مرحبا بكم في موقع الفنان والناقد التشكيلي شوكت الربيعي @ اطلعوا على كتاباته ولوحاته الفنية ومواضيعه الصحفية الفنان والناقد شــــــــــــوكت الربيـــعي - مدونة الفنان والناقد شــــــــــــوكت الربيـــعي - مدونة

الفنان والناقد شــــــــــــوكت الربيـــعي

ثلاثية أحزان القصب تأليف شوكت الربيعي- القسم التاسع عشر- صحيفة المثقف- 21/ 8/ 2008م -

2008/8/21 .. 0 التعليقات .. رابط

ثلاثية أحزان االقصب (19)

أرسل لصديق
شوكت الربيعي   
Thursday, 21 August 2008 المثقف

روح الأمكنة وأنفاس الشغف

كان عدد من الفنانين في بريطانيا وروما قد بدأوا في الخمسينيات، والستينات من القرن الثامن عشر، برسم مواضيع تتعارض مع الذوق المتزمّت،

وتتضارب مع المواضيع التاريخية الكلاسيكية والأسطورية للفن المجازي التقليدي. وفضّل هؤلاء الفنانون الأفكار الشاذة والمثيرة للعواطف، أو المواضيع الملحمية النابضة بالحياة.‏ كما وضحوا صورهم برسم تخطيطي مؤثر من خلال التباين بين النور والظل.‏ وهناك من رسم صوراً تمثل مناظر ريفية رائعة تثير الإعجاب.‏ وفي فرنسا، رسم كبار الرسامين الرومانسيين الأوائل لوحات درامية لأحداث عاصرت حروب نابليون ومشاهد للألم والمعاناة أو البطولة الفردية. أوالمواضيع الغريبة في لونها وطرازها.  وفي ألمانيا، اخذ اسلوب الرسم شكل اللون الرمزي والمجازي أو شكل المشاهد الطبيعية الصامتة والمقفرة التي يمكن أن تخلق في المشاهد شعوراً من الرهبة والطقوس الدينية.‏ وكانت الرومانسية الموسيقية قد تميزت بالتأكيد على الأصالة والفردية والتعبير العاطفي الشخصي والحرية في اختيار الأسلوب الفني وتجريبه. و توسيع الكثير من الأدوات الموسيقية وتحسينها وخلق صيغ موسيقية جديدة. وكان شوبان وليزت من كبار الملحنين في الطور الأول من الرومانسية.‏ وكانت ألحان كارل ويبر قد أشارت إلى بداية الأوبرا الرومانسية في ألمانيا ووصلت إلى ذروتها مع ريتشارد واغنر .‏. أما في إيطاليا فقد تطورت بألحان أمثال بيليني وروسيني. ووصلت إلى أوجها على يد فيردي). وبعد ان سادت لحظات صمت بينهما، قالت (كاثرين):  (شيء جميل. كان  يمكن ان يكون اجمل لو أنك ألقيتها في اطار محاضرة  امام جمهور مثقف ومتابع لتلك القضية. اكتفى بهز يده اليمنى ودفع شعر راسه بيديه إلى وراء. وكان يفعل ذلك عادة عندما يكون حانقا ولا يريد الرد بشيء . و لم يعد أمامه سوى الصمت.  فالأمور بينهما كانت تسير على النقيض، كان يردها أن تعلم نفسها وتتكيف مع علاقات مجتمع جديد له تقاليده وجدت نفسها في ظلاله وخلفه. كلما يسعى إلى الألفة بينهما ازداد شعورها بالانطواء الروحي وزادت الهوة بينهما. إذ ترى أن حديثها معه سطحي ولا تعرف النقاش مع الآخرين عن المسرح أو الموسيقا ولا تعرف شيئاً عن كتاباته في المسرح  وعن تجاربه الأدائية المتقدمة، ولا عن طموحه ورؤياه للمستقبل. فماذا يمكنها أن تفعل. ورغم قبولها بالزواج به، تتمنى لو التقت مرة واحدة نظراته بخواطرها ورؤاها)؟  كانت تحدث نفسها بشيء من الألم. وبدلا من أن تنصرف إلى العناية به وبالبيت، صارت تلقي بكيانها كاملا في الماضي البديل عما تشتهيه في الحاضر. تسترجع ذكرياتها في سني مراهقتها. وكيف كانت تسترق النظر إلى عشاق أمها في غرفة النوم، وهي تعتليهم كما تمتطي فرسها الخشبي الصغير في طفولتها. لكن مع اقترابها من الخامسة عشرة من عمرها، حدث تحول في تقبل حالات واشياء بصفتها حقائق ثابتة ونهائية. تبدلت نظرتها إلى الأشياء، فنفرت من العلاقات اليومية الرتيبة في البيت، والمناظر الريفية الهادئة التي ملت من مشاهدتها كل يوم، واتجهت إلى نقيضها مما يثيرها وصارت تبحث عن العاطفة أكثر من بحثها عن المنظر! وصارت تعجب بأبطال وبطلات الكتاب الكلاسيكيين. وكانت تتصفح روايات الليدي تشاترلي ومدام بوفاري. و مدام ستال والشغف لمشاهدة الصور الجنسية الفاضحة. وكانت تجد لذة عند عودتها إلى المزرعة التي يعمل فيها خالها وزوجته واولاده. إذ انها كانت تسترجع أول لقاء مع ابن خالها الأصغر و هما يجلسان فوق الثيل اليابس والتبن والبرسيم المتكدس فيها.  يطلان من أعلى سقيفة الزريبة، على ساكني الريف والبلدات الصغيرة المتناثرة على إمتداد البصر.  وكانت  هي تصغي إلى خالها وهو يتحدث إلى حشد من المزارعين يناقشون موسم الحصاد وطبيعة السوق ومستوى ونوعية وكمية  الانتاج.  وكانت تندهش لماذا انبثقت هذه الذكرى أيضا في ليلة عرسها وظلت ترافقها صور شتى لعلاقاتها السابقة، حتى وهي في أيام شهر العسل الأولى كانت تتمنى أن تكون تلك الأيام في أماكن أخرى مثل دبلن التي زيارتها حلما ينمو في خيالها ربما ستكون اسكتلندا أو سويسرا، إذا كانت مع رجل من النبلاء!  ولم يشفع لها سوى الخيال الذي يبعدها  مؤقتا عن التفكير بسنوات عمرها تجري سريعا ولم يشعرالرجال  بانوثتها مع إنها كانت  باهرة الحسن والجمال. ولكنها شغفت باختلاق وديان من بدائل  اللذة الرومانسية المشتهاة في فترة مراهقتها فأصبحت أسيرة لخيالها غارقة في الوهم ومنفصلة تماما عن واقعها الرتيب.

وبعد وفاة أمها واشتغال  والدها في ميناء مرسيليا في فرنسا نشأت (كاثرين) مع اختها جوزفين في بيت خالها في مزرعة نائية وبعيدة عن كل متع الحياة التي تصطخب بها مدينة لندن.  لكن خيبتها ظلت ترافقها حتى بعد زواجها، إذ لم تعثر بعد على الحياة التي رسمتها في خيالها والتي تصورت أن الزواج سيأتي بها، وتفادياً للخيبة تقرر (كاثرين) تفعيل الكامن في  خيالاتها  الرومانسية الحالمة،  إلى وجود حقيقي له روح ويتنفس في  تطبيق أفكارها وتحقيق رغباتها المكبوتة. كانت  تعتبر المغامرات تجربة حياتية عادية، والرومانسية تلائم المراهقة العابرة. وكانت نانسي مستغرقة تماما في الصياغة  الدرامية والعمل الروائي، قبل ان تتعرف على زوجها (اللورد وليم) وتضع جدولا لمتابعة أحداث  الساعات الأخيرة المتخيلة والواقعية من اليوم الفاصل  الذي عاد فيه بسيارته  قبل ثلاثة أيام من تاريخ السفر إلى جنوب افريقيا . ووربما سنتعرف على الظروف التي كانت تحيط بعلاقته  مع (جوزفين). وابنتها كارين  ومع من كان يقضي وقته في ذلك النهار الممطر والشديد البرودة. وكانت ساعات المساء تتناقص باتجاه حلول الظلام . وكان يطلب منها الاسراع في ارتداء ملابسها للوصول إلى لندن مبكرين.

كانت كارين تضع  الكحل مجددا فوق أهداب عينيها وتتحسس خديها وتقرصهما ليتوردا كوشالة نبيذ معتق وكان وليم يراقب الدم يتصاعد إلى وجهها وقد توردت وجنتاها من متعة المعاشرة معه على فراش كوخه الريفي الجميل. وظلت هي منفعلة بحديثها معه بعد أن انهيا تبادل القبل بعد دقائق من استحمامهما معا  في البانيو المعطر بالقرنفل . ظن (ليم) انها تتعمد التلقائية كما تفعل المؤدية الشابة مارلين مونرو في أفلامها الاولى بسذاجة. واحيانا تتصرف بحماقة.  قالت:  في حياتي القصيرة حتى الآن، .. لاحظت تغييرات عديدة طرأت على عاداتنا وتقاليدنا ونظرتنا العامة للناس والحياة. فالعالم الذي دخلته وانا في سن الرابعة عشرة كان عالما غريبا عليّ وعلى ميولي عندما اصبحت طالبة ونجحت من الصف السادس والتحقت بالمدرسة الثانوية في كانتر بري .ثم في  كلية «كوليج غاردن» ولكنني غيرت رأيي وعدت إلى رغبتي بدخول كلية الطب. كان العالم الذي دخلته ما زال عصيا على الفهم. وكان الناس والحكومة والاحزاب والاقتصاديون يواجهون تحديات المرحلة  التي أعقبت الحرب لاعادة مادمرته قنابل الالمان في أوربا المحترقة والتي انارت شوارعها ومنازل شعوبها بمصابيح الغاز والبرافينز  وكنا نعتبر وجود حمام في الدار رفاهية ليس في متناول أحد سوى الأغنياء.. ولقد كانت تكاليف المعيشة اليومية مرهقة وباهضة عندما التحقت بمستشفى سانت توماس واستأجرت غرفة في ساحة (فانسانت) لقاء عملي في النزل بعد العصر وحتى الساعة العاشرة والنصف ليلا وكنت أحصل على  وجبة افطار خفيفة كانت تقدمها لي السيدة مارجريت مديرة النزل وتستقطع كلفتها من اجور عملي معها اسبوعيا . وعند الظهر أحصل على كوب شاي مع قطعة حلويات ومعجنات أبدا بتناول نصفها واحتفظ بالنصف الثاني عندما نهاية العمل الليلي أجمعها مع  كعكة مدورة وقليل من الزبدة وقدح من الحليب هي كل حصتي من وجبة العشاء. لم أكن قادرة على العيش بصورة مريحة.. وتعرفت في المطعم الذي كنت اعمل فيه على رسام عراقي كان يدفع اجورالدراسة بصعوبة  ويقتني لوازمي الضرورية جدا ويلبس بصورة معتدلة اغلبها من سوق الأحد الرخيصة. وكان ينتظر وصول حوالة بنكية من أهله تقدر بعشرين باوند وكان يقتصد في تصريف اموره المالية. ويضع جدولا لتحركاته الاسبوعية الممكنة والمحتملة من سواها. للذهاب الى المسرح مرة واحدة في الاسبوع. وإلى متحف الفن المعاصر وكلريات الفنون التشكيلية ومراسم الاصدقاء من الفنانين الشباب. كانت حالة العوز جزء من بهجة الكفاح اليومية تشبه التدافع في الترام وقطارات الخط السريع وسيرات النقل من مدينة لثانية. وحينما بلغت العشرين من عمري سافرت بصحبة الطبيب العراقي الى ميلانو وسيناكو و جبل فيزوف ونابولي وفلورنسا وفينيسيا واستأجرنا غرفة صغيرة في منزل ارملة جميلة ناضجة. ترك لها ثلاث لوحات مما رسم بالألوان المائية هناك  لقاء معيشتنا معها لسبعة أيام هي مجموع عطلة عيد الفصح.  ثم اقفلنا عائدين الى لندن لمواصلة حياتنا اليومية مع الاصدقاء القدامى والجدد. كان صديقه الفرزدق يدرس الطب لخمس سنوات وقد تعرفت عليه وعاشرته عندما كنا  نطبق عمليا في مستشفى سانت توماس.  بيد انه لم يكن يميل الى هذه المهنة اساسا. لقد كان يريد دانما ان يصبح اديبا معروفا كابيه الشاعر الذي يوازي في شهرته شكسبير في يريطانيا. وكنت ارافقه لحضور الامسيات الادبية والفنية والعلمية والمعرفية الاخرى.  وكان يهوى الرسم بالالوان المائية، بينما كان صديقه شوكت  يرسم بالزيت والإكرليك ويقرأ نهارا في أيام العطل وفي الليل يبدا بالكتابة إذ فرغ توا من انجاز مقالة عن الاختام الاسطوانية في وادي الرافدين  واضافها للمقالات التي نشرها من قبل وجمعها في كتاب للنشر تحت عنوان  مقدمة في تاريخ الفن العراقي . وارسل المخطوطة إلى وزارة الارشاد في بغداد ونسخة منها إلى دار نشر فيدون بريس ليمتد في خمسة شارع كرومويل في لندن . وهي متخصصة بطبع ونشر الكتب الفنية في لندن واوربا والعالم.  ويبدو انه قد حقق بعض النجاح. لكنه بدأ يشعر برغبة التفرغ والعمل في حقل النقد الفني والادبي. والان وبعد تجارب مريرة من الفشل والهزيمة وقليل من النجاح في السنوات االتي مرت عل احترافه للكتابة، قرر العودة إلى النشاط الفني والرسم  ولو  أن فرص النجاح قليلة  من بين حقول العمل الاخرى في الحياة، بات يدرك تماما أي مخاطرة مخيفة اختارها لنفسه.  كان صديقه الفرزدق يحب مهنة الطب فقد تعلم منه الكثير عن الطبيعة البشرية.  وشاهد أناسا يتألمون ويخافون التفكير بالموت. بينما انحاز هو تماما إلى فن الرسم والكتابة عنه. ولو انه لم يستطع أن يحقق  نجاحات متميزة اخرى مؤثرة في اوساط الفنانين والصحافة الفنية والادبية.. خاصة بعد ان تعرف ناقدة فن وروائية وصحفية التقاها مصادفة في مدخل متحف الفن المعاصر. وكانت قد تعثرت بينما كانت تهبط مدرج الطابق الأرضي واصطدمت به فمسك بها قبل أن تقع على الأرض. وقد انقطعت بعض ازرار قميصه وانشغلت بجمع أوراقها وملفاتها وكتبها التي انفلتت من يديها وتوزعت على مساحة مترين من فناء الاستقبال عند مدخل المتحف. كان من بين الكتب المنفلتة من بين يديها كتاب جاك بريفير ونيرودا.. ولوركا.

