة الشمولية لأنهم لا يملكون غير خبرة الليبرالية. تأمل، على سبيل المثال، هذا المقطع من قصيدة "إسبانيا" للسيد أودن (وهذه القصيدة بحكم الصدفة من بين القصائد القليلة المهذبة، التي كتبت حول الحرب الاسبانية)) الغد للشبيبة، وكالقنابل يتفجر الشعراء،/ التجوال بمحاذاة البحيرة، أسابيع الألفة الحميمة، والغد لرهان الدراجات) (تقطع الضواحي في مساءات الصيف. ولكن لهذا اليوم النضال. لهذا اليوم المزيد المتعمّد من فرص الموت، والرضا الواعي بالذنب في الجريمة الواجبة: لهذا اليوم اتساع القدرات / في المنشور الزائل ولقاءات الخلايا الممل.

 

 "هناك أكثر من نوع من أنواع عدم القدرة على تحمل المسؤولية بين الكتاب. التيار المعتاد نجده بين الكتاب الذين لا يرغبون في ربط أنفسهم بحركة التاريخ: منهم من يحاول تجاهلها، أو من يحاول الوقوف ضدها. الذين استطاعوا تجاهلها قد يبدون حمقى، والذين فهموها بعمق من أجل امتلاك القدرة على الوقوف ضدها قد يحصلون على رؤية كافية لمعرفة أنهم لن يستطيعوا تحقيق النصر...في الجانب الآخر هناك "التقدميون" التظاهريون، المندفعون أبداً الى الأمام لمعانقة إسقاطات ذاتية يتوهمونها مستقبلاً. كتاب العشرينيات التزموا الخط الأول، أما الخط الثاني فالتزمه كتاب الثلاثينيات..) و(تكمن "أهمية عمل هنري مِللر "مدار السرطان" في تجنبه الالتزام بأي من الخطين السابقين. إنه لم يحاول أن يدفع حركة التاريخ الى الأمام، كما أنه لم يحاول سحبها الى الوراء. ولكنه أيضاً لم يحاول تجاهلها. إنه في موقفه هذا قد يكون أكثر صلابة في الاعتقاد بالانهيار الوشيك للحضارة الغربية من الأكثرية الساحقة من الكتاب "الثوريين". فقط لم يكن يشعر أنه ملزم بعمل أي شيء تجاهها. إنه عازف الكمان أمام روما التي تحترق. ولكنه، على خلاف أكثرية الناس الذين يعزفون مثله، كان يعزف كمانه ووجهه لا يفارق التحديق باللهب.

 

 (4) - (من بين "الروح الحية" و"الموجة الصاخبة" للستينيين في العراق لم تخرج إلا بضعة أصوات شعرية خفيضة، أعطت شرعية لبضعة تنهدات رأت فيها "صوتاً إنسانياً"، إذ ان تلك الروح الحية والموجة الصاخبة عكست ا الرغبة في "تجريد" الانسان الى مجموعة أفكار.) حين جاءتنا قصائد أدونيس كانت، كما شاء لها الشاعر أن تكون، "إنجيل الرفض". طبعاً لم يسعَ أحد لتحديد معنى هذا الرفض وحدوده، ولا حتى أدونيس نفسه. كان الجميع يطمع به رفضاَ شاملاً لكل ما أعطاه التاريخ، والخبرة. وقبولاً شاملاً للطبيعة، بكل ما فيها من قوى اعتباط وفوضى (." مدينتي أرض بلا خالق/ والرفض إنجيلي"، وأنا في حمى البحث عن خالق، وحمى البحث عن الرضا. وأغني عبد الصبور في ذات الوقت: "حين فقدنا الرضا/ بما يريدُ القضا/ لم تثمر الأشجار...". إزدواجية المثقف بي هي التي أنهكت قواي الروحية والجسدية في تلك المرحلة المبكرة من التكوين. ولكن مناعة الشاعر ضد مرض تحويل الانسان الى رمز، وضد سحر الايمان العقائدي كانت ثابتة .(و (.. قبل مجيء أدونيس كان الشعر العراقي قد قطع شوطاً مثيراً في إنضاج صفتين متناقضتين، ما كانت لتنتصر واحدة على أخرى لولا الظرف السياسي الذي طوى الشعر والشعراء تحت جناحيه. الأولى صفة الشاعر المتسائل، والثانية صفة اليقيني. شاعر الحيرات اكتشف حيرته مع اكتشافه عنصر الجدة في الشعر. ولذلك بدت الحيرة والجدة وجهين لجوهر شعري. شاعر اليقين جاءت به الحداثة، لا الجدة. لأن الجدة اكتشاف، في حين لا تعدو الحداثة أن تكون استيراداً من مكان وزمان الحداثة الغربية. وكما أن الجدة ابتكار في قوى التعبير الشعري، تبدو الحداثة استيراد أفكار ومفاهيم.((*)(1)- كتابان عن مرحلة الستينيات. (2) الروح الحية، فاضل العزاوي،(ص78. -)(3 (الموجة الصاخبة، سامي مهدي،ص 19 – ص20 . (يتبع) الحلقة ( 29)

 

التعليقات (0)Add Comment


أضف تعليقا
smaller | bigger


busy  



ثلاثية الأحزان (28) ج1 - شوكت الربيعي - المثقف 6/ 9 /2008م

ثلاثية الأحزان (28)

أرسل لصديق
شوكت الربيعي - المثقف   
Saturday, 06 September 2008

الواقعية في الأدب والفن

كان موضوع الواقعية في الأدب والفن من أهم الأبواب التي بحثت فيها: الأداء الفني، العناية بالتركيب والأسلوب والاضاءات النقدية،

التقنية الشكلية والدلالية والجمالية، آلية القصة القصيرة . وقد تبلور الجهد بعد أن قمت بتحرير ما قرأته ولخصته عن دراسات وبحوث ومتابعات ومقالات دونها اساتذة ونقدة آداب وفنون.

(1)

كان مبدأ كتاب القصة القصيرة والرواية، هو التأكيد على عمق وقوة وتأثير الموضوع في الناس وليس الشكل الفني وحده الذي يأتي بالمرتبة الأولى. وكان الكتاب يشعرون بالفخر عندما يتحدث عنهم بسطاء الناس بأن أدبهم ولد من قضايا المجتمع وهموم الشعب ومعاناته. وينادون بتطبيق العدالة الاجتماعية والمساواة. وهذا عمل جيد ولكن اذا استتبعه شكل جيد ومعالجة وصياغة حديثة لمعمار القص والرواية. لهذا احتل (تولستوي ودوستيفسكي وجوركي وتشيخوف وايليا أهنبرج وعمالقة الرواية الروسية الاخرين.. ) مكانةً مرموقةً في الأدب العربي، مقارنة مع الكتّاب الأوروبيين الآخرين. وترك أدبهم بصماتٍ واضحةً على الأدب العربي المعاصر وعلى الآداب العالمية كلّها. لقد تأثر الأدب العربي بتولستوي ( مثلا) ليس كفنانٍ، فحسب، لا بل كمفكرٍ.‏ ومن هنا انفرزت مفاهيم آيديولوجية بين طوائف واتجاهات كثيرة تدعو للكتابة عن مصالح الشعب، وبمستقبله، وان تنطلق كتاباتهم من روح الواقعية وبانسانية الكاتب الحقيقية، وبتطلعاته، إلى تصوير الحياة تصويراً صادقاً، وبنضاله، الذي لا يعرف الهوادة ضد النظرية الرجعية "الفن من أجل الفن" (*) جعلت هذه الميزات كلّها، التي تميّز بها كتاب المرحلة الاولى لتوجهات الكتاب نحو القصة والرواية في جعله أدباً جماهيرياً، واسع الانتشار .) .. ويتألم أبطال قصص جبران خليل جبران (1883-1931) ويناضلون ضد الظلم الاجتماعي، فإما أن يحصلوا على حقهم في السعادة، أو يستشهدوا في أثناء النضال، فلقد كتبت الباحثة نادرة جميل سراج في قصة "خليل الكافر" أنّ جبران بهذه القصة بدأ نضالاً لايعرف الهوادة ضد القوانين التقليدية والسلطات الظالمة . وقد يتساءل المرء: أين الحل؟ إلى أين يرحل الإنسان النظيف في هذا المجتمع القائم على القهر والظلم والاستبداد؟ يرى جبران أن طريق الخلاص هو طريق الجمال الروحي، فهو المخلّص والمنقذ. ففي قصيدته الشهيرة "المواكب" التي نظمها في عام 1919، يرى جبران أن الخلاص في الغناء والموسيقا والهرب إلى الغاب لأن الغناء والموسيقا، هما رمز الجمال، والغاب رمز الطهارة، حيث لاظلم ولاقهر، لاظالم ولامظلوم..) (*).. كان جبران خليل جبران رئيس الرابطة القلمية التي قامت في مدينة نيويورك مابين عامي 1920-1931 ولم يكن يعرف اللغة الروسية ولكنه تعرف على الأدب الروسي عن طريق اللغة الانكليزية التي أتقنها وكتب نصف مؤلفاته بها. وكان يقدر تقديراً عالياً الأدب الروسي. حول هذا الموضوع كتب صديقه ميخائيل نعيمة في كتابه "جبران خليل جبران" (1934) (*) (".... وعندما جئنا على ذكر الأدب الروسي أدهشني جبران بقوله إنه من المعجبين به. ولاسيما بتورجينيف وتولستوي ودوستيفسكي، وبالأخير بنوع خاص، مع أن روحه تناقض روح نيتشه على خط مستقيم. غير أني اشتممت من كلامه الاجمالي عن هؤلاء الكتبة المشاهير أنه قرأ عنهم ولم يقرأهم.). (*). كذلك تجسدت التأثيرات بالواقعية التسجيلية التاريخية في أعمال فرح أنطون في روايته التاريخية "اورشليم الجديدة أو فتح العرب بيت المقدس" (1904) اذ عبر عن فكرته بأن على الإنسان محاربة الشر بكل الوسائل ماعدا وسائل الشر والعنف، لأن العمل الطيب يولد عملاً طيباً في حين أن العمل الشرير يولد عملاً شريراً أي بعمل الخير ينتشر الخير وبالشر ينتشر الشر. ويطالب الإنسان بتلبية الحاجات الروحية وبعد الاهتمام بالحاجات المادية والجسدية، ويرى فرح أنطون أن اللَّه يطالب الإنسان بعمل الخير، وهنا يمكن أن نرى أصداء أفكار تولستوي الذي انتقد بعض جوانب حياة رجال الدين.) وعلى الرغم من أن أحداث رواية " أورشليم الجديدة أو فتح العرب بيت المقدس" تجري في القرن السابع، إلا أن فرح أنطون أراد أن ينتقد المجتمع المعاصر. فالراهب ميخائيل في رواية "أورشليم الجديدة أو فتح العرب بيت المقدس" يعتقد بأن الكنيسة تخطئ عندما تعلم الناس القناعة وعدم الاهتمام بالحياة الدنيا والاهتمام فقط بالحياة الآخرة. وينادي الراهب ميخائيل بضرورة بناء المجتمع العادل حيث يعيش فيه الناس بالمحبة وكأنهم في أسرة واحدة.). (*).