مقاربة خامسة: موضوع الانسان والارض:  ربما  يكون من الصحيح حينما نقرأ كتابا معينا يتطرق الى مكان غريب بالنسبة الينا، أن نتبين  الأمر.            

لقد ظهر موضوع الانسان والارض متجسدا بقوة في كتابات الروائيين العراقيين الذين ارادوا ان يدعموا تلك القضايا  الانسانية وأن  يعيدوا الارض المستولى عليها من قبل الملاكين الكبار الى الفلاحين البسطاء، كما جسده  عبد الرزاق المطلبي في روايته الظامؤون وفي «مرثية لفلاح اسباني»  الكاتب ( رامون.خ سندر) الذي ولد في قرية (شالاميرا «هويسكا») الاسبانية عام 1901 وكان والده يتنقل من مكان لآخر، حتى استقر لتسع سنوات في مدينة (سرقسطة) المكان الذي استدعاه الكاتب في فصول روايته الاولى «احداث الضجر». ودخل عالم الصحافة في مدريد عبر مقالات نشرت في صحيفة «نويفا اسبانيا» وكانت مقالته الاولى عبارة عن مقابلة مع تروتسكي الذي تعرف اليه (سندر) بشكل حقيقي في المكسيك بعد سنوات طوال، كما كتب في صحيفة «البايس» المدريدية، ونشر عدة قصص قبل حلول عام 1919 ليعود الى مدينة هويسكل للعمل كنائب لمدير صحيفة «لايتيرا» وفي عام 1922 دعي سندر للالتحاق بصفوف الجيش للقتال في المغرب وبرز في الميدان العسكري على وجه السرعة وقلد وسام الاستحقاق العسكري.

بعيد الحرب الاهلية الاسبانية التي قاتل فيها الى جانب الجمهوريين، تنقل بين فرنسا والمكسيك حتى استقر عام 1942 في الولايات المتحدة الاميركية حيث عمل استاذا للادب الاسباني في جامعة «ألبوكيركي» (نيومكسيكو).

كتب في مراحله الاولى اعمال مثل «إمام» الذي يروي فيه مأساة الحرب في المغرب، و رواية «مكان الانسان» و«قصيدة عرس البخيل ترينيداد» التي يروي فيها تمرد المسجونين في سجن كاريبي.  ثم نشر في عام 1960 روايته (مرثية لفلاح اسباني) التي تعتبر واحدة من أفضل رواياته ويعكس فيها مشاعر القلق التي كانت تراوده حول الخير والشر والمسئولية. ألهمت قصة حياة الشاعر الاسباني فيدريكو غارسيا لوركا الكثيرين للكتابة عنه وعن حياته ومن هؤلاء الروائي الاسباني رامون.خ.سندر حيث وضع روايته الرائعة «مرثية لفلاح اسباني» عام 1960 وكانت عن فلاح اسباني يدعى باكو اغتيل بذات الطريقة التي جرت مع  لوركا المولود عام1898.الذي  كان يتمتع بشهرة واسعة و بقي رمزا شعريا انسانيا عاليا وخاصة بعدما اغتيل في السابع عشر من اغسطس عام 1936 على ايدي حفنة من كتائب الجنرال فرانكو الذين كان يطلق عليهم «الفالانج». ولقد جمع لوركا عدة مواهب في موهبة واحدة فقد كان شاعرا ورساما وموسيقيا ومسرحيا وكان شخصية محبوبة بالنسبة لعدد كبير من الناس وكان نجما متألقا في مقاهي مدريد، ويكمن سر ذلك في انه اتقن نواحي الحياة الجمالية على شكل كامل تجسدت في اشعاره العذبة الانسانية والعميقة. واطلق الاسبان عليه اسم شاعر الشعب وحقق بموته حضورا اوسع اضيف الى شهرته الواسعة كرمز انساني تقتله ايادي الغدر. ويذكر رايز ألونسو الذي قاده الى موقع الاعدام عام 1936: لقد احدث دمارا بقلمه يفوق ذلك الدمار الذي احدثه غيره بالسلاح. وقد لا يكون قصديا ان يرمز (رامون خ.سندر) الى مقتل لوركا لكن الطريقة التي يستخدمها القتلة تتشابه في جميع المراحل داخل اسبانيا الفرنكونية حيث يتم اقتياد الشخص الى ظاهر المدينة ومن ثم يطلق عليه النار كما جرى في العراق بعد الاحتلال الامريكي، في القتل والتدمير والابادة الجماعية. وستترسخ في اعماق المجتمع العراقي وستتجسد في أعمال شعرية وروائية ومسرحيات مآساوية ولوحات ونصب نحتية، كما فعل لوركا في «عرس الدم» في رصده لمأساة الانسان الذي دفع حياته ثمنا لحريته ووجوده..)

مقاربة سادسة:  ثمة ومضة تقدح

كانت ثمة ومضة تقدح في مكان ما والشمس في كبد السماء، .. وثمة كلمة تسهم بتغيير أو ترسيخ مباديء قائمة، والوعي على سنام المعرفة فارسها.. وثمة قصيدة تكون سببا وحافزا لتغيير مواقف وانظمة على مدى مسيرة تاريخ الإنسان، وسطوة القوة تحفظها.. ولكن أهمية وجمالية وتاثير شعر مبدع مؤمن بقيمه العليا وبمبادئه السامية وبمواقفه الجوهرية الثابتة من الإنسان والأشياء.. و"بسوسيولوجية" المجتمع، وبمفاصل الحياة، كالشاعر (بابلو نيرودا)الذي اشار إلى تلك الومضة، القدحة، الكلمة، القصيدة، التي أضات العقول والقلوب والضمائر، وكان لها موقف كحد السيف، إن لاينته، لان متنه، وحداه إن خاشنته، خشنان.. مثل هذه القيمة الجمالية المؤثرة في مشهد الشعر الإنساني تتجسد في ديوان: (اسبانيا فى القلب) الذى كان من وحى الحرب الاهلية الاسبانية، وفي "النشيد العام" الذى تغنى فيه ببطولات وملاحم شعب الشيلى وفي  ديوان (نشيد الى ستالينغراد) الذى مجد فيه بطولات المقاومين الروس ضد الاحتلال النازي. وقد حصل بابلونيرودا على جائزة نوبل للاداب للعام 1971. لأنه الشاعر المتقدم في جمالية وعمق وتاثير قصائده دائمة الحضور فى أتون الصراع المحتدم في العالم. أليس وفاء من الشعراء  والمبدعين كافة، أن يحتفلوا بميلاد الشاعر الكبير بابلو نيرودا الذى، يتحدث (كلود كوفون) مترجم أعماله الشعرية الى اللغة الفرنسية عن بعض الذكريات معه:- (..كنت قد نشرت مقالا في الملحق الادبى لجريدة "لوفيغارو" بطلب من (فرانسوا مورياك) حول موت فيديريكو غارسيا لوركا. وقد قرأ بابلو نيرودا ذلك المقال، وكتب لى رسالة حارة يشكرنى فيها على أنى أعلمته كيف قتل صديقه. أدهشته رسالته فقد  كان مجهولا فى ذلك الوقت وكان عمره 26 عاما ولم يكن يفكر أن ادبيا مثل بابلو نيرودا يمكن أن يكتب له! وكان قد  تعرف على بابلو نيرودا ثقافيا عام (1951م) والتقاه فى باريس بصحبة زوجته( داليا دال كاريل) الملقبة بـ (النملة الصغيرة). وكانت مترجمته (أليس ارهافايلار) - ( أليس غاسكار) تهيئ الطبعة الفرنسية لـ "النشيد العام" من جانب آخر، كان الشاعر (جان مارسوناك) يهيئ نفسه لتأليف كتاب لسلسلة "شعراء اليوم" الشهيرة وفيه يقدم بابلو نيرودا شاعرا ومناضلا سياسيا.

وكان نيرودا  قد حصل للتو على الدكتوراه الفخرية فى جامعة اوكسفورد. وقد وصدر له كتاب جديد فى بيونس ايرس.. و رغب أن يترجم الى الفرنسية". واقترح تغيير ناشر كتبه.لإعتقاده بأن شعره أصبح أكثر عالمية من ذى قبل لذا هو يستحق أن تزال عنه صفة التسيّس خلال التوزيع ). وفى ذلك الوقت،كان (كلود كوفون) يعمل مستشارا لدار "غاليمار" للادب الامريكى ـ اللاتينى،وقد أخبر( نيرودا) بان انتاجه سيستقبل بتقدير كبير. كما تحمست للفكرة المستشارة: (أوغنى كارفاليس)، التى ينصت اليها كلود غاليمار، صاحب الدار بانتباه كبير. وكل شيء كان باعثا على التفاؤل عقب ذلك بشهر لتقول أن نيرودا قد دعاها إلى الغداء، خلال فترة  تناول الحلوى، أخرجت (أوغنى) العقد وامضاه نيرودا بالحبر الاخضر دون أن يقرأه.

فرضت فى عام 1971  جائزة نوبل " بابلو نيرودا " كواحد من أهم كتاب دار "غاليمار" . وكان قد استقر للتو فى باريس. وكان يعجبه القراءة، ممددا على الارجوحة المعلقة بين شجرتين، مرتديا لباسه الريفي: (سروالا من الفلانيلة، رماديا، ومعتمرا قبعته (الكسكي )الرمادى) الذى لا يكاد يفارقه كاصدقائه الدائميين: (ماريو وباتريسيا لوسا، خوليوكورتازارو اوغنى كارفوليس، كاترين فون بيلو الجميلة، خورخى ادوارديس، ومارسوناك)، وكزملائه ومجايليه في علاقاتهم الثقافية والاجتماعية والعامة بعد أن عينه صديقه الرئيس (سالفادور اللندى) سفيرا لبلاده. وقد دعاه عمدة القرية ذات مرة لافتتاح مطعم.. وفوجيءبأنه يحمل إسم(الحصان الأخضر) للشعر وهو اسم المجلة التى أسسها نيرودا فى اسبانيا عام 1936 ..

 كان نيرودا فى عطلة نهاية الاسبوع، يحب التنقيب فى معروضات سوق "بوردت دى كلينيكور" للتحف القديمة. و يعود باشياء كثيرة مثيرة للغاية، عبارة عن صدفات ضخمة وفراشات بألوان وأشكال غريبة وملائكة بتنورات أرضية وأقنعة شيطانية ومطبوعات فاخرة لكتاب منسيين فى طبعات أصلية..) يحفظها فى قبوالسفارة أو فى البيت الذى اشتراه عقب حصوله على جائزة نوبل للاداب.. وكان بيته الذي يقع  فى "كوندى ـ سور ـ ايتون" عبارة عن طاحونة قديمة تحولت الى ملاذ أمين يلجأ اليه مع زوجته( ماتيلد). متمتعا بسعادة طافحة وقت الظهيرة فى استراحة القيلولة، فى هدوء الطاحونة المحاطة بالماء والاشجار والعصافير..  كان يستعيد صفاءه النفسي والشعري.. و هناك عاش فى بداية شهر يوليو من عام 1972 سعادته الأخيرة. وفى شهر نوفمبر من العام1972تخلى بابلو نيرودا عن منصبه كسفير وعاد الى الشيلي. ويوم 11 سبتمبر 1973 قتل الانقلابيون العسكريون الرئيس  سالفادور الليندى وأغرقوا فى اليأس بابلو نيرودا الذى كان المرض قد هده وأنهكه، وتوفى فى (سانتياغو) مساء يوم الثالث والعشرين من شهر  سبتمبر عام 1973م.ولم يملك الوقت الكامل الذي يدون فيه سيرته الذاتية المتكاملة.. كان فى شهر اكتوبر 1957 في شقته بباريس.. واقفا أمام احدى النوافذ يتأمل ضباب الخريف وهو يغزو نهر "السين". وعنده رسالة يريد  تبليغها الى اسبانيا، جاء فيها: (لقد اقترفنا خطأ فادحا عقب الحرب الاهلية الاسبانية وذلك أننا قطعنا الصلة باسبانيا. لن نقدر أن ننسى الالم الشديد الذى سببه لنا مقتل(غارسيا لوركاوموت (ميغيل هارنانديز). علينا اصلاح اخطائنا. لو ان احدا اراد ان يجد له رمزا ولم يستطع ان يجده في اي شخص او اي شيء لوجده في هذا الرجل الذي اختير لأن يكون روح اسبانيا وحيويتها وعمقها..) ألهمت قصة حياة الشاعر الاسباني فيدريكو غارسيا لوركا الكثيرين للكتابة عنه وعن حياته ومن هؤلاء الروائي الاسباني رامون.خ.سندر حيث وضع روايته الرائعة «مرثية لفلاح اسباني» عام 1960 وكانت عن فلاح اسباني يدعى باكو اغتيل بذات الطريقة التي اغتيل فيها لوركا.ولد في "فونتي فاكيروس"، إحدى قرى غرناطة الأسبانية في يونيه 1898م. وكان قد نما وعاش مع أختين  واخ واحد، لعائلة متوسطة الحال ..وبعد أن أنهى في القرية المرحلة الابتدائية " انتقل مع أسرته إلى غرناطة حيث أنهى دراسته، الثانوية وانتمى للحقوق والآداب وتعلم العزف على البيانو والقيثارة، وبدأ  بالتردد على المنتديات الأدبية، وأقام علاقات طيبة مع  الفنانين، منهم:  سلفادور دالي،والمخرج لويس يونونيل.. وفي عام 1928م أصدر مع صفوة أصدقائه، عددين من  مجلة أدبيةثقافية متواضعة، ثم سافر في رحلة إلى أمريكا، وبعد عودته عام 1930م، عاود نشاطه،  مرة أخرى، بالعمل الثقافي ونشر المعرفة المسرحية، و تعريف الجمهور في الريف والقرى الفقيرة النائية،  بالمسرح الكلاسيكي الأسباني، وأنشأ  "مسرح الكوخ"، يقدم على خشبته أعمالا مسرحية منتقاة بشفافية وبساطة تؤديها فرقة ألفها لوركا من شباب الجامعة كانوا يتنقلون بين قرى أسبانيا على ظهر شاحنة، ينصبون مسرحهم المتواضع ويعرضون أفكارهم في كل قرية وتوسعت مدارك هؤلاء الفتية الجريئين المتحمسين  الجوابين المكتشفين كنوزا لاتقدر بثمن، جسدتها استجابة الناس المباشرة لتطلعاتهم وتشوفاتهم المستقبلية.

لقد شجع الناس تلك المبادرات التثقيفية، وشعر لوركا  ورفاقه (المؤدون) بصدق استجابات الفقراء وتفاعلهم مع تجربة الفرقة المسرحية، فأنشأ عام 1933م في العديد من مدن أسبانيا، مجموعة من نوادي الثقافة المسرحية.. ثم سافر إلى الأرجنتين و( أورجواي ) لإلقاء عدد من المحاضرات، وعاد في العام التالي ليواصل جولاته مع مسرح الكوخ.

لقي لوركا مصرعه في العشرين من أغسطس عام  1936م، في ظل الأحداث السياسية التي رافقت الثورة الشعبية في اسبانيا آنذاك، ربما بسبب مواقفه التقدمية ونزعة روحه الشعرية  الثورية والحالمة معا، الى الحرية،  وتلك هي سمات الحقيقة  لدى الشاعر الكاتب الرسام الباحث عن نور اليقين في مستقبل الانسان ونشدان الوصول إلى النور..نور الباطن والظاهر لاستنكاه واستجلاء كل الحقيقة" . ومن وجدان  لوركا  الشعري والعقلي ندرك  أن شفافية  مفردات حضارته الشخصية ورقتها، كانت ملتفعة  بحماسته واندفاعه و بثورته التي كانت "أدبية"، "مسرحية" و"فنية" :  لاكتشاف وسائل مبتكرة ترتقي  بالذائقة  الأدبية والفنية لدى الطبقة الفقيرة من الفلاحين والكادحين و للوصول بهذا الأدب والمسرح والفن بشكل سليم وواضح وحقيقي، و من فيض نور المعرفة في ذاكرته الانسانية، تبلور موقفه اجتماعيا في الفن والأدب.

.............................----------------------------------------------------------------------------------------------------------------

(*) -  ذهب اورويل عام 1936 الى اسبانيا وانضم مدفوعا بنزعته اليسارية الى القوات الجمهورية التي كانت طرفا اساسيا في الحرب الاهلية الاسبانية. وصور تجربته العسكرية في كتابه الولاء لكاتالونيا 1938، لكن قناعاته السياسية خضعت في هذه الفترة لتغير عميق جدا، اذ اصبح معاديا، على نحو متزايد، لكل من اشكال الاستبدادية، كما اظهر قلقا فائقا بشان مستقبل الحرية الفردية. وقد تجلى شجبه للمجتمع الخاضع لنسق واحد في قصته الوهمية: مزرعة الحيوان (1945 ) وروايته الهجائية:( 1984)

عاش اورويل، بعد عودته من اسبانيا، في هيرتفورد شاير يكتب ويربي الدجاج ويزرع الخضار و(جورج أورويل ( واسمه الحقيقي أريك آرثر بلير) كان قد ولد في موتيهاري بالهندعام 1903م وخدم في الشرطة الملكية الهندية في بورما من عام 1922حتى عام 1927ثم عاش بعد عودته إلى أوربا في فقر مدقع لسنوات عديدة. وقد وصف تجارب شبابه المريرة في كتابيه: داخل وخارج باريس ولندن.. وأيام في بورما عام 1934م. حتى وفاته في 21 كانون الثاني (يناير) من عام 1950.

  (*) - مقاربات: هناك في الادب العراقي نماذج تقترب من عوالم فلوبير  وان ظهرت بخفر وحياء وافتعال شبقي مكشوف. كما في تجربة عالية ممدوح.التي كانت  تتوهم بأنها  تقدم المختلف، وتنتج وعياً آخر يجلد رغبات النسوة في الحياة، (في الحب). الحب الذي تحفل به روايات عالية ممدوح، والذي تحتفل به راوية "المحبوبات"، تعلن عن رغبتها فيه. تقول: "أحبُّ أن أُحَب، أحب أن أحَب وأكون محبوبة... أحب تلك اليد التي تمشي علي جسمي بغير نظام ولا هدف، بالزائد الذي لم يفض، وبالناقص الذي فاض، وبالرجال الذين تركتهم علي سجيّة نفسي، أنام معهم واحداً تلو الآخر ولا ألتقي بهم..." الحب بلا قواعد سابقة، بلا حدود مفروضة. حب بلا عنف. حب جسد لجسد لا ينهض عنف الذكورة بينهما. إنه اللقاء مع الذين لا يملكون " إلاَّ سلطان ضعفهم المعتدل القامة"، والذين لا يميزون بيننا وبينهم..."حب ولقاء. أو حب هو لقاء الأنوثة والذكورة، بين امرأة ورجل، بين كائنين. نذرف معه الدموع. دموع نذرفها معاً. نحن وهم، ويغلب علينا الخوف.. الخوف!! الذي ربما هو الفراق الأعظم الذي لا بدّ منه، الفراق الذي يعلنه عيشُ الحياة.هكذا  ترى د.  يمنى العيد عالية ممدوح روائية متربعة على عرش اللغة. وبهذا الصدد قالت:

(بعد قراءتي لرواية التشهي (الآداب 2007)، بدت لي الكتابة عن عالية ممدوح، الروائية، كتابة عن مسار، روائي. مسار في الإبداع السردي العربي وفي تميُّز عوالمه المتخيَّلة. تختلف التشهي، ولكنها تعيدنا إلي روايات عالية ممدوح الأخري، إلي حبَّات النفتالين (2000 طبعة دار الآداب) و الولع (1995) و الغلامة (2000) و المحبوبات (2003)...نحن أمام مؤلِّفة روائية مسكونة، في ما تكتب من روايات، بحمولة الذات وأمكنة عيشها. الذات الأنثويّة، العراقيّة، المتبصِّرة في الآخر، المختلف، الذي هو الذكر: الأب والابن والزوج... والذي هو أيضاً الأنثي: الأم والصديقة وزوجة الذكر.. الآخر: العراقي والعربي والغربي. الآخر الذي يؤرق الذات ويمسك، بالعلاقة معه، خيط الكتابة وينسج سرَّها. غير أنَّ قولنا بمسار يحكم روايات عالية ممدوح لا يعني أننا نشير إلي سيرة، ولئن كنا نقرأ في هذه الروايات ما يشبه السيرة، بل نشير إلي مؤلفة روائيّة تعرف بذكاء لافت أن تقف في البين حين تنسج هذا المسار لعوالم رواياتها. البين الزمني الذي تتجاوز به الذاكرة، أو ما حدث، إلي ما تراه هي، وتودّ أن تحكي عنه، إلي متخيَّل لا ينسي الماضي ولكنه يدرك أن المستقبل هو الأهم . هكذا بين هذين البُعدين للزمن، بين المرئي واللامرئي، بين الواضح والمحتمل.. يظهر المختلف في ما تصوغه اللغة، في الملتبس الذي يتوهَّج بأكثر من دلالة. المختلف القائم، وبمعني أساسي منه، في علاقة الأنثي بالذكر، بالجنس، بالأيديولوجيا... وفي تراكيب اللغة التي تبثُّ معاني القوة في الأنوثة، القوة في الحضور وليس في التسلُّط والقمع. مسار روائي يحفر عميقاً مع هكذا مسار يتَّسع عالم النتخيّل، تباعاً، في ما تكتبه عالية ممدوح من روايات، يتَّسع زمكانيّاً ويغتني، كأنه يتابع مساره. يغتني، يحفر عميقاً وتتشابك فيه المعاني والدلالات بفنيَّة ملحوظة تتجاوز مألوفها، ولكن دون أن يغادر عالم الرواية هذه الذات الأنثوية التي تبدو، أكثر فأكثر، سيدة متربعة علي عرش اللغة، الكلام المكتوب، الكلام الذي يُفصح، دون جهر، عن قبول الاختلاف بين الذكورة والأنوثة.. القول الذي يبني، في الآن نفسه، حيِّزاً دلالياً لاستقلاليّة الأنثي وحريتها دون أن يقطع مع هذا الذكر الذي ينتهي به تسلُّطه وقمعه إلي العجز، العجز الجنسي، باعتبار الجنس هو رمز ذكورته وقوَّته وتسلُّطه، هو رمزها ومبرِّرها، كما هو الحال في "التشهي".

المقاربة الأولى: تبدأ من الطفولة والمراهقة حكاية الراوية الأنثي في رواية عالية ممدوح "حبات النفتالين". من العراق، من "أعظمية" بغداد القديمة. تبدأ بالعلاقة مع الأب الذي ينتقل، حسب مسار الرواية، من صورة الأب (الذكر) الطاغي إلي صورة الأب الباكي.

تشغل الصورة الأولي، الأب الطاغي، الحيِّز الأكبر من عالم الرواية. مجرّد ذكر هو هذا الأب، يمارس العنف، عنف ذكورته. يضرب، يركل.. والابنة الطفلة، "مثل طير مريض"، تتشبَّث بثوب أمها (المهانة هي أيضاً)، تقوم وتقف بين ركلاته "أُمسكه من البوط اللماع وأشدّه من هناك، أتكوَّم بين ساقيه وهو يتحرَّك بي يأخذني من هذا الجانب ويقذفني للآخر، وبلاط الحوش يمتلكني، مأخوذة بصوته الذي يهبط عليَّ كالرصاص" (ص41 طبعة عام 2000).

لكن هذا الأب الذي كان عند قدومه إلي البيت ينتقل من صورة الأب، المفترضة، "إلي عنفوان الرب". كما تقول الرواية، لم يكن يخيف الفتاة الصغيرة، كما كان "يخيف عادلاً (الأخ) وأمي". كأنها، هي الأنثي، كانت باكراً تشعر بالقوة الكامنة فيها، أو كأنها كانت تحدس بالمتغيِّر، أو تودّه! هكذا يعود الذكر، في القسم الأخير من الرواية إلي أبوّته، إلي ما غاب فيه، في داخله، ونفاه هو عنه. تعود الأبوّة إلي طبيعتها بعد زمن من العنف والاستبداد حوَّل البيت، حسب الرواية، إلي خراب. تعود هذه الأبوّة بعد موت الأم المريضة، المقموعة، المرميّة في عزلتها، وبعد أن كانت المدينة، بغداد، قد دخلت، وحسب الرواية أيضاً، في العصيان، وقامت الثورة الناصريّة، وهتف الكل بسقوط الطغاة. خلع الأب ملابسه الرسميّة، أخذ إجازة وعاد إلي مدينته ليندسَّ مع الحشد الثائر. يتخلي الأب الضابط، المسؤول عن السجن (وظيفته)، عن استبداده، يبكي ندماً بعد أن أدرك أنه السبب في موت زوجته، إقبال، وبعد أن جاء إليه ولداه يجرجران مأساتهما، يسعيان للدخول في حضنه. ".. يطوقني بذراعيه، تهطل دموعه، يبكي أبي. يترك يديه عنّا ويرفعهما إلي رأسه، يغطي وجهه، صوت نحيبه يعلو ويتعلق في هواء الغرفة" (ص165).

المقاربة الثانية : ولع لايتحاشي الالم

ففي "الولع" تعلن الرواية بأنها لا تتحاشي الألم، "علي العكس أتورّط معه، لا أبتره" (ص80). هذا الألم هو، وكما يبدو لنا في هذه الرواية، ألم وقوفها، كأنثي، في البين، بين الألم والعشق. البين الذي يحيل معني العلاقة مع الآخر إلي علاقة مع الذات، إلي ما يحررها من أخلاق العداء والغيرة . وكما تقول في مكان آخر من الرواية، علي استعداد "لارتكاب جميع الجرائم للوصول إليه" (ص13). تقف هدي في البين الذي هو، وكما تشي به الرواية، مساحة عشقها لزوجها مصعب وإدراكها، في الآن نفسه، لمعني قساوته. مصعب الذي يعترف، ويقول، بأن لا أحد غيرها "يفهم ما أقول". إنها مساحة لفهمٍ آخر بينهما يتناقض فيه، ربما، الحب وشهوة الجسد، الجنس وسلطته...

يصعد مصعب إلي غرفة النوم مع زوجته الأخري، وداد، تقف هدي خارج الغرفة المغلقة. تشهد علي الخيانة. خيانة مصعب لها، تكرهه، لكن فقط كزوج وليس كرجل. مصعب الرجل تُخجله براءة هدي، أو كما يقول "فتاة الثامنة عشرة (يوم تزوجها)، الوقحة، المضطربة، النفورة". وهدي الراوية تفسِّر وفاءها لـ مصعب بالقول بأن الوفاء "فعل صحيح"، و "هو لي وحدي لنفسي". ثمة فهم ووفاء: فهم يحتاجه مصعب ولا يجده إلاَّ في هدي. ووفاء تمارسه هدي ويترك أثره علي علاقتها بـ مصعب وإن كان، هذا الوفاء، لنفسها. هكذا تتداخل العلاقة مع الذات بالعلاقة مع الآخر، وتقف الأنوثة، أنوثة الراوية، في البين، البين الذي يتمثل، بدلالة أخري، في هذا السؤال الذي تطرحه هدي علي نفسها:" هل أنا أنثي أم ذكر؟" (ص13). أو:" إلي من أنتمي، له (مصعب الذكر)، أم لها (الأنثي، زوجة مصعب الثانية)، إلي جسمي أم إلي جسم زوجي.." (ص7). فهل هو البين بين الذكورة والأنوثة تجد الراوية نفسها وجسدها فيه فتسأل. أم هو كلاهما فيها، فلا تترك مصعب وتذهب، في ما بعد، في "المحبوبات"، إلي النسوة؟ علي أن هذا البين المتمثل، هنا، في السؤال الذي تطرحه الأنثي، الراوية، علي ذاتها، يوسِّع مساحة الدلالة، يجعلها تتخطي، في روايات عالية ممدوح، حدود الثنائية الحادة، الثنائية التي تنهض علي حدٍّ قارّ، والتي تفضي، غالباً، إلي عداء مع الآخر وربما إلي نفيه.