 

أبدى النقاد والأدباء العرب اهتمامهم بحضور انتاج كتاب الخاطرة والمقالة والحكاية والأقصوصة وما كان يسمى بالقصة القصيرة والطويلة والرواية القصيرة والطويلة وما الى ذلك من مسميات ليس لنا سوى الفاظها أما الحديث عن قيمتها وكيانها الجمالي فذلك ابعد ما يكون عن الحقيقة. انهم يصفونها تعبيرا عن الحياة الروحية للإنسان العربي والمسلم . والمعروف أنه ماكان لذلك التوجه أن ينمو في تربة وطننا العربي (وهو موضوع فعّال وحيوي)، الا لتزايد وتعاظم الاهتمام بموضوع الحياة الاجتماعية والفقر والجهل والامية بصورةٍ خاصة . (وليس من قبيل الصدفة، أن يقع إبداع تولستوي في مركز اهتمام الشخصيات الأدبية والثقافية والاجتماعية العربية. فالأسباب واضحة وتتلخص في أنّ تولستوي انتقد بصدقٍ وبلا رحمةٍ عيوب مجتمعه. بكلّ أشكالها ومظاهرها، وفي الوقت ذاته دافع عن مصالح الجماهير الفلاحية في روسيا، وعبّر عن آمالهم وطموحاتهم وتطلعاتهم.‏((*) و(يجدّ كلّ مايكتب، في بلدٍ ما، في وقتنا الحاضر، وبأية لغةٍ تأثيراً له في البلاد الأخرى، وفي آداب الشعوب الأخرى، وعادةً يكون التأثير سريعاً. تتأثر آداب شعوب الأرض بكاملها بعضها ببعضها الآخر ولا يوجد في زمننا الحاضر أدب منغلق على نفسه. ووقع ليف تولستوي تحت تأثير آداب شعوبٍ كثيرةٍ. والمواد الكثيرة التي نعالجها في دراستنا هذه، تجمعها الأفكار التي جمعت بين نظرات تولستوي ونظرات الكتّاب العرب إلى الوجود، وإلى الحياة. يجرنا الحديث حول تولستوي إلى الحديث حول الفلسفة، وحول التاريخ، وحول الدين وحول الإلحاد، فهذه العلوم الإنسانية مترابطة، ويتأثر بعضها ببعض ولها علاقة وثيقة بالأدب. فهم الأدباء والقراء العرب، تولستوي في كثيرٍ من الأحيان، على أنّه فيلسوف أو حكيم، أكثر مما فهموه على أنّه كاتب وفنان وأديب ومسرحي وروائي، فقد رأى بعضهم فيه، أحياناً، مناضلاً في سبيل الإيمان الحقيقي الصحيح، أو مناضلاً في سبيل حصول الفلاحين على حقوقهم. وكان هؤلاء جميعاً على حقٍ، أو على الأقل على جانبٍ كبيرٍ من الحق، لأنّ تولستوي لم يكن فناناً فحسب، بل كان إنساناً، يعيش اهتمامات عصره ومشاكله.‏) (*) ومن ابرزها "الأفكار الفلسفية والغيبية والدينية والاجتماعية عند بعض الأدباء العرب". وكيفية التصدي لها في القصة والرواية والادب عامة. وحازت تلك الأفكار على شهرةٍ عالميةٍ، وانتشرت في الأمصارالعربية. وبخاصة في المشرق العربي موجةً قويةً في مطلع القرن العشرين للإصلاح. عبّر عن هذا الاتجاه الكاتب أمين الريحاني، وفرح أنطون، وميخائيل نعيمه، وجبران خليل جبران، ومصطفى لطفي المنفلوطي والياس فرحات، وندره حداد.‏ وكذلك تركت أفكار جبران خليل جبران آثارها على أعضاء الرابطة القلمية التي تأسست في مدينة نيويورك مابين عامي 1921-1931 ومن بين هؤلاء الشاعر ندرة حداد (1881-1950) وهو من مواليد مدينة حمص، هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية عندما بلغ السادسة عشرة من عمره، أيّ في عام 1897، وأصدر هناك في عام 1914 ديوانه "أوراق الخريف". ويرى الشاعر أنّ فكر الإنسان ومعتقداته يجب ألا تنتقل بالوراثة عن الوالدين، وإنما يحق للأبناء اختيار الفكر الذي يرونه مناسباً لعصرهم وللمكان الذي يعيشون فيه. ويندد في قصائده بالظلم الاجتماعي.) ونادى كثير من الأدباء العرب بتخليص العامل الاخلاقي من القشور، وبإعادة صفائه إليه، و(بالتركيز على الحقائق). (*) لهذا (ظهرت جماعة من الكتاب العرب منذ مطلع القرن العشرين، نددوا باستغلال رجال الدين للشعب وانتقدوا الخرافات الغيبية. فانتقد هؤلاء الكتاب رجال الدين لأنهم باسم الدين يستغلون الناس البسطاء. ولايوجد أدنى شك بأن هؤلاء الكتاب على معرفة تامة بأفكار تولستوي. وعلى كل حال يوجد شبه بين أفكارهم وأفكار ليف تولستوي الدينية. من بين هؤلاء الكتاب فرح أنطون، أمين الريحاني، جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمه، الياس فرحات، مصطفى لطفي المنفلوطي وغيرهم.) (*). أمّا عملاق الرواية الروسية دوستيفسكي (1821- 1881) الذي تبادل مع تولستوي الاحترام والمحبة، ومع أنهما عاشا في فترة واحدة وفي دولة واحدة، فإن أحدهما لم ير الآخر، ومات دوستيفسكي دون أن يلتقي تولستوي. وكانت هناك نقاط مشتركة في نظرتهما إلى الدين ونقاط خلاف. فكان دوستيفسكي متعصباً لقوميته الروسية ولطائفته الأرثوذكسية، ولذلك انتقد الطوائف المسيحية الأخرى مثل الكاثوليكية والبروتستانتية... على سبيل المثال انتقد في بحثه "مذكرات شتوية عن انطباعات صيفية" (1863) الكنيسة الإنجيلية التي رآها في أثناء زيارته لبريطانيا، لأنها برأيه تعبر عن مصالح الأغنياء (*) وبعد مرور خمس سنوات من كتابته "مذكرات شتوية عن انطباعات صيفية" أي في عام 1868 أصدر دوستيفسكي رواية "الأبله"، ينتقد بطل الرواية المذكورة واسمه الأمير ميشكين الكنيسة الكاثوليكية (*) وكذلك يتكرر الانتقاد في رواية "الشياطين" 1871 على لسان أحد أبطال الرواية واسمه شاتوف. واستمر دوستيفسكي في انتقاده للكنائس غير الأرثوذكسية في روايته الأخيرة "الأخوة كارامازوف" التي نشرها في عام 1880، أما تولستوي فانتقد الكنائس كلّها بما في ذلك الأرثوذكسية لتضامنها مع الأغنياء ضد الفقراء، ولتعاطفها مع الحاكم ضد المحكوم. وبدأت هذه الأفكار لدى تولستوي منذ شبابه. يقول في قصته "المراهقة": "وأستطيع أن أقول مؤكداً، بأنني خطوت الخطوة الأولى في مجال الشك الديني في شبابي" (*) وصدرت هذه القصة، كما هو معروف في عام 1854. في أثناء دراسته في جامعة كازان، كانت تراود تولستوي بعض الأفكار التي لاتنسجم مع تعاليم الكنيسة. وكذلك نجد مثل هذه الأفكار في رواية "الحرب والسلام" (1863- 1869) على لسان بيير بيزوخوف، الشخصية الرئيسية في الرواية المذكورة(*).ونجد مثل هذه الأفكار في مسرحية تولستوي "ويضيء النور في الظلمة" التي كتبها في عام 1902إذ يطالب بطلها واسمه باريس بتوحيد الكنائس من أجل توحيد قلوب المؤمنين، ويركز على الدعوة إلى المحبة والتسامح. ولعل أحد المؤلفات الفكرية الرئيسية لتولستوي هو "اعترافه" الذي كتبه في عام 1880، وكتب تولستوي أن إيمان الوسط المتعلم ليس إيماناً، وماهو إلا وسيلة من أجل الوصول إلى بعض الأهداف الحياتية المؤقتة. ولامعنى لحياة هؤلاء الناس، لابل فإن حياتهم هي جريمة بحد ذاتها.) (*) هكذا كانت حياة الأمير -ابن الملك بوذا، وكذلك كانت حياة الملك سليمان، وحتى حياة تولستوي نفسه الذي يكتب في "اعترافه" أنه أراد الانتحار لأنه لم يجد جواباً عن معنى الحياة، أي لم يجد جواباً عن سؤال: لماذا الحياة؟ و(لم يجد تولستوي جواباً عن سؤال معنى الحياة، ولذلك التجأ إلى التاريخ والفلسفة. ففي حكمة النبي سليمان لم يستطع تولستوي أن يجد الإيمان الذي يخلصه من فكرة الانتحار التي كانت تراوده، لأن النبي سليمان نفسه رأى أن الحياة كلها تعب وأفكار مقلقة ولافائدة للإنسان من أتعابه تحت الشمس. اعتبر سليمان الحكيم أن لاجديد تحت الشمس، كل شيء يذوب تحتها.) (*) (لقد وجد تولستوي في آراء النبي سليمان صدى لأرائه. فلقد كانت تجول بباله الأفكار ذاتها التي كانت تراود النبي سليمان حول عدم جدوى الحياة. ولذلك حاول أن يجد معنى الحياة في تعاليم الملك بوذا- مؤسس الديانة البوذية، ولكن النبي بوذا قال إن الحياة شقاء وتعب وتتخللها الأمراض والصعوبات وتنتهي بالشيخوخة والموت. وقال النبي بوذا لاعزاء في الحياة بل الحياة شر كبير بحد ذاتها، ولذلك يجب علينا أن نتخلص منها، وهكذا فإن إيمان وعقيدة بوذا والنبي سليمان لم تجيبا على تساؤلات تولستوي عن معنى الحياة ومضمونها، كما لم تجب عن هذه التساؤلات فلسفة سقراط وشبنهاور، أي الفلسفة في قديمها وفي حاضرها.) (*) و(رأى تولستوي أن حياة الناس في الوسط البورجوازي فارغة وغير منطقية وغير عقلانية وتعني لاشيء أي تساوي الصفر. ولذلك أخذ تولستوي يفتش عن معنى الحياة عند أولئك الذي يصنعون الحياة أي يصنعون أسباب العيش لأنفسهم ولغيرهم، أي عند الشعب الكادح، ووجد تولستوي أن الشعب الكادح يحمل الإيمان المسيحي الحقيقي الصادق، وليس الإيمان المزيف الكاذب أو كل مايموه ويغطي الإيمان الحقيقي. تمر حياة الشعب الكادح كلها بالأعمال الصعبة وبالظروف المعيشية الفقيرة ومع هذا فإنه أقل تذمراً من الحياة من الناس الأغنياء.) (*) "يعمل الفلاحون، ويتحملون الحرمان والألم، يعيشون ويموتون ويرون في هذه الحياة الخير وليس الشر" (*) . كما أنه كرر الأفكار ذاتها في بحثه بعنوان: "ماالعمل؟". وفي كلمة له عن قصته "لحن كريتسر" (*) ولقد أشار أحد النقاد واسمه كاشيرين إلى أن رواية "البعث" 1899 هي الأكثر انتقاداً لرجال الدين) (*) و(كان القراء الروس، قد تعرفوا لأول مرةٍ، على اهتمام المواطنين العرب بشخصية وبإبداع ل.ن. تولستوي من مذكرات س.يا.يلباتيفسكي بعنوان "مصر" التي نشرها في عام 1909، والتي عبّر بها عن انطباعاته التي تركتها بنفسه زيارته لمصر. يعتبر- ي. يو.كراتشكوفسكي أول مستعربٍ روسي اهتم ودرس الدور، الذي لعبه ويلعبه إبداع تولستوي في بلدان المشرق العربي. نشر الأكاديمي ي.يو.كراتشكوفسكي في عام 1910 مقالةً "في مجلة "الآداب الأجنبية" العدد (12) بعنوان "الكتّاب الرّوس في الأدب العربي". نشرت المقالة بمناسبة وفاة الكاتب الروسي العظيم ليف تولستوي. تتضمن المقالة دراسةً لترجمة مؤلفات الكتّاب الروس إلى اللغة العربية، ومع تقديم بعض المعلومات عن المترجمين. جديرة بالاهتمام دراسة أ.أ.ديميتريفسكي، بعنوان:"الأدب الروسي بالترجمة العربية"، التي نشرت في عام 1915، كما نشر الناقد: ب.ي.بيريوكوف دراسة" بعنوان "تولستوي والشرق"، وذلك في عام 1924، وبعد أقل من نصف قرن أصدر أ.ي.شيفمن كتاباً بعنوان "ليف تولستوي والشرق"، الذي صدر عام 1971، كما أصدرت الدكتورة آنّا أركاييفنا دالينينا أكثر من دراسةٍ حول هذا الموضوع، نذكر منها "الأدب الروسي في البلدان العربية"، نشرت هذه الدراسة عام 1960. ومقالةً بعنوان "من تاريخ العلاقات الأدبية العربيّة الروسيّة"(1963)، وتدرس المقالة مسرحية الكاتب العربي ميخائيل نعيمة (الآباء والبنون) . ونشرت الدكتورة آنا دالينينا- أستاذة الأدب العربي في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة لينينغراد الحكومية، نشرت مقالةً "بعنوان لحن كريتسر، لتولستوي وترجمة هذه القصة من الروسية إلى العربية". نشرت هذه المقالة في عام 1973. أمّا "لحن كريتسر" فترجمت إلى اللغة العربية في عام 1903 في القاهرة. ترجمها من اللغة الروسيّة سليم قبعين.‏ (*) وكانت الجمعية الروسية الفلسطينية (*) في نهاية القرن التاسع عشر وفي مطلع القرن العشرين قد افتتحت لها مدارس في كلٍّ من سوريا وفلسطين ولبنان، لعبت دوراً كبيراً في نشر الأدب الروسي في البلاد العربية. وتخرج ميخائيل نعيمة (1889-1988) من إحدى هذه المدارس. وعلى حدّ قوله، قرأ وأعاد قراءة الكتّاب الروس البارزين جميعاً. كما ظهر ذلك جليا في مسرحيته "الآباء والبنون"(1917) ولمجموعته القصصية "كان ياما كان"(1927)، ولكتابه "دوروب"(1932) ولكتابه "جبران خليل جبران"(1934) ولمؤلفاته "البيادر" (1945) "مرداد" (1947)، "أكابر"(1956)، "أبعد من موسكو ومن واشنطن"(1957)، "أبو بطّه"(1958)، "سبعون"(1959)، "اليوم الأخير"(1963) (*).‏ وسوى تأثير تولستوي، فإنّ أفكار بعض الذين كتبوا في مجال القصة القصيرة تتشابه أو تتطابق، أو هي أقرب ماتكون إلى أفكار دوستيفسكي (1821-1881) وأفكار تولستوي. ولكننا لانجد في محاولاتهم المستولدة سوى اشارات متقطعهة هنا في هذه القصة القصيرة اة تلك كما في قصص الدكتور يوسف ادريس الذي تحمس لو كتاب الاعمدة الصحفية المنتمين لأفكاره اياها . دون تمحيص وتدقيق وتجرد عن الانحياز الكلي الذي كان يشبه انحياز الشيوعيين لبيكاسو وادعائهم بأنه ما كان له أن يشتهر لولا انتمائه لحزبهم . وهذا ليس صحيحا تماما فقد كان بيكاسو معروفا قبل الحرب الثانية بعقدين من السنين وبالضبط منذ عام 1907م عندما وطئت أقدامه باريس. يكفي أن نتذكر ثورة أوبيليت- أحد شخصيات رواية "الأبله" 1868 لدوستيفسكي أو آراء إيفان - أحد شخصيات رواية "الأخوة كارامازوف" 1880 للكاتب نفسه. فكان تولستوي مؤمناً إيماناً حقيقياً، ويتبع جوهر الدين وليس قشوره. وناضل ضد الفساد، أينما كان في العالم المعاصر، فنضاله ضد الفساد نضال متكامل ولايقبل التفريط بجزء من أجزائه، أو بجانب من جوانبه، وأيقظت أفكاره الضمائر المخّدرة في كافة أنحاء العالم. أليس هذا الموضوع يشير بكل وضوح الى نجيب محفوظ . ؟ هناك عشرات الامثلة للمقارنة بين بدايات القصة القصيرة والرواية العربية وبين منابعها ومؤثرات تلك الروافد فيها. (*)

 

كان كتاب القص والرواية العرب الأوائل، على نوعية كتاباتهم السردية وبدائيتها المضمونية المسطحة، يسعون في أحلامهم البسيطة أن ترتقي نصوصهم مرتبة الى مصاف الروايات التي كانوا يقرأونها أويسمعون بمؤلفيها أمثال الكاتب السوفيتي الكبير مكسيم غوركي (1868-1936) (*)..

 

ولابأس من الإشارة إلى أهمية كتابات أمين الريحاني التي تتلخص في المحبة والعمل الإنساني وتقديم المساعدة للآخرين. وبذلك فإن نظرة الريحاني إلى الدين تتفق ونظرة (ليف تولستوي). فلقد صور (ريبن) الرسام الروسي الشهير تولستوي وهو يصلي في الغابة. فهذه اللوحة تدل على إيمان تولستوي بأنه يمكن الصلاة في الغابة، وكذلك كان يؤمن الريحاني الذي يرى أن اللهَّ هو المحبة. والدين هو الاستقامة والاخلاص والصبر والمعاملة. من آمن بالمحبة آمن باللَّه وهذه هي أعلى درجات الإيمان. ولكن الفرق الأساسي بين أمين الريحاني وبين ليف تولستوي هو أن الريحاني لم يكن متناقضاً مع ذاته مثل تولستوي ولم تكن في تعاليمه نقاط ضعف فهو يؤمن بمبدأ تطبيق العنف من أجل الوصول إلى الخير. فهو من أنصار الثورة. كتب في عام 1910 قصيدة بعنوان "الثورة"، نادى بقصيدته بالثورة وبالنصر، ومع هذا فقلد كتب عنه الاكاديمي كراتشوفسكي: "بأن المسائل الروحية والأخلاقية تهمه أكثر من المسائل الاجتماعية" (*) .و(قد كتبت الدكتورة آنّا دالينينا في مقدمة كتاب "النثر العربي المعاصر" وفي كتاب "النثر الرومانسي العربي" أن الريحاني يطالب بتحسين العالم عن طريق تحسين أخلاق الأفراد وعن طريق التعليم. ويذكرنا هذا بمواعظ تولستوي

 (*) .انّ معظم الأدباء وكتاب القصة والرواية في العراق والوطن العربي، هم من الشباب في خطواتهم الأولى وضمن تجربة جديدة عليهم أيضا . ينظر اليها في زمنها ووضعيتها وبيئتها. وليس من منظور ورؤية وزاوية وثقافة ووعي وحداثوية المرحلة القائمة.

(*)- الأفكار الفلسفية والغيبية والدينية والاجتماعية عــند تولستوي وبعض الكتاب العرب.

(*)- كانت الأمة العربية هي التي تبدع وتصدر إبداعها لشعوب الأرض قاطبة، فهي التي وصلت إلى إسبانيا، ونقلت تراثها الغني عبر اسبانيا إلى الشعوب الأوروبية ومن اسبانيا انتقل الفكر العربي إلى أمريكا اللاتينيه. أصبحنا نستعين بخبرات الأمم الأخرى الأدبية، فنحن عرفنا فن القصة القصيرة عند الكاتب الروسي انطون تشيخوف (1860- 1904) وعرفنا الفن المسرحي بعد حملة نابليون بونابرت على مصر 1798-1801، وبعد الاصلاحات الجذرية التي قام بها حاكم مصر آنذاك محمد علي منذ عام 1805 وبعد عودة الموفدين من الدول الأوروبية وفي مقدمتها فرنسا. وعرفنا الرواية بعد أن اطلعنا على الرواية الأوروبية. وصار لدينا أدباء نستطيع أن نفخر بهم. والسؤال الذي يحيلنا إلى صلب الموضوع، وهو (.. هل هناك تشابه بين أفكار تولستوي الغيبية والدينية وأفكار بعض المفكرين العرب مثل جبران خليل جبران 1883- 1931 وميخائيل نعيمه 1889- 1988 وأمين الريحاني ومصطفى لطفي المنفلوطي، والياس فرحات، ومظفر النواب، وعبد المعين الملوحي، وغيرهم. هل يعد التشابه من أبواب الأدب المقارن؟

(*) ويجيبنا عن هذا التساؤل الدكتور محمد غنيمي هلال الذي يعتبر بحق، من أكبر علماء الأدب المقارن في وطننا العربي حتى يومنا الحاضر، يكتب الدكتور غنيمي في كتابه الشهير "الأدب المقارن" "مدلول الأدب المقارن تاريخي، ذلك أنه يدرس مواطن التلاقي بين الآداب في لغاتها المختلفة، وصلاتها الكثيرة المعقدة، في حاضرها أو في ماضيها، ومالهذه الصلات من تأثير أو تأثر، أيا كانت مظاهر ذلك التأثير أو التأثر به سواء تعلقت بالأصول الفنية العامة للأجناس والمذاهب أو التيارات الفكرية، أو اتصلت بطبيعة الموضوعات والمواقف والأشخاص التي تعالج أو تحاكي في الأدب، أو كانت تمس مسائل الصياغة الفنية والأفكار الجزئية في العمل الأدبي...) (*)

 (*) - نعتبر الدراسة التي قدمها د. غنيمي لمقدمة تدخل في أحد أبواب الأدب المقارن.

(*) - لقد (عرف مصطلح الأدب المقارن في فرنسا أول مرة منذ عام 1827، بفضل فيلمان الأستاذ بجامعة السوربون، الذي أخذ منذ هذا التاريخ يستخدمه في محاضراته. ولقد ظهرت منذ ذلك الحين دراسات بعنوان تاريخ الأدب المقارن، أو التاريخ الأدبي المقارن.وهناك علاقة بين النقد الأدبي الحديث وبين الأدب المقارن إلا أن الأول يسعى للكشف عن القيم الفنية الكامنة في الأعمال الأدبية الإبداعية ويفسرها، ولايستطيع الناقد الأدبي الوصول إلى غايته إلا إذا كشف عن المنابع والمؤثرات التي انتقلت إلى الكاتب أو الشاعر من الآداب الأخرى ولما كانت الأعمال الأدبية الإبداعية بطبيعتها الفنية ليست تعبيراً مباشراً، وإنما يغلب عليها طابع الرمز، فإن هذا الناقد أو ذاك، يبيح لنفسه أن يعيد صياغة النص في لغة نقدية وبذلك يفك رموزه، وبهذا يصبح العمل النقدي عملاً أدبياً آخر، وبذلك فإن الذين يتشبثون بمصطلح "الأدب المقارن" يرون في الدراسات المقارنة عملاً إبداعياً يصح أن نسميه "الأدب المقارن.)