المقاربة الثالثة : العالم المتخيّل

تتسع مساحة الدلالة في "الولع"، ويتلازم ذلك مع اتساع فضاء عالم الرواية. فالعالم المتخيّل الذي كان محيط فضائه المكاني في "حبات النفتالين" "الأعظمية" في بغداد، والذي كان قوامُ الشخصيات فيه الابنةَ والابن والجدة ثم الأم والأخ... راح يتسع في روايات عالية ممدوح حتي لكأنه بلا حدود، أو كأنه علي حافة الحدود. المطارات التي صارت تنقل الراوية.. تنقلها، في "الولع" إلي الأردن، وتنقلها في "المحبوبات" إلي باريس. لتستقر ولا تستقر. هي العراقيّة التي شرَّدتها سطوة الذكورة وسطوة السياسة، وسلطة الاقتتال والحروب لتغدو المطارات هي "التي فيها تولد وإليها تعود (كما نقول الراوية في أول الكلام في رواية "المحبوبات").

يتعدَّد فضاء عالم روايات عالية ممدوح، يتنوَّع لكنه يبقي واحداً في مذاق هذه الراوية التي تحكي عن الذات، أو عن مسارٍ لهذه الذات التي عي غير الـ أنا، الذات في رحلة علاقتها مع ذاتها ومع الآخر. مع الاختلاف النوعي، والعرقي والحضاري.. وحتي السياسي.. تتوحَّد نكهة الفضاء في مذاقها فتقول: "... والأرض المبطَّنة بالشحوب والمرارة هي، هي، في كل مكان. في كاردف أو في الأعظمية، بيروت أو الرباط" (الولع ص62). يتسع الفضاء المكاني، يتعدَّد ويتنوَّع، لكن الإحساس به يبقي عميقاً يتجاوز حدود المكانيّة الجغرافيّة إلي معني الذات، إلي حمولتها الثرية وأحلامها المأمولة. الذات التي تعاين حياتها وتعيش معاناتها بحيث يكون علي المرء، وكما تقول الراوية، أن يجد "بعض الأمور كي ينتسب إليها".

لعلّها الكتابة هي هذا الأمر الذي عنته عالية ممدوح أو الذي سعت الراوية لإيجاده كي تكشف عن انتسابها لذاتها الأنثويّة وعن انتمائها لهويتها العراقيّة، فكانت لنا أعمالها الروائية التي حفلت بهذا الانتساب وبهذه الهوية. وكانت الكتابة، أو "الورق"، كما تقول، "أول وآخر المنافي". (الولع ص50).

المقاربة الرابعة: علاقة الذات الانثوية بذالتها

تستقيم العلاقة  بين الذكر والأنثي ولكن الرحميّة: الأب بابنته والابن بأمه ولا تستقيم هذه العلاقة علي مستوي الجنس، أو خارج المحرم، بين الزوجين. لعلّه العطل! العطل الذي ينقل العلاقة، أو يفتحها علي علاقة الذات الأنثوية بذاتها المتمثلة في ما سمّته سهيلة المحبوبات، النسوة المتحابات، اللواتي يتكافلن ويشكلن عالماً حميمياً لهن. حتي لكأن الاستقامة هي هنا، في مثل هذه العلاقة، والعطل في مكان آخر، في ما يُحيل علي ذكورة تاريخيّة ـ سياسيّة ـ ثقافيّة.. هي ذكورة العنف القائم بالجنس، كما تروي "التشهي".

ففي "التشهي" تتعدّي عواقب التسلط الذكوري حدود الآخر الأنثوي لتشمل الذكر نفسه. فهي، أي هذه العواقب، لم تتركز، في هذه الرواية، علي ما يصيب الأنثي وقد وصل في "المحبوبات" إلي حدّ سقوط سهيلة في الغيبوبة وهدّدها بالشلل. أو لنقل بأن هذه الرواية، وكما يشير عنوانها، تتناول الذكورة المهووسة بالجنس والمحكومة بشهوته. إنه العنف الجنسي الذي يؤدّي، وعن طريق الترميز والتفريع الدلالي الذي تتوسله الرواية وتمارسه بمهارة ملحوظة، يؤدي إلي ضياع البلد. وضياع هويتها، وثقافتها العربية.

الخاتمة: إضاءة كوامن الذات 

تبتدع عالية ممدوح من الدلالات والمعاني ما يضيء كوامن الذات ويكشف مجهولها. وهي بذلك تقدم المختلف، وتنتج وعياً آخر لما ألفناه من علاقات، لهذا الذي قبع في المحترم، وترسّخ في الأيديولوجيا، وراح يجلد رغبات النسوة في الحياة، في الحب. الحب الذي تحفل به روايات عالية ممدوح، والذي تحتفل به راوية "المحبوبات"، تعلن عن رغبتها فيه. تقول: "أحبُّ أن أُحَب، أحب أن أحَب وأكون محبوبة... أحب تلك اليد التي تمشي علي جسمي بغير نظام ولا هدف، بالزائد الذي لم يفض، وبالناقص الذي فاض، وبالرجال الذين تركتهم علي سجيّة نفسي، أنام معهم واحداً تلو الآخر ولا ألتقي بهم..." الحب بلا قواعد سابقة، بلا حدود مفروضة. حب بلا عنف. حب جسد لجسد لا ينهض عنف الذكورة بينهما. إنه اللقاء مع الذين لا يملكون " إلاَّ سلطان ضعفهم المعتدل القامة"، والذين لا يميزون بيننا وبينهم..."

حب ولقاء. أو حب هو لقاء الأنوثة والذكورة، بين امرأة ورجل، بين كائنين. نذرف معه الدموع. دموع نذرفها معاً. نحن وهم، ويغلب علينا الخوف.. الخوف!! الذي ربما هو الفراق الأعظم الذي لا بدّ منه، الفراق الذي يعلنه عيشُ الحياة. في حين يناقض الشاعر فاروق سلوم انحدار عالية ممدوح مما وضعته فيه يمنى عيد ويقارنها  بالروائية اليزابيل ألليندي.

مراجع ومصادر ومقاربات

 (*) ترجمت هذه الذكريات عن كتاب (الانجليزية التي نستخدمها أو نتحدث بها) (The English we use) لمؤلفه R).A.(Closeا)عن دار (Longmans).

(*)  - وليم سومرست موم قاص وروائي بريطاني مشهور ولد عام 1874 وتوفي عام 1966. كان قد نشر هذه الذكريات قبل (45) سنة أي انه مر الان عليها (125)

(*) - كتب فيكتور هيجو إلى فلوبير يقول: (.. إنك كتبت قصة جميلة يا سيدي. إنها قصة الزوجة الخيالية التي تطمح للحياة كما يتصورها الشعراء، حب خالد، و عوالم أبدية من المتع و الرغبات.. و تصطدم بالواقع. فتتردى في  الخيانة الزوجية.. ثم في جحيم الهوى الخائب.. قصة نلمس و نحن نقرأها بأنها ثمرة لموهبة الغوص إلى أعماق الحقيقة، و زبدة اللهفة للتعبير عن دقائقها. و لعل الشهرة التي لاقتها مدام بوفاري يصيب مدعاها قول هنري تروايا من المجمع العلمي الفرنسي: إنها تعمل في نفس من يطالعها رسوخاً ابدياً)

 (*) - (رواية (مدام بوفاري*) للروائي الفرنسي الشهير جوستاف فلوبير، أشهر رواد المذهب الواقعي في العصر الحديث وبالأخص الواقعية الانتقادية التي كرسها في روايته الأولى هذه فاعتبرت البداية الحقيقية للواقعية في العصر الحديث، وإجمالا فالرواية تتحدث عن خيانات إيما لزوجها شارل بوفاري، وتسلط الضوء على سقطات كثيرة في الحياة الزوجية. وقد رُفعت ضد فلوبير قضية بسببها، اتهم فيها بارتكاب جرائم الإساءة إلى الأخلاق العامة والدين، بالإضافة إلى استقصاء للآراء المتناقضة التي تقف مع أو ضد العمل. وعلى الرغم من أن المحكمة قد حكمت ببراءة فلوبير؛ إلا أنها بدت غير مقتنعة في المكتوب عند تلاوة الحكم بشكل يوحي بعظم الأمر وتشعبه واحتياجه إلى نظرة تأملية عميقة جداً.  ( يتبع)

---------------------------------------------------------------



ثلاثية أحزان القصب تأليف شوكت الربيعي- القسم الثامن عشر- صحيفة المثقف- 19/ 8/ 2008م -

2008/8/19 .. 0 التعليقات .. رابط

ثلاثية أحزان القصب (18)

أرسل لصديق
شوكت الربيعي   
Tuesday, 19 August 2008 - المثقف

الأجنحة والجذور

لقد بدأت فكرة رواية "الأجنحة والجذور" عند قيامها بدراسة الفن فى (السليد سكول) حيث اكتشفت بعض ألغاز أفاريز من ألواح الطين

(منحوتات محزوزة وناتئة (رليف). بفضل توجيه صديقها العراقي، (الشحماني) وكان تأثيره واضحا فى مسار الرواية، حيث التعشيق الباهر والتزاوج المدهش والاسلوب الساحر والشكل الروائي الرائع، بين تاريخ الفن و أولى الملاحم القديمة في الادب الانساني المتمثل بأسطورة جلجامش، خامس ملوك سومر وكانت موئلا لعبادة (الإله أتو). (*) وكان فيها معبد (أي أنا) (*) الأبيض. واشتهرت بالأختام الغائرة. وكانت المدينة عاصمة لإقليم بابل السفلي. إلا أنها فقدت أهميتها بعد ظهور دولة أور. وبها بقايا زقورات. كما إخترعت بها الكتابة المسمارية وكانت عبارة عن صور بسيطة للأشياء على ألواح طينية تجفف تحت الشمس أو تحرق. أتبع فيها الخط المسماري. وكانت هذه المخطوطات اللوحية ترجع لسنة 3500ق.م . وكانت هذه الكتابة قد سبقت ظهور الأبجدية بأكثر من 1500 سنة . وظلت سائدة حتى القرن الأول الميلادي. و ظهرت تلك الكتابات أولا في جنوب وادي الرافدبن لدى السومريين، وكانت ملائمة لكتابة اللغة الأكادية التي يتحدث بها البابليون والآشوريون .و تم اختراع الكتابة التصويرية في بلاد ما بين النهرين قبل استخدام هيئات مستدقة النهايات تشبه المسمار حيث كانت تدون بالنقش علي ألواح من الطين. و تطورت الكتابة من استعمال الصور إلى استعمال الأنماط المنحوتة بالمسامير والتي تعرف بالكتابة المسمارية. وأول كتابة تم التعرف عليها هي الكتابة السومرية والتي لا تمت بصلة إلى أي لغة معاصرة. وبحلول عام 2400 قبل الميلاد تم اعتماد الخط المسماري لكتابة اللغة الأكدية، كما استعمل نفس الخط في كتابة اللغة الآشورية واللغة البابلية، وهي كلها لغات سامية مثل اللغتين العربية والعبرية. وتواصل استعمال الخط المسماري للكتابة في لغات البلاد المجاورة لبلاد ما بين النهرين مثل لغة الحطيين(الحيثيين) واللغة الفارسية القديمة، وكانت تستعمل حتى نهاية القرن الأول الميلادي. وقدمت هذه الرواية قراءات جمالية ممتعةتتعلق بالجذور. من ناحية أخرى اعتمدت المؤلفة نانسي فى كثير من معلوماتها على(مديرية الآثار العامة بجميع اقسامها السومرية والبابلية والاكدية والآشورية وقسم التنقيبات الآثارية الجديدة وإدارة التوثيق) بالمتحف العراقي القديم وعلى (أعداد مجلة سومر الفصلية المهمة)، وعلى (مجموعة الوثائق فى متاحف برلين واللوفر ولندن وارميتاج بطرسبرك في روسيا)، واتحاد علماء الاركيلوجيا الدولية في اليونسكو واعتمدت أيضا على كتب المكتشفين والباحثين والمنقبين وكتاب طه باقر "مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة"، لغزارة المعلومات التي يتضمنها. ومن المصادر التي اعتمدت عليها ويجدر ذكرها هنا أيضاً كتاب "الشرق الأدنى ـ الحضارات المبكرة" " وهو من تأليف مجموعة من أشهر علماء الآشوريات وهم "جان بوترو "، "اوتو ادزارد " و"آدم فلكنشتاين " وقام بترجمته الدكتور عامر سليمان وبحث منشور في مجلة "سومر" العدد الثلاثون، ويهتم بالتطورات اللغوية لاسم مدينة إيسن، " وقد أورد فيه أغلب المعابد التي ذكرت في النصوص العراقية القديمة " ومجموعة من المصادر المهمة الأخرى.

تقرر المؤلفة منذ الصفحة الأولى من الرواية عدة حقائق: أولاها أن الطقوس الروحية التي ظهرت في سومر وبابل، قد مهدت لظهور معتقدات آمنت بفكرة التوحيد لاحقا وانها لم تكن في روحها وخصائصها كما هي عليه الآن من قلب للحقائق الجوهرية بتاثير السياسة الدولية .

واكتشفت مكتبة ضخمة من ألواح الطين السومريةوالبابلية ووثائق و مخطوطات عرفت باسم الوثائق الإلهية المدونة باسم الملوك: (نبوخذ نصر وسنحاريب وسرجون الأكدي وآشور بانيبال وغيرهم) (*) الذين عاقبوا الخارجين عن روح الدين من المزورين والمحرفين وجاؤا بهم عبر الصحراء أسرى مربوطين اكلتهم (الطير والذئاب). . كماجاء في النصوص المنقوشة على مسلات من حجر الصوان وعلى سطوح أواني النذور والأختام الاسطوانية. و كانت اوصاف الأعمال الفنية وطرز الزقورات المعمارية و والواح الطين الوثائقية المكتبية وكتابة الدعية والابتهالات الدينية التي تنشد الطقوس السرية داخل الرواية هو وصف دقيق ومبهر وكأن القاريء يتجول ليس بين امم سادت حضاراتها ثم بادت، وإنما كانت رحلة علمية وفكرية اعتمدت الحقائق التاريخية وثيقة جوهرية من وثائق الرواية المدهشة..