 

(2)- من تجارب الأدب القصصي المتميزة في العراق

- تجربة الناقد الباحث الدكتور عبد الاله أحمد:

كنت أقرأ الادب الروسي والواقعية في الأدب والفنون ونظرية الجمال عند بليخانوف وأبي حيان التوحيدي في الفترة التي كنت قد حضرت مناقشة رسالة الماجستير للباحث الاستاذ عبد الاله أحمد في القاهرة. واردت نشر مقالتي عنها، ولكن الكاتبة نجاة شاهين كانت قد هيأت متابعة رائعة (تعودت أن تنشرها في بابها الثابت) لمناقشة (رسائل جامعية)الماجستير والدكتوراه في مجلة المجلة المصرية في عهد رئيس تحريرها الكاتب القدير الاستاذ يحي حقي وكنت من كتاب تلك المجلة في الستينيات من القرن العشرين. وكان الناقد المتميز عبد الاله أحمد قد بحث في رسالته القيمة، (الأدب القصصي في العراق)، منذ نشأته، وبأنواعه المختلفة، وطبيعة المنهج الذي حاول فيه أن يجمع بين المنهج التاريخي والمنهج النقدي الذي يقيم هذا الأدب، ويضعه في مكانه الملائم من سلم التطور، فيحاول أن ينظر جهده إلى النتاج القصصي، نظرة نسبية، تسعى إلى أن تستوعب واقع الفترة الزمنية التي كتب فيها، ومستوى ثقافة كتابه، الذين تحكمت فيهم إلى حد بعيد طبيعة الظروف الموضوعية. وكان له شرف الريادة في ذلك.

لقد حدثت في تاريخ العراق الحديث، منذ الحرب العالمية الأولى، وحتى انبثاق ثورة الرابع عشر من تموز 1958، منعطفات ومتغيرات جوهرية، وأرست دعائم نظام وطني جديد. إلا أنها لم تغير كثيراً من واقع الثقافة والفنون. وهو أمر فرضه مضمون المديات الزمنية، لكي تتضح طبيعة المتغيرات التي تحدثها في المجتمع، وبالتالي لتتضح طبيعة نتائج المتغيرات التي تصيب الفكر والأدب فيه نتيجة لذلك. بل إن الأدب في العراق الذي نشر بعد الثورة، يمكن اعتباره امتداداً بشكل أو بآخر، للمرحلة السابقة. ويمكن تحميل أحداث الفترات اللاحقة، مسؤولية كاملة لما أصاب الحركة الأدبية من شلل وتوقف، استمر واضحاً منذ عام1961 وحتى منتصف الستينات، حين بدأ نفر من الأدباء الشباب، (الذي امتاز بالجرأة والصخب والادعاء)، يكتب لوناً من الأدب يختلف عن سابقه الذي كان سائدا منذ عام 1940،- واستمر طوال الأربعينات والخمسينات، وأصبحنا مهيئين لأن نتابع دراسة واقع هذا الأدب في العراق والوطن العربي في الفترات اللاحقة.‏

كان للدكتور الجليل الاستاذ عبد الاله أحمد، الدور الطليعي في جمع تفاصيل الموضوع المبعثرة في كتب، وفي أكداس هائلة من الصحف والمجلات.. لكنها بمجموعها أتاحت لنا أن نضع أيدينا على تصور واضح لمسار الأدب القصصي منذ الحرب العالمية الثانية، وطبيعة صفاته وخصائصه، لنستجلي واقع اتجاهاته الفكرية، وقيمه الفنية، وانتقاء النماذج الدالة منه لوضعها في مكانها من تاريخ هذا الأدب في العراق. ففي الكتاب الأول، الذي تناول فيه الدكتور عبد الاله أحمد فيه القصة الساذجة، وقف في الباب الأول منه عند أبرز الاتجاهات القصصية الأولى في تاريخ الأدب القصصي، وهما الاتجاه التقليدي، والاتجاه الرومانسي. وحاول في الباب الثاني أن يدرس الاتجاه الواقعي الساذج، بتوطئة وقف فيها عند جذور هذا الاتجاه بين الحربين، كما عكسها إنتاج أبرز كتابه محمود أحمد السيد، مبينا العوامل التي أدت بعده إلى انصراف هذا الاتجاه عن وجهته الفنية، إلى هذا اللون من الواقعية الذي يتجه إلى تحقيق هدف سياسي واضح، فكان أن درس في الفصل الأول من هذا الباب إنتاج "ذو النون أيوب" وهو القصاص الذي كان له أثره الكبير في انعطاف الأدب القصصي الواقعي في اتجاه الواقعية السياسية الساذجة في الأربعينات، متمما فيه حديثه الذي بدأه في نشأة القصة. ثم تابع بعد ذلك في الفصل الثاني رصد ملامح هذه الواقعية السياسية الساذجة كما برزت في إنتاج غيره من القصاصين. ثم حاول في الباب الثالث دراسة إنتاج أبرز القصاصين الذين ظهروا في الثلاثينات واتصل إنتاجهم القصصي بعد ذلك على قل منهم، في فترة البحث، وهم: أنور شاؤل، وشالوم درويش، وعبد الحق فاضل. ولقد اعتبر إنتاج هؤلاء القصاصين الثلاثة الذي تتوفر فيه الكثير من الملامح الفنية، من ممهدات الواقعية الفنية التي برزت بعد ذلك واضحة في الخمسينات. ووقف في هذا الباب بالإضافة إلى ذلك عند هذه المحاولات القليلة التي نشرت في الأربعينات، والتي اتصفت على نحو من الأنحاء، بالفنية، والتي اعتبرها بسبب ذلك تبشيراً بإنتاج الجيل الجديد من القصاصين الذي كتب القصة الفنية في الخمسينات.‏ وفي الكتاب الثاني، الذي تناول فيه القصة الفنية، حاول أن يمهد لدراستها بمدخل يبين فيه العوامل التي أدت إلى نهضة الأدب القصصي في الخمسينات، وطبيعة هذه النهضة. ثم وقف في الباب الأول عند سمات وملامح القصة الفنية في هذه الفترة، من خلال دراسته ثلاثة أمور أساسية. الأمر الأول: ملامح التقنية الفنية العامة كما ظهرت في إنتاج القصاصين باعتبارها السمة الأساس الأولى التي ميزت إنتاجهم القصصي عن إنتاج سابقيهم. والأمر الثاني: ملامح وسمات مضامين واتجاهات القصة الفنية. والأمرالثالث: الأعمال القصصية الطويلة التي لا ترقى لأن تكون رواية فنية حقة بالمعنى الذي حدده لها كبار نقادها. أما الباب الثاني فخصصه لدراسة أبرز قاصين، كتبا القصة الفنية في العراق في الخمسينات، وكان إنتاجهما يمثل أفضل ما كتب من هذا الأدب في فترة البحث، ويعكس أبرز سماته الرئيسة وهما: عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي.‏ وفي جميع دراسته لإنتاج القصاصين، الساذج أو الفني منه، حاول أن يعتمد جهد الإمكان، المنهج "الوصفي" الذي يسعى إلى الوقوف عند العمل القصصي، ليتعرف على خصائصه الفنية والفكرية، كما يعكسها هذا العمل بالضبط. لأن هذا المنهج، يتيح فهماً أدق لطبيعة الطرق الفنية التي استخدمها القصاصون العراقيون، كما يكشف عن مستواهم الفني، وما أضافوه من جديد في تاريخ هذا الفن في العراق، وهو في الوقت ذاته، يجنب الباحث امتحان إنتاج هؤلاء القصاصين بمنظور فني مستمد من إنتاج قصصي أكثر تطوراً، لا يمكن أن يتحمله دون تعسف كبير يجور عليه. ومن هنا كان استخدامه المباشر لنتائج الدراسات التي تناولت القصص الحديث، العربي أو العالمي، على أهميته، محدوداً، وبالمقدار الذي ورد في هذه الدراسات، مما ساعد على توضيح طريقة القصاصين في التعبير، أو نهجهم الفكري، أو يعمق الفهم لجانب أو آخر في إنتاجهم، أو يرفد بمصطلح دقيق في دلالته على مايمكن تحديده.‏ وكان بحث الدكتور عبد الاله أحمد بعد ذلك كله جهد مخلص حاول فيه أن يقدم تصوراً واضحاً لواقع الأدب القصصي في العراق في فترة قريبة من تاريخه. وقد أفاد الحياة الأدبية في العراق، بما يصل بين إنتاج السابقين وإنتاج المعاصرين، وقد نجح كثيرا حتى اليوم، في جهده ووضوح هدفه وامتداد تأثيره في مسيرة القصة والرواية في العراق. لمن سيبدأ قراءة ما تم اختياره وتدوينه وتحريره من مواضيع تتعلق بالقصة القصيرة والرواية في العراق وبعض الامصار العربية في مرحلة النشوء والتكون والمسيرة. هذا البحث لنصل الى حقيقة واضحة، وهي أن حصاد الإنتاج القصصي ذا القيمة الفنية والفكرية الحقة، محدود، خلال هذه الحقبة الطويلة من تاريخ العراق والعرب الحديث. ومنها القصص القليلة جدا للتكرلي وذو النون أيوب وعبد الملك نوري التي أعطى الكاتب فيها الناحية الفنية أهمية متميزة، فإن أغلب ما نشر من إنتاج قصصي آخر، قد احتوته سذاجة فكرية وفنية ليس فيها سوى اشارات تاريخية واهنة القيمة بسبب، خضوع مضامين القص باستمرار لمؤثرات خارجية أسهمت إلى حد كبير في تحديد طابع اتجاهاته الفكرية، وملامحه الفنية، وتداخل الاتجاهات الفكرية في الفترة الواحدة، وتداخلها في الوقت ذاته، لدى القاص الواحد، الذي لم يكن قادراً في أكثر الأحيان على أن يحد من أثر هذا العمل الأدبي أو ذاك –الذي يقرؤه- فيه، رغم أنه قد يتعارض في بعض الأحيان، مع موقفه الفكري المعلن. كما كان من مظاهرها الواضحة تفاوت مستوى إنتاج القاص الفني، وافتقاد ما يكتبه الرؤية الواضحة للحياة، التي تحدد موقفاً فكرياً يمكن تبينه. فضلاً عن ضعف الملامح المحلية الخاصة، مما يفقد أدبه الكثير من قيمته.).‏ولكنها تجربة وفقت في الخمسينات إلى تحقيق ملامح جديدة للأدب القصصي، نهضة فنية نقلته إلى واقع مغاير لواقعه في الفترات السابقة. وتتضح ملامح هذه النهضة في هذه التقنية الفنية التي حرص القصاصون على توفيرها لقصصهم، باعتبارها ضرورة لازمة للعمل القصصي، مما نلمسه في تنوع طرق عرضهم لمضامينهم، التي كانوا في بعضها رائدين، كما يظهر ذلك في استخدامهم طريقة تيار الوعي أو المنلوج الداخلي، منذ أواخر الأربعينات. وفي طبيعة اللغة القصصية التي استخدموها في هذا العرض، التي أتاحت لهم معالجة الكثير من القضايا الإنسانية العامة، على نحو لم نعهده في الأدب العراقي الحديث قبل هذه الفترة.‏) لكن القاص، لم يصل بهذه القصص إلى مستوى من الجودة الفنية، يجنبها مظاهر ضعف القيمة الفنية الحقة، التي مكنت الجيل الأخير من القصاصين الذي بدأ يمارس أفراده الكتابة منذ منتصف الستينات، من أن يكتب قصصه بلغة فيها الكثير من المرونة والرواء، فلا يعاني في محاولة تذليلها ما عاناه الجيل السابق، كما أصبح في طوقه أن يكتب في أشكال فنية أكثر تطوراً، وأن يدعي رفضه للأشكال الفنية التقليدية التي كتب فيها العديد من الأعمال القصصية العراقية في الخمسينات. مما يشير الى عدم انقطاع الصلة بإنتاج الأوائل، على الرغم من اكثار بعض شباب الستينيات، من المكابرة والادعاء. كان مسار الأدب القصصي في العراق، رغم ما شابه من اضطراب، يتجه في طريق متطور نام. لابد أن ينتهي يوماً، إلى تمكين الأديب العراقي، من أبداع أعمال قصصية، يمكن أن تسهم في إثراء الأدب العربي(المرجع: د. عبد الاله أحمد..)