تبدأ رواية نانسي(الأجنحة والجذور) من داخل زقورة أور السومرية، وضمن أجواء غامضة من اختفاء ألواح طينية كان قد عثر عليها هرمز رسام (1898م -1964م) وأودعها لدى منقب الاثار (محمد الرحال) الذي اتخذ من مبنى واسع المحيط على ضفة بحيرة ساوة سكنا له ومكانا مؤقتا لحفظ الاثار المكتشفة في التنقيبات من اوان ولقى والواح ورقم جديدة . وكان قد راودته شكوك ضاغطة جعلته يتصل بادارة التنقيبات ولم يرده الجواب السريع وحاول الاتصال بالمدير العام ساطع الحصري. وكان آنذاك في مؤتمر روما للاثار والتنقيبات الشرقية . وازدادت شكوك الرحال بوجود مجموعة من الاجانب يدعون بانهم مكلفون بمتابعة ترميم الزقورات ووضع خرئط ونماذج جبسية لمعمارها من الداخل والخارج . وكانوا بالفعل مكلفين بهذا العمل رسميا . ولكنه كان قلقا من تصرفات بعض اعضاء اللجنة- وكان أحد الأعضاء المترجمين المرافقين للبعثة وأحد البارزين فى الجماعة اليهودية في العراق ويسمونه " ليفي أدس" المنتمي إلى المنظمةالسرية التي تقوم بتفجيرات (بيوت وكنيس وأماكن عبادة) الطائفة اليهودية في البصرة والعمارة وبغداد وكركوك والموصل. وكان (الرحال) قد ترك رسالة داخل تجويف رأس سرجون الأكدي إلى حفيدته – عشتار - الإخصائية فى علم الشفرات ضمنها الرموز السرية التى يحتفظ بها، عن بعض مواقف اليهود الجدد من اساسيات وعقيدة الديانة اليهودية وتزوير وتشويه النصوص الأصلية بله الخطة الكاملة لبناء الدولة الحديثة التي تستنكرها مباديء الديانة اليهودية الجوهرية وتعتبر امتدادها شرقا وغربا وشمالا وجنوبا نذير شؤم على الحالمين من يهود العالم. واقترح عليها الاستعانة فى حل العقدة بعالم الآثار الكبير "طه باقر" والباحث (هرمز) مكتشف اسرار علم الرموز الدينية في دائرة الاثار والتنقيبات، ومن خلال رحلة البحث عن مغزى الرسالة وتوضح السر الذى حافظ عليه الرحال ضمن وثائق " ألواح الطين " المتراكمة في المكتبات التي عثر عليها بالألوف. تبين ان مخطوطات "بروتوكولات حكماء صهيون". قد استلت منها وسرقت وشوهت وجرى عليها تغيير وشطب وتبديل وتحوير ولكنهم لم يعثروا على الشواهد المرمزة في الكتابة المسمارية المنقوشة على سطوح تجاويف قطع النحت الرليف ونصف المدور والتماثيل الضخمة للثيران المجنحة التي تحمي أبواب المدن من الشياطين والأعداء وقد قامت فئات من سبايا العهد البابلي الأول بالارتداد ظاهريا عن اليهودية. و أنها فئة آمنت بالآلهة إنليل وتموز وعشتار وبالعالم السفلي وبالنشور الأزلي الاخر. ولكنهم كانوا في معدنهم وباطنهم مخادعين. وحين تنادت حواء لعالم آدم تحت شجرة الحياة لم تجد نفعا في صد حملة التشهير بالأنثى المقدسة ووسمها بالشيطان فاعادو اليهود الكرة مرتين حتى انمحى تماما أى أثر للآلهة الأنثى فى معتقداتهم بعد موت الاسكندر المقدوني في بساتين اسكندرية بابل عام 333 قبل الميلاد وموت الاسكندر المقدوني فيها. ثم حدثت الردة بعد السبي البابلي الثاني.. ودعت إلى تحويل الاتحاد الجنسى الفطرى بين الرجل والمرأة من فعل مقدس إلى فعلة شائنة، وهو ما أفقد الحياة التوازن. لهذا قدمت (نانسي) قراءة جمالية ممتعة ومبدعة فى جداريات سومرية وبابلية وآشورية. عكست بوضوح إيمان مبدعي النصب والجداريات والمنحوتات الرليفية المحزوزة ونصف المدورة، بالتوازن بين الذكر والأنثى. وجمعت في صياغة أشكالها، ذلك التنوع الخالد لقوتي الرجل والمرأة كما في بوابة عشتار ومداخل المدن الكبرى. فكانت دليلا على الاتحاد المقدس بين الذكر والأنثى. ولعل أحد الأسرار المقدسة كان موجودا في تلك النظرة الأبدية إلى العالم التي كان ينظر بها المفكرون والفنانون والكتاب و الشعراء. وبرغم طبيعتهم الروحانية فقد ظل رجال الدين وكهنة المعابد السومرية والبابلية والأكدية والآشورية على خلاف مستمر مع مفهوم نفي الوحدانية، لأنهم كانوا يرون ببصيرتهم وحدة الاشياء ووحدة المراة بالرجل ووحدة تنوع الاجزاء في كلية الموجودات ولا نهائية الفضاء ووحدة نظام الكون التى هى أبعد ما تكون عن ادراكها والتى تضمنت الكثير من الأسرار والرموز حول عقائد البشرية التي صنعتها المخاوف. لهذا طاردتهم اللعنة الابدية فانكفأوا خاسئين ولم يصبروا على ما اتاهم الخالق من نعمة فطغوا في الارض فسادا، فتنكروا لكل ذلك إلا المكتوب المحفور على رقم الطين البابلية التي فوجئوا بأن نسخا كثيرة من ألواح الطين قد نقش عليها بنود وقوانين مقدسة وصادمة لهم الآن محاولين فك الشفرات التي لم يتوصلوا إلى تحليل رموز أسرارها وتحليل قيمتها وتأثيرها ومشيئتها الروحية ومساهماتها فى بناء التاريخ والحضارات البشرية باختلاف مراحلها واشكالها، و كانت المؤسسات الدينية قد لعبت ولا تزال تلعب بتشويه وتزوير الحقائق، واذا كان ذلك غير واضح فى المجتمعات الاسلامية بسبب اختلاف الجوهر، فإن التغييرات والتحولات المجتمعية فيها قد اعطت للمرأة الرمز بعضا من حقوقها وتفادت دورها المغيب لدى المتطرفين من بقايا السبي البابلي، و لا تزال محاولات مفرطة حثيثة لتغييب دور المرأة التاريخى الذى كان وكأنه يبث الذعر فى المجتمعات غير المؤمنة التي تقودها الان أمريكا نحو حتفها الأكيد. . وماهم سوى عالم مادي شاذ ونموذج للفشل الذريع. تديره قوى صغرى غاشمة تتقنع بأقنعة متغيرة إذعانا للشيطان بارتكاب إغواءات مهلكة في الشكل المزدوج لـكل فرد فيهم وهي تمثل ثقبا أسود بالمعنى الحرفي للكلمة، او هي (المهبل القاتل). هذا كله يبعث على الرعب، ولكنه شيئ يعايشه العالم . هناك دائما إمكانية للتفوق، بفضل ما تنطوي عليه قوة الروح وفكرة الوحدة البشرية من قدرة لا متناهية على إظهار المحبة والإمتاع. فإشراقة (رمز العطاء ورمز الطبيعة ورمز الانوثة و رمز الامومة) وحرارتها الجنسية المتناسلة لحفظ النوع البشري من الضمور والانقراض والموت البطيء تتمخض على الدوام، عن موقف يحمي البشرية من الانهيار والدمار والفناء، فيجعلنا محصنين ضد الافكار والاعمال والحروب التدميرية . إنها رؤيا أخلاقية ــ بالمعني الاسمي للكلمة(لا شيء سوى روح الحقيقة السامية. .!) ومن هنا ضرورتها وأهميتها. إن مكانة وأهمية هذه الرواية تكمن في تفوق "أسفار الوصايا" الانسانية لمستقبل البشرية، و لا تقل فى تشويقها عن ألف ليلة وليلة ورواية أبي زيد الهلالي وكليلة ودمنة وعنتر وعبلة. وستثير هذه الرواية ضجة كبرى فى العالم. تفوق ما كانت عليه الروايات التي هزت مشاعر الناس المؤمنين بالمستقبل. قبل آلاف السنين في ما طرحته ملحمة جلجامش من اسئلة ما زالت لحد الآن بحاجة ملحة إلى الاجوبة المبدئية التي لامناص من الايمان بحقائقها الجوهرية.

كانت رواية (نانسي) قد سلطت الضوء على حقائق متعددة - لا حقيقة واحدة- طرحت فى سفرها المبهر وقدمت رؤى انقلابية لتاريخ وحقائق كانت من المسلمات والمحرمات (التابوات) التي لاتناقش أبدا . بل هي "الحقيقة "،" وهي متعة "الحقيقة والخيال ".وليست "بالهراء الخلاب"، ولقد أبدى البعض من القيمين في قلب لندن، استعدادهم أخيراً لتصحيح «الأخطاء الواردة المخطوطة من الناحية اللاهوتية». « وسيكون هذا الكتاب في عداد الكتب الأكثر أهمية في العالم، ويتعين علينا ان نواجهه بأفضل طريقة عملية مضمونة النتائج لمواجهة واقناع الواهمين بحقائق الامور .. »،: «وهناك مبدأ يجري تطبيقه أيضا لتثبيت تلك الحقيقة والتمييز بين الخيال والواقع». ــ عندما قلت سابقا ان العالم قد غدا مميتا للأطفال، لم أكن أفكر في المساعدات فحسب، وموجة أكلة لحم البشر في إقليم ايتوري بالكونغو، أو الجنود الصبية أو المراهقين العالقين في أوحال يأسهم في فيتنام، أو ظهور موجة التجنيد الاجباري مجددا والرأسمالية الخبيثة في اوروبا تستعد مع امريكا لتدمير البشرية في العقد الرابع، من القرن الحالي، وذكر أن سلب ثروات كوكبنا وموارده سلبا غير مسبوق، وتعريضه لكوارث كبرى محتملة بسبب الخراب الذي تنعرض له الارض به، هو الاشارة الفاصلة في حياة البشر. عندها ستغدو تلك اللحظة ذروة الصحوة! إنها الصحوة المخصبة بإشراقة من دواخلنا. لقد حكمتنا على مر زمن طويل عقول عقيمة ولا تتحلي بأدني قدر من الحكمة. فماذا لو جعلنا صحوتنا ــ ينبغي ان تكون ثورة ــ في ضوء الرغبات التي تحدو أطفالنا؟)(*) كوكبنا غير مهيأ للفرح . علينا أن ننتزع السعادة من الأيام القادمة ..أن نموتَ في هذه الدنيا ليس صعباً . لكن أصعب بكثير أن نصنع الحياة . ومن هنا كان تأثرها بكتابات الروائية ريككي دوكورنيت عن فرح الطفولة مقابل صورة نقيضة عن المرأة كحاجة جنسية في روايات كثيرة مثل بعض أعمال لورانس والبرتو مورافيا وكما ورد في رواية مورافيا : شباب امرأة. التي انتحرت فيها ’أوديت’’ الشخصية الرئيسية في هذه الرواية احتجاجا على واقع رديء وغير منصف للمرأة على الاطلاق .. وكانت ميل نانسي الشديد إلى فكرة الانتحار يجعلها تنفعل بقصة حياة فرجينيا وولف: إن المرأة الغربية انتحرت مرارا قبل أن تستحق العيش بالشروط الاجتماعية الراهنة.بل وجنت كثيرا قبل أن تظفر بعقلها الحالي.علما أن الأحمق هو الذي فقد كل شيء ما عدا العقل! وهل يحمل هذا الفعل شبها لضغوط ثقيلة على النفس والعقل والابداع كما كانت عليه فرجينيا وولف(1882 – 1941) – التي ماتت بدورها انتحاراً بعد ستة عشر عاماً من صدور «مسز دالاواي»، عرفت كيف تقدم صورة ما لبريطانيا الخارجة من الحرب العالمية الأولى والمتغيرة اخلاقياً واجتماعياً بعد اعوام من نهاية العصر الفيكتوري وتزمته. وحين كتبت وولف هذه الرواية (1925) كانت تعيش في وسط صخب الحياة الأدبية في لندن، وكانت – وزوجها – عضواً في مجموعة بلومبزبيري، ذات المناحي الاشتراكية – سياسياً – والتجديدية ادبياً. وكانت «مسز دالاواي» الأولى بين سلسلة اعمال فرجينيا وولف الكبرى، ومنها «نحو المنارة» (1927)، و «أورلاندو» و «غرفة خاصة» (1929) و «الأمواج» (1931) و «بين الفصول» (1941)، إضافة إلى مجموعات من القصص القصيرة، ثم بخاصة كتاب مذكراتها الشهير «يوميات كاتبة» الذي يمكن القارئ ان يتلمس فيه تفاصيل تطور «جنونها» الذي قادها في نهاية الأمر إلى الانتحار. وليس صعباً على من يقرأ رواية فرجينيا وولف «مسز دالاواي»، ويكون قد قرأ قبلها رواية جيمس جويس «يوليسيس»، أن يكتشف ان رواية الأولى إنما هي أشبه بالرد المباشر، والأنثوي، على رواية الثاني. بل من السهل القول ان وولف إنما استعانت بالأسلوب ذاته الذي اتبعه جويس في روايته الأشهر، لتقدم يوماً من حياة بطلة روايتها كلاريسا دالاواي، هو المعادل الطبيعي – هنا – لليوم الذي يصوره جويس من حياة بطله. علماً أن أحد الفوارق الرئيسة بين الروايتين يكمن في ان «مسز دالاواي» تدور «أحداثاً» في لندن، فيما تدور «احداث» «يوليسيس» في دبلن. ولئن كانت دبلن هي صاحبة البطولة المطلقة في رواية جويس، فإن لندن في رواية وولف لا تشكل أكثر من الإطار الخاص الذي يكاد يعكس بريطانيا كلها كما كانت تعيش وتتنفس بعيد الحرب العالمية الأولى. غير ان هذا الحضور المتفاوت لكل من المدينتين في كل من الروايتين، لا ينبغي ان يحجب عنا انهما – أي الروايتين – تنتميان معاً الى المنطق الروائي السردي ذاته» منطق تيار الوعي، الذي كان جيمس جويس رائداً في إضفائه على عمله الروائي، فيما لم تكن فرجينيا وولف سوى مستخدمة له وليس في كل أعمالها بالطبع. والجدير ذكره هنا ان حضور تيار الوعي قوياً في العملين معاً، إنما كان الحاجز الذي حال دون التمكن من نقل أي من العملين الى السينما التي يصعب عليها التعبير عن تيار الوعي هذا. غير ان هذا لم يمنع المحاولة، ومرتين – في نمطين مختلفين – بالنسبة الى «مسز دالاواي»، مرة حين حققت المخرجة الدنماركية مارلين غوريس فيلماً مباشراً مقتبساً من الرواية من بطولة فانيسا ردغريف، فتمخض المشروع عن فشل تعبيري ذريع. ومرة ثانية حين انطلق المخرج الإنكليزي ستيفن دالدري، من الرواية، كما من فصل من فصول حياة فرجينيا وولف نفسها، ليقدم حبكة معصرنة تمزج بين ثلاثة مصائر نسائية وذلك في فيلمه «الساعات» الذي لعبت فيه نيكول كدمان دور فرجينيا وولف، فيما لعبت مريل ستريب دور مسز دالاواي معاصرة. هذا المشروع الأخير كان أنجح وأكثر إقناعاً، لكن التساؤل ظل مطروحاً في صدده من حول: ماذا بقي في الفيلم من فرجينيا وولف وروايتها الكبرى؟ وفي المقاييس كلها، إذاً، يمكن النظر الى «مسز دالاواي» على انها الأكبر والأهم بين مجموع النصوص الروائية والقصصية التي كتبتها فرجينيا وولف. وهذه الرواية – على رغم ان اية مقاربة مع «يوليسيس» ليست في مصلحتها، تعتبر من أهم الأعمال الروائية التي صدرت خلال النصف الاول من القرن العشرين، ويقيناً ان قوتها تكمن في المكان ذاته الذي يحول دون اقتباسها في أي عمل فني آخر... ما يعني ان «مسز دالاواي» عصية كذلك على التلخيص. فهي – بعد كل شيء – ليست من الروايات التي تسرد احداثاً معينة، ولا حتى لقاءات ذات دلالة. هي، في هذا الإطار، مثل «يوليسيس» تتعاطى مع مفهوم مرور الزمن الذي يبدو ساكناً لا يحدث فيه شيء استثنائي، أي لا يحدث فيه امر درامي يشكل في الأحوال العادية حبكة لعمل روائي عادي. في «مسز دالاواي» لا يحدث شيء كبير. مجرد لقاءات من تلك التي يمكن ان تحدث كل يوم وإعمال فكر، لدى مسز دالاواي نفسها في ما يدور من حولها وفي مصائر الناس الذين تعرفهم. وفي هذا الإطار، كان من الطبيعي ان تبدأ الرواية مع «بطلتها» كلاريسا دالاواي، إذ تخرج من بيتها عند الصباح لتقوم بجولة عادية، أو بالأحرى شبه عادية، طالما انها خلال تجوالها ستسعى للتحضير لحفلة تقيمها وتستضيف فيها عدداً من معارفها.

 كانت فرجينيا وولف طوال صفحات الرواية، قد عبّرت عن الشرط الإنساني، وخصوصاً الشرط النسائي من خلال ذلك التقابل بين الشخصيتين. وهذا التقابل الذي أصرت فيه الكاتبة على ان تقابل امرأتها بشخصية فنان مريض ومثلي الجنسية ايضاً، وبلغ من الضعف بحيث ينهي ايامه انتحاراً في نهاية المطاف، هذا التقابل أتاح لها – أي للكاتبة – ان تجعل من روايتها واحدة من اكبر الروايات النسوية وأعمقها في القرن العشرين. أو هذا ما وصل الى القراء في نهاية الأمر من رواية لامست في الوقت نفسه، ومن طريق تفكير بطلتها وتيار الوعي الذي يصاحبها طوال نهارها المشهود ذاك، جملة من بعض اهم أو أعقد المشكلات التي كانت مطروحة في ذلك الحين... من قضية المرأة – طبعاً – الى المسألة الكولونيالية، الى مسألة تحول كل شيء وكل القيم الى سلع، وصولاً الى الكثير من المشكلات السياسية. وهذه الأخيرة تبدو لدى وولف اكثر حدة منها لدى جيمس جويس، وإن كان الأديبان وصفا، وتحديداً انطلاقاً من عمليهما اللذين نقصر الحديث عنهما هنا، بأنهما رائدا الحداثة في الأدب الروائي في القرن العشرين. تلك الحداثة التي رأى النقاد والباحثون ان شرطها الأول هو ان تعيش الرواية الحياة كما هي، لا كما يمكن عقل كاتب ان يتخيلها ويؤمثلها. وهذه الحياة، إذا كانت تقدم لنا هنا في «مسز دالاواي» كما هي طوال ذلك اليوم، فإنها تقدم ايضاً كما كانت قبل ذلك اليوم... أو بالأحرى كيف وصلت بمسز دالاواي الى ذلك اليوم. ولهذه الغاية تغوص بنا الرواية – كما أشرنا – في ماضي مسز دالاواي كما في ذكرياتها، وكذلك في تصوراتها عما سيحدث خلال الساعات المقبلة، حيث كل شيء انطلاقاً من المقدمات التي تلامسها، يبدو متوقفاً، بما في ذلك انتحار سبتيموس الذي لا يرتدي أي طابع درامي هنا. وبالتالي لا يرتدي أي طابع ميلودرامي حتى وإن كان شيء من الجنون يصاحب كل حديث عن سبتيموس وعن انهياره. ولمثل الضغوط التي واجهت فرجينيا وولف، تعرضت كاتبة عراقية قديرة، وأستاذة جامعية بارزة، هي الدكتورة حياة شرارة المترجمة والباحثة (*) إلى تجربة حرجة غادرت بسببها الحياة انتحارا . لقد كانت في سلوكها الاجتماعي، وتوجهها الثقافي، وانتاجها العلمي، ورؤيتها الحياتية ضد النزعة الظلامية مؤمنة بالانسان، وحتمية انتصاره، كما كانت مفعمة الاحساس بالمستقبل الزاهر، ولكن الظروف وقساوة الطغيان، وثقل الحصار، كل ذلك أضعف روح المقاومة لديها...يمتاز انتاج حياة بالتنوع، فقد كتبت: الرواية، القصة، الدراسة، المقالة والترجمة، كما انها زاولت (التحقيق) ونظمت الشعر، ومع تعدد المناحي الثقافية، واختلاف منابعها سعة في الثراء، وعمق في الغنى.عاشت في بيئة يؤمها الشاعر والقاص على حد سواء، وكان والدها المرحوم (محمد شرارة) (*) نفسه شاعرا كبيرا أسمعها الكثير من شعره، كما كان ذا مجلس أدبي عامر يحضره عمالقة الشعر كالجواهري، السياب والبياتي. في تلك الاجواء الزاخرة بالادب، والشعر والثقافة ازدهرت شخصيتها ونمت، فأحبت الشعر وحفظت عيونه، وآمنت بالكتاب وسيلة ابداعية، وبالثقافة منهجا حياتيا. كان ذلك منذ نعومة الأظفار، وصغر الجدائل، وطراوة العقل، وطفولة المخيلة. وسمحت الحياة لها ان تسافر الى روسيا، بلد الرواية والقصة القصيرة، بلد دستوفسكي، بوشكن، انطوان تشيخوف، تولستوي وغوركي، والرعيل الاول من عمالقة الثقافة لدراسة الادب الروسي عامة وتولستوي خاصة! وتأتي روايتها "اذا الايام أغسقت" الصادرة بعد وفاتها بمراجعة وتقديم شقيقتها الاديبة (بلقيس شرارة((*). وإن اهتمام(حياة شرارة) بالادب والبحث لم يصرفها عن الالتفات الى دراسة السيرة الذاتية للشاعرة نازك الملائكة (دار رياض الريس)،. وقد أطلقتها سيرة نابضة بالحياة من خلال دراسة ميدانية سجلتها من عبرالاتصال بعشرات الأشخاص ابتداءً من الشاعرة وأخواتها إلى أقاربها وأصدقائها ومعارفها. سيرة يعيش معها القارئ ومع الشاعرة الناقدة حياتها بكل خلجاتها وبكل نبضاتها، يدخل القارئ في عمق بغداد وعاداتها وتقاليدها ويتعرف على الطراز المعماري، والأهم من ذلك يعيش مع نازك الملائكة وبداية تجربتها في الشعر التي امتلكت سيادته فخطت بذلك لنفسها طريقاً في حركة الشعر العربي الحديث.)

كنت أحدق في عيني نانسي وانا استجمع ما اريد قوله: (لو نتعامل مع شخصيات روايتك من زوايا أخرى منبثقة من فكرة و زمـن القصص القصيرة. أي نضعها في معمار ومناخ وأزمنة وامكنة وروحية القصة القصيرة، ثم نبني عليها ونؤثث دواخلها وباطنها ونحركها برؤية حديثة. مثلا جاء في نص أبدعه (د. مســعود بوبو) وهو كاتب عربي من سورية، قوله:(.. يحكى أن امرأة كانت تجري حافية القدمين على شاطئ رملي..خطوة في الماء وخطوة في الرمل البليل فاستوقفها صياد سمك مسنّ، وانتزع منها قصتها المجروحة التي ختمتها قائلة: وهكذا تضيق بالناس المدن فتلفظهم في شاطئ البحر، كما يضيق بهم البحر إذ يغرقون فيلفظهم أيضاً.. أو يأكلهم سمك القرش. وثمة سمك قرش في كل مكان.. لن أرجع إلى المدينة ولن أنتحر.. ولن أذهب معك.. سأظل أجري مستمتعة بهذا الرمل الدمث، والمياه المالحة حتى أموت... ثم غابت في كحل المساء.. وردد الرجل المسن): قالت: ثمة سمك في كل مكان، أين؟‏) ومثال آخر: (.. دعا واحد من علية القوم نفراً من أصحابه وأُسَرهم ليسمعوا عنده آخر أغنية على أسطوانة وصلته حديثاً... ووعدهم بكأس نفيس وعشاء خفيف، وبين الأسطوانة والزجاجة جرى حديث خافت... وعند بدء الحفل المتواضع الحميم مد صاحب الدعوة يده إلى الأسطوانة فاستحالت صمغاً دبقاً والتصقت بيده وسترته، ثم "طقت" الزجاجة وسال دمها حزيناً تحت أقدام الحاضرين؟‏ .) أو نقرأ مثالا للمرة الثالثة: (.. يحكى أن جندياً ظل يحرس ما كلف بحراسته أكثر من سنتين ويده على الزناد.. وكان مدمناً على تذكر الماضي في عملية ترجيع لا تنتهي.. وذات مساء ضغط على الزناد بشدة فقتل ثلاث من الأعداء: (الصمت والجبل والزمن) الذي لم يكن قد مات تماماً. وأبقى في بيت النار رصاصة الرحمة.‏( القصيرة نراقب كيف و في زمن القصص: (أصابت رصاصة جندي إسرائيلي صدرَ صبي فلسطيني يرتدي ثياباً بيضاً... احتضنت الأرض الصبي وأنبتت على قميصه وردة حمراء... وانحنت مئذنة من علوها، ورفعت الصبي فوق رأسها وشمخت عالياً، وفي ليل فلسطيني صارت الوردة الحمراء نجمة.. تكامل السواد والبياض والحمرة.. وصار الصبي علماً شبيهاً بكثير من الأعلام العربية... وحملت الريح الفلسطينية صوت المؤذن من بيت إلى بيت: الصلاة خير من النوم... فصلى الناس جماعة في ظل العلم.. ‏(في قصة قصيرة أخرى (.. دعا صاحب مزرعة كلبه وأوصاه ألا يغفل عن الحراسة وترقُّبِ اللصوص، وهدده إن غفل بحرمانه من الطعام والاقتراب من المزرعة ورميه رمي الكلاب.. فنظر الكلب ملياً إليه.. وأخذ نفساً عميقاً.. ثم مضى ولم يعد.‏(وفي قصة قصيرة ما قبل الأخيرة. (.. نصب موظف كبير في عطلته الاسبوعية شباكاً طويلة في مزرعته لصيد نوع من الطيور المهاجرة في ذلك الوقت من السنة، وكان يحلم نَهِماً طوال الليل بشبعة من لحم الطيور. وبكر إلى الشباك في صباح يوم السبت فوجد نباتاته كلها مقتلعة. وشباكه ممزقة.. وعلى الأرض كان ريش كثير، ومئات المناقير المكسرة.. فتأخر عن الدوام على الوظيفة).‏ وكان في خاتمة مختاراتنا القصصية المقترحة الآن، ثمة مسك حملته رياح محبة خاصة، حيث (.. جمع الحب بين قلبين لشاب أخرس وفتاة خرساء، وليل العرس لم يجدا أحداً يحتفل بهما أو يكون شاهد زواج... وبصمت تفاهمت عيونهما وسحبا من قلبيهما بوادر هزيمة، ثم جمعا نفسيهما وأولادهما الأسوياء المقبلين... ومضوا بعزم للقيام بهذا الواجب الاجتماعي النبيل.. فاكتمل النصاب. وكان العرس قانونياً، ورسمياً حسب الأصول المرعية.) والأمر الرائع الذي ينطبق على فكرتنا حول القصة القصيرة جدا، هو ان الكاتب الانجليزي (جورج أورويل) كان قد بدأ رواياته بمعمار القصة القصيرة، إذ بعث رسالة الى صديقه غليب ستروف في شهر شباط (فبراير) 1944، أخبره في بضع كلمات أنه حالياً يكتب «مفرقعة صغيرة» مضيفاً: «مفرقعة سوف تلهو بها حين تنجز، لكنني أقول لك منذ الآن انها لن تكون على ما يرام من الناحية السياسية، الى درجة أنني لست واثقاً، الآن، من أن أحداً سيقبل نشرها». هذه «المفرقعة» التي تحدث عنها أورويل في هذه الرسالة هي روايته «مزرعة الحيوانات، التي كتبها حين كان يعمل في محطة «البي. بي. سي» بعد عودته من إسبانيا، حيث شارك في الحرب الأهلية ضد الفاشيين وصعقه أن يكتشف الخيانات والقذارات في المعسكر الآخر الذي كان ينتمي اليه. ومعروف أن صراعات دامية دارت في صفوف القوى اليسارية، لم يتردد خلالها الستالينيون عن إبادة التروتسكيين، في وقت كان ستالين، في موسكو، يحاكم ويعدم وينفي أنصار تروتسكي وبقية اليساريين من الذين كانوا، هم، من صنع حقاً الثورة البولشفية قبل ذلك بعقدين. وما رواية «مزرعة الحيوانات» سوى الصورة الرمزية لكل ذلك... فكانت من أولى الأعمال الروائية الساخرة المرة الكبيرة التي أعلنت موت الأحلام والآمال الكبرى التي كان مثقفون ومبدعون ومناضلون من أنحاء العالم كله – ومن بينهم جورج أورويل – وضعوها في تلك الثورة. بل ان هذه الرواية التي وضعت أصلاً ضد ستالين ونمطه السوفياتي القمعي القاتل، ستقرأ خلال نصف القرن التالي، من صدورها، وحتى اليوم، كأمثولة عن كل أنواع التسلط والقمع الشمولي التي ورثت من الستالينية، كما من الفاشية والنازية، ولا تزال حية بأشكال وايديولوجيات متنوعة حتى أيامنا هذه. ومن هنا تتخذ أهميتها هذه الرواية، التي عاشت مع هذا في ظل رواية أورويل الأخرى «1984» لتطل بين الحين والآخر حاملة معها كل معانيها. غير ان هذا لا يجب أن يدفعنا الى الاعتقاد بأننا هنا أمام رواية شديدة الجدية، ايديولوجية وجامدة، بل على العكس، منذ البداية أراد منها أورويل أن تكون مسلية في الوقت نفسه، منتمية الى تراث الأدب الحكائي الإنكليزي الذي كانت «رحلات غاليفر» رائدته. وواضح هنا أن «رحلات غاليفر» هذه كانت – من بعيد – في ذهن أورويل حين كتب «مزرعة الحيوانات» بوصفها «أول كتاب حاولت فيه، بوعي كامل لما أقوم به، أن أدمج السياسي والهدف الفني في بوتقة واحدة» كما سيقول أورويل نفسه في نص عن الكتاب جاء في كتابه «لماذا أكتب؟». مهما يكن، وضمن إطار البعد السياسي للكتاب، يكتب جورج أورويل موضحاً، في العام 1947، غرض وظروف كتابة «مزرعة الحيوانات»: «خلال السنوات العشر الأخيرة بت على قناعة تامة بأن نزع القناع الواقي عن خرافة السوفيات، أمر ضروري ان كنا نريد حقاً إعادة الحياة الى الحركة الاشتراكية» ويتابع: « لدى عودتي من اسبانيا، وجدت ان في امكاني أن أكشف حقيقة الخرافة السوفياتية الستالينية في قصة يمكن أي أمرئ أن يفهمها بسهولة... كما يمكن نقلها الى اللغات الأخرى. غير ان التفاصيل ظلت عصية عن الوصول اليّ حتى شاهدت ذات يوم في قرية صغيرة كنت أعيش فيها، صبيّاً يسوط جواده بعنف في طريق ضيقة يبتغي المرور بها. على الفور واتتني الفكرة: لو كانت هذه الحيوانات واعية بقوتها لما كان في إمكاننا أن نتسلط عليها. أما الناس فإنهم يستغلون الحيوانات بالطريقة نفسها التي يستغل بها الأغنياء الفقراء البروليتاريين». فكيف صاغ أورويل هذه الفكرة السياسية وبأي تفاصيل؟ وكيف وصل هذا كله الى القراء في إنكلترا ثم خارجها اذ ترجمت الرواية، خلال العقدين التاليين الى عشرات اللغات. بل ترجمت بخاصة الى الروسية في طبعات سرية راحت تتداول خفية وفي السوق السوداء؟