(3)

نجد تاثير اسلوب الواقعية في الادب الروسي والأوروبي، على امتداد ثلاثة قرون، جليا ساطعا في تجارب رواد القصة العراقية والعربية، التي تقع ضمن توجه الواقعية بوظيفتها التسجيلية،أوالتحليلية.. ولكن(..ظلت التفاصيل الواقعية في القصة الاجتماعية الإصلاحية العربية رتيبة غير قادرة على استبطان الأعماق الداخلية للشخصيات، حتى باتت تتحرك غالباً بمعزل عن واقع التفاصيل . أما القصة الرومانسية فقد كانت تفاصيلها الواقعية تتحرك مع حركة العواطف الذاتية للكاتب الاجتماعي بصيغة حكائية تفتقر إلى عناصر جمالية وفنية وتقنية تقع في تركيبة ومعمار الشكل الفني ..). وشهد العقد الأول والثاني من القرن الماضي، تفاعلات الأساليب والاتجاهات السائدة في مرحلة نشوء وتحول مكونات المجتمع العربي . منعكسة في أعمال الرعيل الأول من كتاب القصة والشعر والأدب عامة والفنون التشكيلية. في معالجة قضايا المجتمع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وهذا ما أظهر لدى كتاب القصة القصيرة ميلا نحو تصوير الواقع، على الرغم من حداثة مثل هذا الفن المستولد عن الحكايا الأقصوصة والمقامة والف ليلة وليلة وابو زيد الهلالي وكليلة ودمنة وسوى ذلك من تقاليد القص الشفاهي والحكائي المتناقل من جيل إلى جيل في تاريخ الادب العربي والمجتمع. كل ذلك بات يشكل عوامل حقيقية أبعدت معظم كتاب القصة القصيرة في تلك الفترة الابتائية عن التوصل إلى جذور الواقعية الفنية معبرة عن كنه وطبيعة البداية التي توصف بفترة قصص الاتجاه الاجتماعي. ومثل هذه العبارات تشير إلى الجانب التسجيلي في صياغة الاقصوصة والحكاية والقصة القصيرة جدا، الذي لم يقم على رؤية ومواقف فكري جمالي فني، بل كان قائماً على التقاط عفوي لبعض المشاكل الجتماعية والفردية الجاهزة. لذلك يصعب انتقاء (العدد القليل من القصص والروايات والخروج بالنوع الروائي، الذي كان يشق طريقه بصعوبة في الثقافة العربية، من أسر الخطابية والوعظية المباشرة، ولم يستطع أي كاتب آنذاك من تقديم شخصيات مستقلة نسبياً تتحرك بحرية في فضاء السرد من دون أن يحس القارئ أن الكاتب يحركها بحسب مشيئته القاهرة ويوجهها من دون التفات إلى وظائفها الروائية..) .(*) وهذا ما جعل القصة شديدة الاضطراب، مصطنعين عملية الارتباط بالواقع اصطناعاً فطريا فجا. يلصقها جزافا بقصص الاتجاه الاجتماعي.دون أن تتميز بجوانب فنية أو فكرية محددة، ولم يظهر المضمون لا بشكل فني متماسك، ولا بلغة فنية ثرية موحية جديرة بالاهتمام. وفي غياب التمثل الحقيقي لمعنى الواقعية في القصة العربية، وفي ضمور الوعي والادراك بمفهوم الواقعية الفنية فإنه لن يظهر النمو والتحرك، وتبلور النزعة التي كانت سائدة للحكائية الشفاهية والوصفية المرتبكة خلال سنوات العقد الثالث والرابع من القرن المنصرم. وليس لرواد فن القصة القصيرة وتجاربهم ترنو نحو التطور الفكري والحضاري. (.. وهذا يعني أن الواقعية ترتبط بحركة المجتمع الذي تنمو فيه، وترتبط بقضايا التغير الاجتماعي والسياسي، وترتبط بقضايا الديمقراطية وكيفية بلوغها أيضاً.. فتتشابك تجربته الفردية بالتجربة الإنسانية العامة للواقع، كي يتسنى للأديب أو الفنان أن يمسك العناصر الجوهرية التي تحكم صراعات المجتمع، وتسير علاقاته الدائرة إذ أن (المبدأ الفكري الذي سري في صميم العمل الفني الواقعي يتطلب بالضرورة من الفنان أن ينظر بجسارة ودون خنوع إلى العالم، وذلك لأن حقيقة الحياة المعممة حقيقة الشخصيات تنهار إذا أحل الكاتب محل حقيقة الواقع بدائله، أو سمح بتفسير اعتباطي، ذاتي النزعة لمعنى الأحداث والظاهرات، ومضمونها) ولمعنى التغيير النفسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي.مع الأخذ بنظر الاعتبار الجوهري، (..التمسك بالغيبيات، والقيم التي توارثها من الأجيال الماضية، والتعلق بكثير من قواعد التفكير السلفية، وبخاصة حول وضع المرأة في المجتمع..) والأمة تعاني من قلق التغير الجديد المتلاحق الحاد والسريع. وليس من الصعب تلمس مظاهر التخلف في، المجتمع المحافظ، بمعاييره التقليدية المسرفة التي تحول دون بروز التفكير الواقعي، والمجابهة المنطقية . فهو يؤثر التمسك بالغيبيات، والقيم التي توارثها من الأجيال الماضية، ويتعلق بكثير من قواعد التفكير السلفية، وبخاصة حول وضع المرأة في المجتمع. وكان مجرد المطالبة بالتعليم الإلزامي للمرأة كفيلاً بإثارة رواسب المحافظة والتزمت العنيفة..و ظلت الطبقات الشعبية مغمورة بما هي عليه من تخلـف وفـقر وبـؤس، محرومة من فرص التعلـيم، ومعطيات التغـير الاقتصادي. ومن هنا كثرت التابوات وعناصر (الاغتراب) بأجواء القصة الواقعية القصيرة.. التي شاع فيها الخطاب اليومي الدارج، والخطاب الرومانسي الحالم، والمتحذلق المتعالم، وخطاب الشعوذة. (*)..(إن النوع الروائي يسعى، منذ تبلوره في القرن التاسع عشر، إلى التخلص من الرؤية المثالية للعالم واللغة، وينزع إلى تأكيد النسبية اللغوية وكذلك التاريخية، كما يرى ميخائيل باختين في فهمه للخطاب الروائي) (*) إن (الأمانة الذاتية عند الكاتب لا تستطيع أن تولد تلك الواقعية إلا إذا كانت تعبيراً أدبياً عن حركة اجتماعية عريضة، بحيث تدفع مشكلات هذه الحركة وقضاياها الكاتب إلى أن يلاحظ ويصف مظاهرها الأكثر أهمية، وبحيث تقوي من عوده، وتدعمه من جهة أخرى، وتمنحه القوة والشجاعة الكافية التي تخصب وتغني إخلاصه وأمانته) والواقعية لا تجد استقرارها ونموها إلا مع التطور الاجتماعي وصراع القوى الاجتماعية. بيد أننا نجد ملامح مغبشة لمشروع القصة الواقعية في العقد الخامس أكثر خصوبة من الناحية الفكرية والاجتماعية والسياسية، لنمو تجربة بعض كتاب القصة القصيرة ولاستفادتهم وتأثرهم بالتيار الواقعي البازغ في الأدب العربي الحديث والادب العالمي المترجم.) وهو (القدرة على نقل الرواية العربية من مرحلة البدايات وتلعثمها إلى عالم الكتابة الروائية الناضجة التي يتقن فيها الروائي استخدام تقنيات الكتابة الروائية. وكذلك القدرة على توظيف هذا النوع الأدبي الوليد في الثقافة العربية ..) (*) . وحدث هذا التحول أيضا في الشعر والمسرح والموسيقا والفنون التشكيلية. ونضجت تأثيراته في العقد السادس من القرن العشرين.. فالشاعر فوزي كريم ليس بعيدا عن والأمة التي تعاني من قلق التغير الجديد المتلاحق الحاد والسريع، فأراد أن يستولد من تجارب العقد السادس في روسيا ما يوحي اليه نموذجا متشابها في النزوع والاندفاع والمحاكاة تحت لافتات الواقعية الجديدة والحديثة والمتجددة. فهو يقول): في الستينيات كنا نقرأ أعمال دستويفسكي بهوس. داخل هذا الهوس لم نتوقف عند شخوص رواية "الشياطين" لنذعر. كانت تلك الشخوص كفيلة بأن تثير الذعر في قراء على هذا القدر من الشبه بها.. شياطين دستويفسكي هم ستينيو روسيا القرن التاسع عشر. جيل احتفى بـ "الفكرة العظمى" التي ورثها عن الجيل الأربعيني، وذهب بها، بطيش الأطفال الحمقى، الى أبعد مدى من التطرف.

 كانت ستينيات روسيا القيصرية، قبل قرن من ستينيات العراق والعالم الغربي، تضج بجيل يستحق ان يوصف بـ"الموجة الصاخبة" أو "الروح الحية" (*) فالثقافة مسيّسة لدى الجيلين بصورة تامة، وهوية المثقف تكمن في انتمائه العقائدي. والجيل منقسم بصورة حاسمة الى تيارين لكل منهما فروع، الأول يستلهم الغرب وحداثته بكل ما ينطوي عليه من تيارات فكرية وسياسية. والثاني يتشبث بالجذور القومية بكل ما تنطوي عليه من معايير وقيم. وكل منهما يدعي سعةَ الأفق، التي لا تضيق باستيعاب حسنات الطرف الأخر. ولكن تسييس هذا الميل الفكري يلغي أية إمكانية لسعة الأفق المزعومة، لأن الفكرة سرعان ما تتحول الى عقيدة عمياء. ورجل العقيدة العمياء، أو المبصرة، يلغي "الآخر" كوجود يشكل طرفاً لتحقيق الحوار. لأن رجل العقيدة ببساطة "لا يعرف إلا شكلين للتعبير: الحوار مع النفس، أو المحاضرة"،على حد تعبير أوكتافيو باث. انتشار الصحافة وفاعليتها في الوسط الثقافي عامة شبه آخر يجمع بين الجيلين المتباعدين، ودستويفسكي الروائي نفسه كان مسؤولاً عن مجلتين فكريتين: "الزمان" و"العهد"، وعبرهما كان كثير الجدل، كثير الخصام. وللتأكيد على قرابة الأدب والسياسة، كان يضع تحت عنوانيهما عبارة: "تعنى بالأدب والسياسة". وكان) الشبه الأساس الذي يظلل الجميع هو اندفاعتهم المتطرفة باتجاه الأفكار المجردة، دون التفاتة الى الواقع الأرضي، وإخضاع الفعل السياسي التاريخي المغير الى أهوائهم المبدعة في حقل العواطف والمخيلة. في "الشياطين" يقدم لنا المؤلف شخصية ستيفان الرئيسية كمثقف رائد لاحتضان رفعة الأفكار المتعالية على الانسان الزائل ابن الأرض. ودستويفسكي يقدمه بصورة هجائية ساخرة في أحد المشاهد الروائية الأخيرة: "الأفضل ان يمشي في الطريق العام، الأفضل أن يمضي دون أن يفكر في شيء. الطريق العام ... شيء طويل، طويل جداً، لا يرى المرء له نهاية، كالحياة الإنسانية، كالأحلام الإنسانية. الطريق العام يتضمن فكرة. أما جواز السفر في الطريق فأي فكرة يمكن أن يتضمن؟ جواز السفر نهاية كل فكرة...عاش الطريق العام، وعلى بركة الله..."(ترجمة الدروبي2/383). وعلى لسان أحدهم يتحدث عن الثوري شاتوف: "إن شاتوف واحد من أولئك الروس المثاليين الذي متى أشرقت في نفوسهم فكرة قوية كبيرة، بُهروا بها وتسلطت عليهم تسلطاً تاماً قد يدوم في بعض الأحيان الى الأبد، فلا يصلون يوماً الى السيطرة على هذه الفكرة التي أصبحوا يعتنقونها اعتناقاً عنيفاً. فحياتهم كلها تنقضي بعد ذلك فيما يشبه التشنجات الكبرى تحت وطأة تلك الصخرة التي سقطت عليهم ذات يوم فحطمتهم نصف تحطيم." كما يرد في نص (تهافت الستينيين) التالي: (*).

 (4)

(1) تهافت الستينيين - شعرا وقصا ورواية وفنا تشكيليا وموسيقيا ومسرحيا. اذ كتب الشاعر فوزي كريم في مقدمة دراسته التي ضمها كتاب (تهافت الستينيين) الذي صدر عن دار المدى، 2006 -عن) الهوة بين النص الشعري وخبرة الشاعر الداخلية ظاهرة عربية، امتدت من الشعر الجاهلي حتى اليوم. عرضت لها بتفصيل في كتابه "ثياب الامبراطور".، ولكنه يُعنى بوجوه أخرى إضافية من الظاهرة، وفي عصرنا الحديث بالذات. هذه الوجوه العصرية استجابة ليست متعافية لنشاطات الغرب بالغة الكثافة والتعقيد. محاولة منها لإشعار نفسها بالتكافؤ مع الغرب، وتجاوزه أيضاً. وبالتالي كراهيته وتنشيط فعالية العداء غير العقلاني له. وكما بدت الجملة العصرية مترجمة، وبدت القصيدة مترجمة، بدا الوعي الثقافي والأدبي مترجماً هو الآخر. قناع مورد بالأصباغ، يخفي الوجه الحقيقي الشاحب. هذا واضح في أصوات شعرية كثيرة، يمكن لقصيدة النثر أن تكون أوسع أوعيتها. وأصوات نقدية أكثر، تحت راية البنيوية والتفكيكية.(.كانت فورة الستينيين محاكاة، ولكن صادقة العواطف. وهنا يكمن موطن مخاطرها. لأن أهواءها الخيالية طمعت بأن تكون فعلاً، وفعلا سياسياً بالدرجة الأولى. قال هادي العلوي.: (..في الشعر لم أسع الى شعراء الظاهرة، بل انتخبت، في المقابل، عيّنات من شعراء الخبرة الداخلية. شعراء التيار الذي حفر مجراه ضيقا، ولكن عميقاً، الى جوار التيار الأغلب..(ضمن تيار ات تضج بجيل يستحق ان يوصف بـ"الموجة الصاخبة" أو "الروح الحية" (1).

الصوت الستيني: "كنت انتمي الى الحلم بفردوس سوف يعم يوماً ما العراق والوطن العربي والعالم، معتقداً ان الثمن المدفوع في الحاضر هو ضريبة الوصول الى ذلك المستقبل."(2) . ما يثير الذعر يكمن في جملة "الثمن المدفوع في الحاضر". الثمن العراقي المدفوع كان باهظاً، ولكن لم يحظ بكاتب يملك ضمير دستويفسكي اليقظ، ليرقب ويعري "الشياطين" التي قبلت بدفع الثمن الباهظ من أجل حلم لا سبيل الى تحقيقه. روسيا حظيت بدستويفسكي، وابتلينا نحن بالكاتب الثوري الذي يرقب الظاهرة ليمنحها، بمزيد من العواطف والخيال، شرعية وطأتها كالصخرة. يكتب سامي مهدي في تاريخ هذه المرحلة ليؤكد أن الأكثرية من كتاب الستينيات كانت تنتمي لتنظيمات حزبية، وأنها منيت بانتكاسات سياسية ونفسية لم تؤد بهم الى مراجعة النفس والحكمة بل الى ميول وأهواء فكرية أكثر تطرفاً. "فكان أن تسللت إليهم، بدرجات متفاوتة، الأفكار الوجودية والعدمية والتروتسكية والفوضوية، حتى أن نفراً منهم أعاد الاعتبار لتروتسكي وأفكار الأممية الثانية. وحين تألق نجم الجيفارية صار أرنستو تشي جيفارا بطلاً محبباً لدى أغلبهم، وراحت صور مقاتلي الجبال والأدغال تداعب مخيلاتهم، بل كان بعضهم يحسد الكاتب ريجس دوبريه على ما وصل اليه من شرف...وحين انفجرت أحداث أيار 1968 في فرنسا كان هناك من عثر على بغية أخرى، فصار أبطال هذه الأحداث من النجوم التي يتطلع إليها... كان أكثرهم يبحث في هذا الخليط المتنافر من الأفكار عن خلاص ما غير الخلاص الذي وعدتهم به الأحزاب التي كانوا ينتمون إليها. بل كانوا يبحثون عن مصداقية تسوغ لهم خروجهم من تلك الأحزاب، فراحوا يستقصونها في كل ما يُطرح من النظريات والأفكار والأساليب الكفاحية الجديدة، وكانت دور النشر في لبنان تلبي هذا النوع من الحاجات بحساسية تاجر عريق. فليس مستغرباً، والحالة هذه، أن يظهر بينهم من يتنطع بالتنظير للكفاح المسلح، ويختار له زاوية في مقهى يقصدها بضعة مريدين يلبون حاجة من حاجاته النفسية، ويشاركونه التفكير بمستقبل البشرية المعذبة، ويتعاطون معه نوعاً من أنواع المخدرات..." (*).

 (2) الشياطين" رواية ذات أفقين: أحدهما سياسي يعالج أزمة تطرف العقائديين الستينيين في روسيا القرن التاسع عشر، الذين قاربناهم مع أزمة ستينيينا في القرن العشرين، والآخر ميتافيزيقي، ينصرف فيه دستويفسكي الى معالجة قضايا كبرى كالخير والشر، والله، والحرية.

كاتب آخر معاصر لدستويفسكي، ولا يقل شهرة وموهبة عنه، هو تورجينف، عالج أزمة تطرف الستينيين وانصرف لهم وحدهم في روايته "آباء وأبناء". والموقف منهم فيها أكثر عقلانية وموضوعية من موقف دستويفسكي، لا بل يبدو موقفاً حانياً، ولكن غير متعاطف. الأمر الذي يعكس شخصية تورجينف ذاته، مقارنة بشخصية دستويفسكي الحادة، المعتمة، الموسوسة. ومن أجل مزيد من إضاءة ظاهرة ستينيينا رأيت أن أعود الى جذور التطرف اليوتوبي لدى الشبيبة المثقفة، التي يحلو لها ان تختلق حلولاً وهمية للإنسان والمجتمع والعالم والكون، كما رأيناها في لغة فاضل العزاوي، وتحاول جاهدة أن تدفع الناس إليها داخل مخاضة من الدماء، محتفظة لنفسها بحق ارتقاء الناصية الآمنة للمراقبة. حدث هذا في القرن التاسع عشر في روسيا، وفي ثلاثينيات القرن العشرين، وفي ستينياته.

تحدث "التحولات الحاسمة في التاريخ، عندما تبدأ أشكال الحياة ومؤسساتها تعوق وتلجم القوى المبدعة الأكثر حيوية في المجتمع ـ القوى الاقتصادية، والاجتماعية، والفنية، والثقافية ـ ثم لا تقدر على مقاومتها أمام نظام اجتماعي كهذا تتحد الجماعات والأفراد من كل الأنواع والطبقات. حينها تشيع الاضطرابات (الثورة) إنها تتوقف. أو تواصل دون يقين. ولكن في روسيا، من ستينيات القرن التاسع عشر حتى ثورة أكتوبر 1917، أصبح هذا الشعور القاسي المربك، الذي تعمق عبر سنوات الاضطهاد والرعب، حالة مزمنة، وتعمداً للأذى لا يتوقف ضد الشريحة المتنورة من المجتمع الروسي. (ويواصل برلين عن تورجينف: "... إن هؤلاء الذين مازالوا يظنونه فناناً غير ملتزم، مترفعاً عن المعترك العقائدي، ربما يدهشون لمعرفة أن ما من أحد في كل تاريخ الأدب الروسي، أو ربما الأدب عامة، قد تعرض لهجوم ضار ومتواصل، من قبل اليسار واليمين مثل تورجينف.)

 (3) - كانت النزعة الراديكالية لدى القلة من المثقفين باتجاه اليوتوبيا علامة فارقة للجيل الستيني في روسيا القرن التاسع عشر، ولقد انتظرت مئة سنة لكي تعاود الظهور لدى ستينيي الغرب في القرن العشرين. ولا بأس أن تجد من يمثلها لدى ستينيي العالم الثالث، في محاكاة ألفناها في حياتنا الثقافية طوال القرن العشرين. إلا أن السنوات بينهما لم تخل تماماً من نزعات تسعى الى اليوتوبيا أو تستلهمها من بعيد. حدث شيء من هذا في الثلاثينيات بين مثقفي إنكلترا، ولكن على الطراز الانكليزي الميال الى الاعتدال، بسبب اختلاف الدوافع والظروف. كانت حصة الشعراء بين المثقفين هي الأكبر، وكان أودن في موضع القيادة. ومن يراجع أوراق جيل الأربعينيات والخمسينيات من الشعراء العراقيين لابد وأن يعثر على ذات الرغبة بالمجاراة، باسم التواصل الأممي. فأسماء أودن، ستيفن سبندر، ماكليس، دَيْ لويس...كانت في متناول اليد. ولقد استبعد حينها جورج أورويل علناً، وأُلحق بالقائمة المشبوهة السوداء. كما استبعد سرّاً كل التحول الدراماتيكي الذي حل بأودن وجيله باتجاه المحافظة والدين، بعد الحرب الأهلية الاسبانية مباشرة.