 

كانت أحداث الرواية تدور في مزرعة للحيوانات يملكها السيد جونز. ذات مساء ينسى السيد جونز هذا ان يحكم اقفال مداخل المزرعة كما اعتاد أن يفعل كل مساء وهكذا لم تعد الحواجز بين شتى أجزاء مهاجع الحيوانات منيعة، ما مكن تلك الحيوانات من أن تتجمع ليلاً من حول زعيم لها كان اعتاد الدعوة الى الثورة ضد استغلال الإنسان لمعشر الحيوانات. وفي استجابة طيعة لدعوة الثوري العجوز، تمكن خنزيران شابان هما سنوبال وسيزار من تزعم ثورة عاتية، أطاحت السيد جونز وطردته جاعلة السلطة لتلك الحيوانات وعلى رأسها سنوبال وسيزار. صحيح ان الحيوانات بدت هنا على موعد لكن الثمن كان مرتفعاً: صار على الحيوانات، ضمن تنظيم جديد للعمل وللمهام، ان تتعب أكثر، خصوصاً أن بني البشر المناصرين للسيد جونز سيحاولون استعادة السلطة. وهنا برز سيزار قائداً شجاعاً قاد الحيوانات ضد الهجوم المعتاد فأفشله. غير ان هذا لم يمنع سنوبال من أن يقف بعد ذلك ضد سيزار في صراع صامت أولاً، ضاج لاحقاً، على النفوذ راح يتفاقم بين الاثنين. وسوف يكون الانتصار في ذلك الصراع لسنوبال، بفضل مجموعات من الحيوانات الصغيرة الموالية له والتي كان قد رباها ودربها في تكتم أعانه على السيطرة التامة، وبالتالي على طرد سيزار من المزرعة. ولم يكتف سنوبال بذلك بل راح ينشر الدعاية وسط معشر الحيوانات قائلة ان سيزار كان خائناً عميلاً للأعداء ومناصراً خفية لبني البشر. وكان من الطبيعي وقد سيطر سنوبال على القوة الضاربة وعلى عقول العامة، أن يصدق رعاع الحيوانات هذا الكلام، ما مكن سنوبال. بعد نفي سيزار، من مطاردة أنصار هذا الأخير ومحاكمتهم، حتى تمكن من الاستفراد بالسلطة موطداً نظام قمع ورعب مريع لم تعد له أدنى علاقة بالوعود الذهبية التي كانت أغدقت أول أيام الثورة، ولا مع المبادئ النيّرة التي كانت قد كمنت وراء نجاح الثورة أصلاً. تحول كل ذلك الى حكم حزبي مخابراتي وايديولوجي حقق أكبر انتصاراته حين جعل الحيوانات تنسى كل ما كان سيزار بذله في سبيل الأمة في عملية «غسيل أدمغة لا سابق لها في تاريخ الحيوانات». بل ان استشراء القمع والتسلط أنسى الجمهور حتى مبادئ القراءة بحيث أنه الآن ما عاد قادراً إلا على قراءة النصوص الساذجة السطحية التي راح سنوبال يكتبها وينشرها وغايته منها تأمين مزيد من غسل أدمغة الجمهور وتركيز سلطته المطلقة، اذ صار الآن يعرف بأنه «القائد الملهم» و «الخطيب المفوه» و «المؤلف العبقري». في ظل هذا الوضع كان من الطبيعي أن تفشل كل المشاريع الضخمة التي خطط لها الزعيم... لكنه راح يقابل كل فشل بمزيد من الديماغوجية وإعلان «الانتصار» ثم بمزيد من القمع لمن لا يصدق مزاعمه. ولسوف يؤدي الى وجود طبقة من مناصري سنوبال، لم تعد تنتمي لا الى عالم الحيوانات ولا الى عالم البشر. وهذه الطبقة راحت تحل محل البشر في استغلال الحيوان. أما الإنتاج الذي طلع من ذلك الاستغلال، فإن سنوبال شعر أنه مضطر الى تبادله، الآن، مع ما تنتجه مزارع البشر المجاورة له ما راح يحوله بالتدريج ويحول مناصريه الى نوع جديد يشبه البشر. بل ان المزارعين المجاورين حين اتوا في زيارة الى «المزرعة النموذجية» لتهنئة الحيوانات على إنتاجها، وجدوا هذه تمشي مثلهم على قائمتين وتتحرك مثلهم تماماً: صاروا بشراً من النوع المستغَل... ما شكل آخر وأكبر انتصار لسنوبال.