 يتبع / الجزء الثاني من ثلاثية الأحزان رقم 28

----------------------------------------------------------------------------

 

 



ثلاثية أحزان القصب تأليف شوكت الربيعي- القسم السابع والعشرون- صحيفة المثقف- 4/ 9/ 2008م -

ثلاثية الأحزان (27)

أرسل لصديق
شوكت الربيعي – المثقف   
Thursday, 04 September 2008

الكريات الزجاجية

 غادر جميع أصدقائي قاعة المعرض.. انفض اللقاء الصحفي وانتهى الحوار، وسافر بعض الأحباب، وأنا الآن أشعر بالوحدة.. شعور احتواني فجأة،

ولم أتبين دوراته في ذاتي.. وحيداً أخوض تجربتي الأولى بلا ضفاف. تأبطت مخاوف الوحدة. تأبطتني هي. أنا وظلي سرنا معاً على امتداد الأهوار في لوحاتي المصلوبة آنذاك على جدران الصالة مع أزمان اللحظات الخامدة على ألوان سطح التجربة.. أول تجربة بالألوان المائية عام 1963عرضتها على سياج مدرسة العرفان الريفية التي تتذكر جنوني حينما انتزعت أجفاني ووضعتها فوق أسنة القصب والبردي. ثم نثرتها فوق مسطح أهوار الروح خوفاً من نفسي، فتكسرت ما بينها موجات الأجساد الزجاجية، لينفصل كل منا عن ظله، ويأخذنا حنين التوحد فنتجسد في تفاحة آدم هابطين إلى أرض اللذة وقد تلبسني وهم الأمل في أن أكون سيد ظلي، أمد جذوري بعيداً في أثير مرآتي المعتمة، ولكن هيهات أن تأتي الحكمة بعد الطوفان.

أين مني تلك الكريات الزجاجية التي احتوتها تفاحة حواء.. هذا ما كانت تردده باستمرار فريال.. فكانت كل كلمة تتفوه بها وكأنها مجتزأة من كبدي. وكل جملة وكأنها أحلام مبدع رقيق.. أبيات شعر تنسل عبر أذنيّ، بلسماً لجروح ذهني المتقادمة. فكانت فصاً ماسياً يشع نوراً من الوجد الملهم الذي يجعل من كل شيء نلامسه، حياةً بأكملها.. آه. يا لتلك اللحظة التي لا أستطيع مقاومتها، جعلني جسدها الأبيض الذي أخترق شعاعه نسيج ثوبها الشفاف، أمتلك دفق ابتهاج الرجال العظماء الذين سكبوا (ماء الحب) في لحظة واحدة، اعتصروا مجمل سنوات أعمارهم في غيبوبة الهزة اليتيمة.. لم أكن أعرف شيئاً واضحاً عن هذه الرعشة وبهذا النور المبهر من قبل.. لم تكن هزة انفعال أو رغبة عابرة، أو هي إثارة مباغتة على حين غفلة.. كلها انبهار والهام مدهش عصيّ عن التبرير.. كانت أول صيحة للقلب الظامئ، وهو يغرق بثمالة خمر الحلم. فانغمر بانفعال الحنان. كانت تلك هي اللحظة الأولى التي انتشيت بها، هامساً لنفسي: " أصبحت عاشقا "  يثملني الحب، فأنغمر بالسعادة الملونة بالذهب، وبألوان وعطر القداح والياسمين و" الكاردينيا".. أنها ألواني ذاتها. ريشتي إياها، الحيوية نفسها، التي أرسم بها، وأذوب بها، عبر لحظات رسم الجسد البض الرقيق، كالسكر في الماء.

وكما في الرسم، أعود الى اللوحة البيضاء مشتاقاً، فأراني مشتعلاً في إيابي إلى تأملها، وهي تنضو الملابس عن جسدها، وقد انغمر بالضوء، كما أغوص أنا الآن بالرسم، لأواصل معها مناجاة روحي ولوحتي.. هل هي غواية الجسد أم الروح؟ أنني مقتنع بهذا الإحساس، إذ لم أستطع السيطرة على توازني.. وغدوت مخدراً لا أقوى على الحركة. ولا أمنع تصاعد إعجابي المنذهل بها. تصاعدت الرغبة في احتوائها إلى أقصاها.. كانت هي في تلك اللحظة تتوجه إلى الحمام مرة أخرى.. تحركت باتجاهه وامتدت يدها إلى مقبض الباب.. استغرق ذلك لحظات خاطفة جداً، سمعتها تقول شيئاً ما، لم أدرك معناه، لم أكن أعي أي شئ. فكأنما حدث انقطاع حاد ومفاجئ في جهاز مخي الأيمن، وفي تلقي أي شئ. كنت أرى شفتيها تتحركان، كانت تقول شيئاً ما. ولفرط ما هي عليه من استغراب، كانت عيناها مندهشتين. كنت في الضفة الأخرى منها ومن الأشياء ومن العالم المحيط بي، كأنني تناولت كمية من الحبوب التي تبطئ عمل المخ في تلقي الحقائق والاستجابة الفورية. كانت قوة الجسد هي التي تعمل غريزياً في خيالي وتفجرت اللحظة حمى. وبقيت ألهث كعادتي بسبب تورم الغدة الدرقية، وازداد ضغطها على القصبة الهوائية مما جعلني أتنفس بصعوبة وباحتقان ولا يزال ماء "الدش" يهطل مطراً دافئاً يتطاير منه رذاذ من البلور على عينيها المنغلقتين على الشهقة التي طهرتها من أدران الحياة. وكنت أنا أمارس ضغطاً شديداً في الخيال، على الأفكار التي تخنقني الآن بفعل قوة الجسد التي تعمل خاسرةً هذه المرة.

معرض طلبة وشباب العالم في ببغداد عام 1959

 سرح خاطري، وتركزت عيناي في نقطة برّاقة، كأن لها لمعان الماس في "موزائيك" الغرفة الشاحب الاخضرار. وكان يحيط بتلك النقطة لون أخضر داكن كلون الصدأ، أو كحافات أنهر البصرة الفرعية. وهي أرضية اللوحة ذاتها التي رسمتها لها بعد لقائنا الأول في المعرض العالمي لطلبة وشباب العالم الذي أقيم ببغداد عام 1959، وقد اشتركت فيه بعرض لوحة واحدة عن "صرائف" الفقراء في أهوار العمارة. كما عرض معي ماهود أحمد ومحمد مهر الدين وفلاح الجواهري وسعد الطائي وراكان دبدوب وسعدي الكعبي وسواهم كثير..

اتفقت معها على موعد أخر في مكتب جريدة " المستقبل " الكائن في شارع المتنبي. وكان  رسمي العامل  المحامي، رئيس التحرير، هو الذي اختارني من بين الذين تقدموا للعمل معه، محرراً للصفحة الفنية براتب قدره ديناران في الأسبوع.. ومن هناك خرجنا إلى سوق السراي نتجول بين المكتبات لشراء الكتب والمجلات القديمة. وبخاصة مكتبة الأديب، التي كنت أشكو إليها، زماناً فيه قد تاه الأديب ..وبعد زيارتنا للمتحف العراقي القديم قرب جسر الشهداء، شاهدنا معاً فلم "صراع المقيدين. لسدني بواتيه وتوني كيرتس". وتجددت لقاءاتنا حتى غدت ألفةً يومية.. وكانت تحضر إلى مواسم الربيع التي تقام في معهد الفنون الجميلة كل عام. وتشاهد المسرحيات التي تعرض خلال تلك الاحتفالات. وكنت أرسم بعض ديكورات الأعمال المسرحية، فوق مساحة " مسبح المعهد "، بتكليف من الفنانين بهنام ميخائيل وجاسم العبودي وجعفر علي وسعدون العبيدي، وكان قد تخرج مؤخرا من لندن.   ومن المسرحيات التي نفذتها مع زملائي الآخرين هي: (ثم غاب القمر، وطبيب رغماً عنه، والبخيل وهملت..). وقد شاهدني أستاذي الكبير عميد المسرح العراقي (حقي الشبلي) بهيّ الطلعة طويلاً جميلاً ممشوق القوام، فاقترح عليّ أن ارتدي ملابس "يوليوس قيصر" وأقدم باقة ورد كبيرة باسم الفنانين العراقيين إلى السيد رئيس الوزراء، (عبد الكريم قاسم) حينما حضر افتتاح آخر مهرجان أقامه معهد الفنون الجميلة عام 1962.

كان الصديق الرسام "فلاح الجواهري"، من بين الحاضرين، (عاد للتو من موسكو في زيارة خاصة لعائلته). وقد توطدت علاقتي به على نحو حميم. وكان قد نشأ في بيئة أخلاقية وسط عائلة دينية متنورة. وفتح عينيه على تلال متراكمة من موروث الثقافة العربية الإسلامية المتجذرة في شعاب وسهول وجبال وأهوار الوطن، وفي نور الشعر وتوتره، وفي عمق أسرار الحرية ورحابها المقدس..

كان أبوه، الذي ولد على عتبة العام الأول من هذا القرن، آخر الشعراء العرب الذين أنجبهم العراق، منذ مبدعي المعلقات السبع الذين كانوا يعلقون نفائسهم وارتعاشات قلوبهم على جبهة الشمس، وحتى آخر الحالمين من صفوة الشعراء الشباب المحدثين المتوهجين المتحمسين.

 

شبّ الفتى الصغير (فلاح) وهو يضيف كل يوم إلى ملاحظاته البسيطة في الحياة، ما جعل قلبه يرتعش رقيقاً عندما يبصر أباه الشاعر الإنسان، فيراه جبلاً يأخذ معه أشواقه وروح نشوته نحو كبد السماء مثل (طائر الشوف الأصفر) الذي يحلق فوق أعلى قمم العالم.

كان يراه هكذا جبلاً رخامياً شاهقاً، لهذا لجأ إلى الرسم ليتوازن مع صراعه الداخلي إزاء عقدة الأب. وقد انتهى لوضع تبرير بسيط لاستسلامه أمام تلك العقدة بالانكفاء إلى الفنان في داخله، فطوّر نفسه وبلّور إمكاناته في الرسم بعد عودته إلى العراق وتعيينه طبيباً في البصرة. حمل فلاح لوحاته التي أنجزها بعد زواجه، إلى قاعة نقابة الأطباء العراقيين في بغداد ليقيم معرضاً شخصياً فيها ويحصل على زمالة دراسية داخلية للدبلوم العالي للأشعة في مدينة الطب. واستطاع أن يصدر عددين من مجلة " فنون "، وهي أسبوعية جامعة، يعاونه فيها الشاعر حسب الشيخ جعفر والرسام ماهود احمد والشاعر عبد الأمير الحصيري..

كنا أصحاب فكرة إقامة معرض (المعركة) وكنا نجتمع في مكتب المحامي الرسام حميد العطار. وكان يحضر اللقاءات أيضاً كاظم حيدر ومحمد مهر الدين وضياء العزاوي وماهود احمد. كنا نتوزع مهام تنفيذ فكرة المعرض، أخذنا (أنا وفلاح الجواهري وماهود أحمد) المسؤولية الإعلامية في الصحف والمجلات والإذاعة والتلفزيون وتولى مهر الدين تصميم وطبع بطاقة ودليل المعرض، وكنت آنذاك أعمل مدرساً للفن في معهد إعداد المعلمين في العمارة، وعائداً للتو من زيارة إلى تركيا استغرقت شهراً واحداً. ومنذ ذلك التاريخ تواصلت لقاءاتنا واستمرت نشاطاتنا المشتركة، سواء في بغداد أو في البصرة، حيث استأجر (فلاح) بيتاً لعش الزوجية إلى الجانب الشرقي من بيتنا في محلة نضران.. وأصبح هذا الفنان المقلق المتمرد، أباً لثلاثة أطفال؛ (زهراء وفرزدق وعمار) وافتتح له عيادة في آخر منعطف للسوق الكبير قرب (جسر الخندك) الذي يقع على طرفه الغربي منزل عائلة صديقنا المشترك (محمد راضي) وبينهما يسكن الفنان (علاء بشير) الذي كان أستاذاً في الكلية الطبية وطبيباً في المستشفى الجمهوري في البصرة. وعملنا مع بقية زملائنا التشكيليين البصريين على تأسيس نقابة الفنانين وجمعية التشكيليين بحضور الدكتور خالد الجادر الذي كان نقيباً للفنانين ثم أميناً عاماً لاتحاد الفنانين التشكيليين العرب.. وكان لولب هذا النشاط الكاتب الصحفي (إحسان وفيق) الذي أصدر كتبه الرائعة: الموت والشاعر، رسائل إلى ابنة الشمس، للأطفال أن يحبوا، الانتظار عند العشب، تلك النيران الزرقاء.. وسواها من القصص والروايات. وكان في الوقت نفسه مديراً لتلفزيون البصرة، أسهم بنقل خدماتي للعمل معه رساماً لبعض الديكورات البسيطة.. وكنت أقوم بإعداد وتقديم البرامج السياسية والثقافية والفنية بخاصة.وبعد انتخابي رئيساً لجمعية التشكيليين العراقيين في البصرة لدورتين متتاليتين، تم انتخاب فلاح نائباً للرئيس. وضعنا منهجاً ثقافياً وفنياً شاملاً للمعارض السنوية والشخصية والمشتركة في البصرة، ونقلناها إلى بغداد، حتى بلغت تسعة معارض.. يضاف إليها معرض مهرجان المربد الشعري الأول.. وكان الدكتور قتيبة الشيخ نوري رئيساً لجمعية التشكيليين العراقيين في بغداد في الفترة التي كنت فيها رئيساً للجمعية في البصرة.. وكنا نعقد لقاءات ثقافية ونجري مناقشات فنية ونلقي المحاضرات ونسعى إلى تأسيس متحف للفن الحديث وكرمنا الفنانين الرواد ووجهنا الدعوات إلى فناني بغداد لإقامة معارض شخصية لهم على نفقتنا الخاصة. كنا شعلة متوهجة في الفن العراقي.

كان فلاح الجواهري لا يكف عن الرسم في البصرة، حتى انتقاله للعمل في مستشفى الإشعاع الذري في بغداد، ومن ثم العمل طبيباً في مستشفى الكندي، حيث أقمنا على إحدى قاعاته معرضاً مشتركاً على هامش مؤتمر طبي. وفي هذه الفترة، ازداد قلقه وتنوعت معاناته، فما كان يخشاه بالأمس قد وقع بالفعل.. وكان طغيان الضجر والسأم والملل في حياته اليومية قد وضعه في زاوية حرجة متعبة. ألم يكن لهذا الفنان المقلق من هدنة مع ذاته ولا لقلقه من حدود؟ ولكنه يبدو في رقة مشاعره وحساسيته المرهفة وعنفوان حبه وتأججه العنيف، انه يخفي في أعماقه لهيباً مقدساً من الإنسانية وفي داخله عملاق من الخوف والشك إلى جانب طفل يتقاسم داخله أو أعماقه في أحزان وأفراح روحه.. (أناني)، يلهو ويلعب ويضحك ويبكي ولا نهاية للعب الطفل ولا سعة لعقل المفكر والتروّي فيه أبداً.

تميزت بعض لوحاته التي أنتجها في البصرة بألوانها البنفسجية الحزينة وبمساحاتها العريضة المنفتحة البناء، فكأنما كان العالم الرحب لا يتسع لحزنه وآلامه إلا في عمق اللوحة.. اللوحة التي رسمها لوجهه عشرات المرات لم تحقق ما في أعماقه من خوف وقلق على مصيره المجهول.. ولكنه يجد راحته في رسم نبات (الصبّير) والصحراء وجذوع الأشجار المتيبسة ويجد سكينته في الألوان المائية. شيد لعائلته الصغيرة بيتاً يسكن إليه في الطريق إلى أبي الخصيب. وكان أمام منزله ضريح لأحد المجتهدين في الإسلام يدعوه الناس (مقام خليفة) يزار في أيام الجمعة والأعياد الدينية.. وقد رسم لهذا المرقد عدة لوحات زيتية ومائية وتخطيطات من زوايا متعددة ومساقط مختلفة مما ساعده كثيراً على استعادة جزء من توازنه مع نفسه وحياته الشخصية.. كانت له آراؤه الخاصة ومواقفه المتفردة بحيث أن كل واحدٍ من زملائه الفنانين والأطباء على حد سواء، لم يعتبره موالياً ولا نداً ولا نقيضاً له.

كان يتأمل لوحاته كثيراً ويدقق النظر فيها قبل عرضها. فكم مرة كان يباغتني بالمجيء إلى مرسمي وقد حمل معه لوحة أو لوحتين من رسومه الجديدة. وكانت لوناً وشكلاً وتعبيراً أقرب ما تكون في عنفوانها، إلى لوحات فان كوخ وحرارة ألوان جوجان.. وكان يتصل بي هاتفياً في ساعات متأخرة من الليل وأحياناً يخابرني الساعة الخامسة صباحاً ليعلمني بأنه قد أنجز لوحة جديدة وأنه سيجبلها لي لأشاهدها ونناقشها معاً. وكان في أغلب الأيام التي يواصل الرسم فيها، ينسى ارتباطاته بعيادته الطبية ولا يذهب إليها لانغماره في الرسم.. وكنا سعداء معاً بهذه المتعة الرائقة.

كان يرسم للرسم ويخطط للتخطيط ويعشق الألوان المائية فيرسم بها ممّا أكسبه صفة خاصة متميزة.. ليس هناك غرض محدد من ممارسته الرسم، سوى اللعب والمتعة، ولا يبحث من ورائها عن بريق الشهرة الذي سينسى في اليوم التالي.. ولا يعطي لمعنى الطموح أية أهمية. كان طموحه الفني أن يرسم ما يراه يستحق البقاء وعناء الخلق، وأقرب إلى حوار الروح والرؤيا، فكانت رسومه المائية أجمل لوحات رسمها طيلة ثلاثين عاماً مضت من الممارسة والتجربة، في صياغة ينطلق بها من التعبيرية إلى الرمزية فالواقعية الإشارية، بألوان شفافة منغمرة بضوء الشمس الحارة.. ذلك لأنه بدأ حياته الفنية بالرسوم المائية..

كان يدين لبعض أصدقائه، في شغفه بالرسم بالألوان الزيتية، ضمن مراحل متلاحقة وتجارب متواصلة، تعرف خلالها على تجارب فنانين كبار خاصة في الأعمال الخالدة للفنانين السوفييت الذين يدين لهم في فهمه للوحة الفنية ومنهم أولئك المبدعين من فناني الطبيعة والإنسان. ولكن (فلاح) كان شديد الوفاء للرسم المائي، لاقترابه من مشاعره وعواطفه الشفافة الرقيقة، ويتناسب مع موهبته التي تتطلب سيطرة تامة على المادة، وسرعة في التنفيذ التام المتناسق. قادته هذه الممارسة إلى خلق سمات مشتركة بين معالجات الموضوع بالمائية وصياغتها بالرسم الزيتي على الرغم من التباين الشديد بين معالجة وتقنية نوعيتي مواد الرسم: (المائي، الزيتي). ويكمن ذلك بالمقدرة التقنية على نقل اللون بضوئه الطبيعي وحساسيته البصرية في اللحظة الأولى التي يتولد عنها الانطباع المنزه عن الغرض، سوى قصد الجمال، ودون أن يكون الفن مجرد وسيلة لنقل الواقع بطريقة عفوية. وقد يصل إلى مثل هذا النضج الفني بعد فترة لاحقة، على الرغم من تباعد المسافات أو تقلصها في الزمن الفني من تجربة لأخرى نوعاً وأهميةً طوبوغرافية لمسيرته العامة. أن نظرته التأملية للفن تعني حريته الشخصية إزاء العالم الخارجي. وهو لهذا السبب يجعل تجربته ذاتية مقدسة. لا يعني فيها إلاّ تواصله المتأمل لتجربته المتصلة بحياته الخاصة. تجربته الفنية التي تضغط بتوترها الدائم على أدواته اللونية فتحيلها وهجاً من الانفعال المقلق. وقد عاش خمس سنوات في السويد ثم انتقل ليعيش في جنوب فرنسا. حيث يقيم معارض شخصية في "كاليري" خاص.

غراس  الأمل في  حرية الروح

كنا في صباح الثاني من نيسان عام 1975، في مطار بيروت. اتصلنا بالشاعر الكاتب "بلند الحيدري"، وكان آنذاك يعمل رئيس تحرير مجلة العلوم التي كنت انشر فيها بعض مقالاتي.. تحدث نزار سليم معه واخبره عن سفرنا إلى وارشو، بينما كنت منشغلاً بارتشاف القهوة التي لم نستطع الحصول عليها فيما بعد في مطار جنيف، حيث تأخرنا مدة ساعتين، حدثني نزار سليم عن خفقة الطين. ديوان بلند الأول، هو إصدارات الرعيل الأول في العام 1946، وهو ليس أوراق اعتماد شاعر واحد في دنيا الحداثة فحسب، بل إنه وثيقة رياديّة لرعيل كاملٍ، بل لحركة الحداثة برمتها.. حيث ان المجموعات الشعرية الأولي بدأت تتالي بعد هذا التاريخ، إذ صدر ديوان: عاشقة الليل لنازك الملائكة في أوائل الشهر الثالث من العام 1947 ن بينما تأخر صدور ديوان السيّاب الأول إلي أواسط العام نفسه صدر في الوقت الذي وضع فيه بلند رجله علي اعتاب العشرين من عمره! رغم ان اترابه جميعاً من مواليد 1926 حيث تمت تسمية هذا العام بعام العبقرية العراقية كما يقول فضل النقيب.. يمكن اعتبار بلند الحيدري علي الرغم من دوره الريادي شاعراً تجريبياً أيضا، إذ ظل يكتب القصيدة العمودية، بالاضافة إلي كتابته لقصيدة التفعيلة، إلا انه يرفض قصيدة النثر، وإنها برأيه (ليست اكتشافاً، فسبقتها كتابات أبي حيان والنفري)

 إن نزعة التمرد دفعته للعمل ذات مرة كاتب عرائض أمام مبني الوزارة التي يرأسها خاله بل أن غلو هذه النزعة د فعه ليفتتح مقهي لجماعة الوقت الضائع، يلتقي فيه الأدبا