ان القارئ ما ان يصل الى الصفحات الأخيرة من «مزرعة الحيوانات»، وبعد أن يكون تمتع بقراءة هذا النص المسلي، يدرك بسرعة أنه ان بدّل الأسماء، سيكون أمام منشور سياسي قاس وطريف: يضع اسم تروتسكي محل سيزار وستالين محل سنوبال، والاتحاد السوفياتي محل المزرعة... وهلم جراً. ويتيقن مما كان أكده جورج أورويل (1903 – 1950) – وهو الاسم المستعار الذي عرف به الكاتب والصحافي والمناضل – ثم عميل الاستخبارات البريطانية على عادة كبار الكتّاب الإنكليز – اريك آرثر بلير – من أن الكتاب انما هو أولاً وأخيراً، نص يفضح ممارسات الستالينية و «من الداخل» اذ ان أورويل/ بلير كان في شبابه وحتى انضمامه الى الحرب الإسبانية اشتراكياً يسارياً، لكن تلك الحرب والمحاكمات الستالينية غيَّرته وأفقدته ايمانه بأحلامه القديمة، اذ أدرك ان الواقع غير الخيال. لأن الواقع يقول ان ذلك النوع من الأحلام ما كان له، على ضوء التجربة التاريخية، الا ان يقود – حتماً – الى الطغيان وحكم الحزب الواحد في استمرار لاستغلال الإنسان أخيه الإنسان، ولو عبر طبقات وميادين جديدة. ولقد عبر أورويل عن هذه الأفكار في تبدلاتها في الكثير من كتبه ونصوصه التي كان "1984 " و "مزرعة الحيوانات " أشهرها، من دون أن ننسى كتباً أخرى له مثل "صعوداً وخروجاً في لندن وباريس " و ( تحية الى كاتالونيا) (كتابه الكبير عن الحرب الإسبانية) و (الطريق الى ويغان بير). وكانت "فرجينيا وولف"قد بنت رواية "مسز دالاواي"انطلاقاً من قصتين قصيرتين كانت نشرت أولاهما وعنوانها "مسز دالاواي في بوند ستريت"ولم تتمكن من إنجاز ثانيتهما وعنوانها "رئيس الوزراء". إذاً دمجت وولف هاتين القصتين في رواية واحدة تبدأ مع شراء مسز دالاواي زهوراً لترسلها الى رسام صديق لها، هو سبتيموس الذي يعيش حالة انهيار صحية مرعبة، ستقوده في نهاية الأمر الى الانتحار، الانتحار ذاته الذي نعرف خلال الرواية ان مسز دالاواي حاولته ذات مرة، وتحديداً بمحاولة رمي نفسها من النافذة ذاتها التي ألقى سبتيموس نفسه منها، فنجحت محاولته هو فيما أخفقت محاولتها هي. والحقيقة ان هذا التوازي بين شخصية "كلاريسا دالاواي"، وشخصية سبتيموس، ليس التوازي الوحيد في الرواية.... أطلقت " نانسي " ضحكة صافية ووضعت يدها على قلبها من المسرة. وقالت: منذ طفولتي لم أذكر اني ضحكت في حياتي مرة واحدة كما افعل الان . ولم اشعر بسعادة حقيقية طفحت من فيوض فرحتي كما انا عليه اليوم معك. ومدت يديها لتضعهما فوق يدي اللتين كانتا ممدودتين على طاولة مكتبها . فقلت لها أتمنى ان اراك دلئما هكذا منطلقة من اسر الماضي نحو المستقبل بوسيلة الفن والأدب والمعرفة . وقالت : من أين لك هذا الشلال المبهر من الأفكار الرائعة ؟ . وعادت مرة أخرى تربت على يدي بحنان والابتسامة تشرق على ثغرها فتضيىء معها بئر نفسي المظلم الذي كنت عليه قبل الآن. وفجاة قالت : إذا عدنا لمناقشة سيرة حياة ابنة جوزفين (كارين) المراهقة المخادعة الباهرة الجمال،التي أزمعت مواصلة دراستها في الثانوية وفي كلية الطب وانهت مرحلة الدراسة الجامعية واتجهت لنيل الماجستير والدكتوراه. فماذا ترى؟ وماهو رايك ان نجعل من خالتها (كاثرين) صورة أخرى تختلف تماما عن شخصيتها الروائية في الماضي حبث كانت تحلم بأن تتزوج الرسام شارل فوشيه كلما وقفت امامه ساعات النهار عارية لكي يرسمها في عدة اوضاع وحالات مغرية ليبيعها باسعار زهيدة. كانت تحلم بأن تتزوج في محترفه المتواضع عند منتصف الليلة الاخيرة من راس السنة الجديدة على ضوء الفوانيس القديمة، ولكنها تمنت على القدر أن تلتقي أي شاب يقدم لها طعاما وسكنا فتخدمه مدى حياتها. كان عليها أن تقنع بزواج (ادوارد جيمس) الشاعر الكاتب المؤدي شقيق صديقتها(مادلين)، (و يعمل مؤديا لأدوار ثانوية في مسرح المدينة المتجول) و كان يحب الحياة البسيطة.. وغدت (كاثرين) الآن زوجته ووافقت على العيش معه مؤقتا حتى يرتب أوضاعه المالية.. وصادف أن دُعيت معه وبرفقة اخته إلى حفل أقامه لمناسبة الانتهاء من ترميم وصيانة احد المسارح القديمة التي قصفت إبان الحرب وبقيت مهجورة حتى رعى السير جيفرسون، افتتاح مسرحية شكسبير : (تاجر البندقية). وأقام في قصره). حفلا مدهشا بالنسبة ل(كاثرين) التي دخلت أخيراً إلى العالم الذي لم تكن قد عرفته إلاّ من خلال القصص. وكانت ليلة متفردة في حياتها، لا تُنسى! ولكنّها لم تكن قادرة على تحمّل فكرة عودتها إلى الحياة البائسة في بيت زوجها الممثل الذي للم تجد في جيبه بنسا واحدا وليس لديه طموح أفضل وفي أثناء أيام طويلة من مرافقته لحضور بروفات مسرحية جديدة، كانت تعاني من الملل، فوقعت ضحية مرض عصابي، بدا بنوبات من الشقيقة الحادة. فقرّر زوجها اصطحانها مع فرقة المسرح إلى مرسيليا لعرض أعمالهم المسرحية هناك لمدة تسعة اشهر حسب العقد الموقع مع ممول ومنتج المسرحية وكيل السيرجيفرسون)، وكان زوجها قد نجح في أداء دور هورشيا في مسرحية تاجر البندقية وكتبت الصحف المحلية عن امكاناته الفذه)، بينما انشغلت (كاثرين) بترتيب منزلها الصغير ويدأت التعرّف هناك إلى عوائل وشخصيات محلّية مختلفة، غنية وفقيرة: رسامين ومزارعين ومعلمين واطباء وصيادلة، وأصحاب حقول للدواجن واحواض الاسماك وافران الخبز والمعجنات والحلويات. كانت عائلة المسيو شفا ليه، الخبّازالوحيد في منطقتهم، قد استذكرت أباها الذي كان يعمل في الميناء ومعه ابنتاه (جوزفين) و الثانية (نسيت اسمها). فردت عليها (كاثرين) بأنها كانت هي البنت الثانية. فاندهشت مدام شفاليه مما جرى وقالت : (حقا .. العالم صغير وان الوجوه المتنائية ستلتقي يوما ما).ولكن هل قمت بزيارة عائلتك؟ انهم ما زالوا يسكنون البيت القديم إياه .. أجابتها : ستكون زيارتي قريبة جدا . وأشارت إلى انتفاخ بطنها مبتسمة .. ها . بعد الولادة إذن؟ سيكون كل شيء تماما . وتغيرت أمزجة الجميع بالكشف عن الصلات والروابط الاجتماعية التي كانت سائدة من قبل، عشقت ابن جارها الخباز (إميل) بجنون وأرادت أن تهرب معه، ولكنه تخلّى عنها واختفى. فمريضت مجددا ولازمت فراشها. ولكي يسرّي زوجها عنها، اصطحبها إلى أهلها في بيت من بيوت عمال الميناء وتغير مزاجها وشفيت تدريجيا . وعاد زوجها إلى المسرح في روان بينما كانت تنتظر المولود. وبعد أسابيع من وضعها طفلة صغيرة،و كانت صديقاتها و اصدقاء عائلتها القدامى يزورنهم يوميا ومن بينهم (لوترك) الوسيم، أول فتى التقته وجعلته يغتصبها زيادة في الاثارة و المتعة لأول مرة. عادت ففكرت بتجديد علاقتها به و كان قد أحبّها فيما مضى، و أصبحت عشيقته. ولكن ظروفه الآن قد تبدلت . بعد ان تزوج من صديقتها فرانسوا باردو وانجبت زوجته صبيا جميلا وهي الان حامل في شهرها الثالث. ولم تجد كاترين بدا من العودة إلى زوجها ادوارد جيمس على ما هو عليه من مصير. وفي بيت الزوجية الصغير لم بعد امامها سوى شهر واحد لمغادرته. والعودة إلى لندن . كانت الصحافة الفنية اثاء وجودها في بيت اهله، تكتب عن طاقة ادوراد الفنية في المسرح. وجعل العديد من كتاب المسرح في باريس يعرضون عليه اداء بعض الادوار في اعمالهم الواقعية الجديدة. وكان قد وطد علاقاته بنخبة متميزة من كتاب ومخرجي ومؤدي المسرح الحديث أيضا. وكان يؤمن بان يستوحى ادوارد جيمس كتاباته التجريبية القادمة من أحداث شتى ومن اشخاص حقيقيين ليؤلف هذه الانماط الحياة الواقعية على خشبة المسرح أيضا. وقد كشفت كتاباته عن قوة الآلية الاستحواذية العائدة الى الشهوة والجمال بأسلوب جيد صريح مستندا" في كل ذلك الى توثيق قوي لابراز الخيانة الزوجية دون حذف اي حقائق او تفاصيل. وقد بدا ان الحوارات والاوصاف والوقائع كانت ساذجة احيانا" لكنها كانت من صلب الواقع المدقق تعطي انطباعا" حقيقيا" .فقد كانت لديه موهبة الدخول في احاسيس الشخصيات لاظهار مشاعرهم بطريقة افضل .ولا شك ان جمال هذا العمل المسرحي يمتاز بدقة ونباهة وحس الدعابة لديه، جعلت منه كاتبا مسرحيا "متميزا" في المسرح التجريبي . كانت (كاثرين) تجادله عن مسرح الفقراء والنخبة دون أن يشعر بصدق موقفها أو تفصح عن سخريتها المبطنة لكي تثيره، وغرضها فقط. جلب انتباهه إلى فتنتها، أم أن الحديث عن مسرح الطليعة الجدي، ليس من اختصاصي كربة بيت ولن يعود هذا من شأني كزوجة تتابع نشاط ابداع زوجها على المسرح. . قال لها أرجوك . فهذه الثرثرة ليست شيئاً فاضلاً،، إنه هزل، وقالت له فيما بعد: إنها فكرة الغوص في البحر العميق . وهو مليء إلى قاعه بالكنوز، وموجاته ومياهه المندفعة تجتاز المياه الراكدة لحقول الأرز، وهي لا تختلط. لقد التقط النهر كل ما التقاه في طريقه، الغابة واشجار جوز الهند والاطفال . إنه يحمل كل ما يجيء من أكواخ القش، والغابات، و بقايا الحرائق المطفأة، والاسماك والحيتان و الطيور والكلاب الميتة، والنمور، والجواميس العالقة في الوحول، والأشخاص الغرقى، وأخيلة الظل، وجزر من حقول الارز المائية المتجمعة، وكل شيء يذهب نحو المحيط، ولا أحد منا لديه وقت ليغرق، والكل تحمله العاصفة العميقة للتيار الداخلي، وكل شيء يبقى معلقاً على سطح قوة الفن دون الهبوط بمستواه إلى الاستعانة بالحنس الرخيص. . وعقدت لسانه الدهشةن قائلا : متى هبطت عليك هذه العبقرية من السماء ؟ من اين لك هذه المعاني و الافكار؟ ابتسمت وهي تمط كلماتها فخرا بنفسها. منذ يومين وانا أقرأ هذه الكلمات . أرددها عشرات المرات حتى حفظتها لأقولها امامك فعسى أن يبدو حبك لي أعمق وستعيرني أهمية أكبر. وسأنال رضاك. أليس كذلك؟ ليس الموضوع بهذه الصورة أبدا. عندما يتحدث الناس عن مسرحية شاهدوها أو رواية قرأوها، أو كتب أثّرت في حياتهم العاطفية وفي مسيرة الفن برمته وهي مليئة بجنس (فجّ) للغاية، وأحياناً استعراضي. إن شئنا، كالرواية الخبيثة التي سردها لك الرسام فوشيه، وهي مليئة بمشاهد جنسية متكررة وواضحة وفاضحة، وفيها ذكر لأعضاء جنسية ووضعيات وأفعال دون مواربة. نحن لانريد الأمر ذاته يتكرر في المسرح، حتى وإن برر الكاتب هذه المشاهد بأنها تخصّ الصنعة والأسلوب الخاص، وادعى بأنها نكهة الكتابة وبهاراتها، التي تولّد اللذعة، وربما التفرّد الجميل في الخلق.. أشياء ستغدو الرواية او المسرحية بدونها أشبه بقطعة خبز جافة ويابسة. هل عرفت ما اقصد من كل كلامي هذا؟ هزت راسها بالموافقة ولم يتوقف عن التحديق في عينيها قائلا : اقسم أنك لم تدركي شيئا و انا على استعداد لدفع أي مبلغ للمراهنة على استيعابك للموضوع . . وقد بدت عقدة (كاثرين) النفسية، التي ربما نشأت من اعتقادها بأنها تمنت ان تواصل دراستها وتحصل على التعليم الجيد الذي يؤهلها لمناقشة زوجها . ولكن الظروف الحرجة التي واجهت عائلتها قد دفعتها إلى الحب لكنها لم تحصل على السعادة مع الذين عاشرتهم قبل الزواج، حتى أنها على خطأ، فتساءلت: ماذا تعني عبارات النشوة والعاطفة والهيام التي قرأت عنها في المدرسة الثانوية! وعن الرومانسية بين العشاق وفي الحياة . حدجها بسرعة ليعرف مدى جديتها في هذا السؤال. الرومانسية لا يتقتصر في معناها النبسط عن حب بين العاشقين. هي اتجاه مهم في الحياة ولفن والأدب الإنكليزي منذ تبلوره في التسعينيات من القرن الثامن عشر من خلال نشر القصائد الغنائية للشاعر ووردز وورث وكوليدرج. وكان أجمل مافي مقدمة ووردز وورث عام (1800) للقصائد الغنائية إذ وصف فيها الشعر بأنه "فيض ذاتي عفوي من المشاعر القوية". وكانت مدام ستال (*) في ألمانيا، من بين أول مَنْ مهد الطريق للرومانسية.. كما تميز الطور الثاني للرومانسية، بين عام 1805 وثلاثينيات القرن التاسع عشر من خلال جمع الأدب الشعبي القومي ومحاكاته، ومن طريق القصائد الغنائية والشعر الشعبي وعبر الموسيقا والرقص الشعبي.. وفي هذه الفترة ذاتها، وصل الشعر الرومانسي الإنكليزي إلى أوجه على يد الشعراء جون كيتس واللورد بايرون وشيلي و كان السير وولتر سكوت غالباً ما اعتبر الكاتب الذي جاء بالرواية التاريخية.‏ ونشرت مؤلفات ما وراء الخارق للطبيعة و سحري ورهيب مثل فرانكشتاين والمركيز دوساد.‏ وفي العشرينات من القرن التاسع عشر انتشرت الرومانسية واتسعت حتى شملت آداب أوروبا تقريباً.

كان أصدقاء زوجها أدورد جيمس من شباب مؤدي المسرح الحديث الذين يؤيدون أعمال شكسبير المسرحية واتجاهات سارتر وبيكيت وجينيه الذين يشتغلون معه في الفرقة، يحسدونه على حياته الشخصية مع (كاثرين) التي كانت تلتقيهم وتشاركهم الفراش منفردين. في لقاءات مؤثرة في عواطف وعقول واحلام الشباب فتعاطفوا معها في تذمرها من الحياة المتقشفة التي تحياها معه . تناولوا حياتها وكتبوا نصوصاً عن علاقاتها وهوسها بمضاجعة الرجال، دون المساس بشخصها وبكشف اسمها.. بينما ااعتبرت كتابات جيمس أدبا يستعين بحوادث أخلاقية وقعت لزوجته بالفعل، كدخولها دير الراهبات وما نجم عن علاقتها بأحد الرهبان من الاطباء المشرفين على المستوصف الطبي في الدير ومشاركتها في التمريض وتبرعها بالدم عدة مرات للجنود الانجليز في الحروب القصيرة قي شرق اسيا والقرن الافريقي وفلسطين وحرب السويس والارجنتين. وكانت كاثرين قد سردت لزوجها قصة المرأة (مارجريت المشوشة والمرعوبة)، العاملة في سلاح الجو البريطاني، التي أدخلت إلى قسم الطواريء في المستشفى الملكي. وبعد ان أفاقت من الغيبوبة وجدت جسدها وقد تقطعت مفاصله ومات سريريا . وكان دماغها وقلبها هما اللذان يعملان فقط. وكانت مارجريت ترجو وتتوسل (كاثرين) بإنهاء حياتها بعد أن تعرضت طائرتها للسقوط. وكيف لبت رغبتها كما لو كانت على سرير الموت، وتخيلت في وصفها كيف حقنتها (بالنيمبوتال السائل) القاتل مباشرة في القلب تماماً..) كانت هناك علاقة شبه وثيقة جدا بين نانسيوفلوبير على مستوى الواقع الاجتماعي فنانسي من عائلة انجليزية عريقة وذات ثراء فاحش ودوقة. وكان فلوبير في بيته الفخم بـ «كرواسيه» المشرف على نهر السين، يطل على ساكني الريف والبلدات الصغيرة محاولاً أن يستوعب سيرورة التبرجز وعلاقة الشبيبة بين مصير الفرد ومنطق الصيرورة المجتمعية... و(كاثرين) ومدام بوفاري، على شبه كبير : تشبهها في المظهر والسلوك وحب الجنس والتمتع الطاغي مع جسدها. وحتى في موضوع الانتحار الذي فكرت القيام به. كحالة تترجم أقصى درجات الاحتجاج على التشيئ الأنثوي وعلى الغبن والحرمان من حقها التاريخي في التساوي مع الرجل. وبالتالي فان تناول السم كحدث يترجم أعلى درجات الإدانة لعلاقات وتقاليد مجتمعها القائم بعد الحرب الثانية، مهما حاولت تغيير نظرة الناس للجنس والعلاقة التكوينية الغريسية الأزلية بين الرجل والمرأة: (هوية حب الرجل للمرأة والذي يضمر رغبة الامتلاك، لأنه تربى على الفردانية المطلقة وحب الذات المرضي.) وهناك سؤال تشكيكي طرحته نانسي: (مَن قال إنّ (كاثرين) التي صنعتها في روايتها، حاولت الموت منتحرة تحت عجلات القطار ؟ .. ماذا لو قَتَلها أحدهم؟ كانت اسئلة مثل هذه، قد راودت الكاتب فيليب دومانك أحد أشهر الروائيين الفرنسيين (حاصل على جائزة رونودو 1989)، ما دفعه الى التشكيك في خاتمة رواية فلوبير الشهيرة «مدام بوفاري»، فقام، على طريقته، بتحقيق حول ما ورد في الرواية، وكتب رواية أخرى بعنوان «التحقيق المعاكس في قتل إيمّا بوفاري» (صادرة عن دار Actes Sud للنشر).ينطلق دومانك من حادثة وفاة إيمّا بوفاري (الشخصية الرئيسية)، بظروف غامضة، وينتقل للبحث عن المشبوهين المحتملين في قضية قتلها. يضع الكاتب جميع شخصيات الرواية «الأصلية» من سكّان القرية أو الزوج (شارل بوفاري) أو الصيدلي... في دائرة الشبهات، ويسلّط الضوء على شخصيات كان دورها ثانوياً في الرواية السابقة، ما سمح له بتقديم دراسة اجتماعية ونفسية أكثر عمقاً لشخصيات المجتمع في تلك الحقبة من الزمن.) هكذا فعلت نانسي في روايتها (أجنحة وجذور). التي نناقشها الان معا. ولا شك في أن رواية نانسي تستدعي التفكير والتأمل، ذلك لأن نانسي لم تخضع روايتها لمنظور القراءات الدينية والسياسية والمجتمعية المهيمنة آنذاك والتي يتراوح تصنيفها بين الرومانسية والواقعية. لأجل ذلك، أولت اهتماماً بالغاً للشكل والأسلوب، في طليعة عناصر الشعرية الجديدة التي تعتمدها في صياغة وتركيب وتكوين معمارها الشكلي الجمالي. ولتتنشيء حرثا لنوع جديد من القص والقاريء. فتبني جسرا يشد أدبها لقارئ محتمل في المستقبل.) لقد ظهرت رواية نانسي بهذا المزج المتواصل لأحداث حقيقية مع أخرى متخيلة، لكي تسعى للوصول بنصوص الرواية، إلى تنبيه القارئ لأهمية مشاركته في بناء هيكل ومعمار العمل لدرامي. . وقد واجهت انتقادات متباينة، ففي صحيفة (ذي تايمز) تمت مقارنتها مع مؤلف رواية (ذا تيرن أوف سكرو) دورة اللولب للكاتب وليم جيمس الطبيب، الروائي. بسبب محاولتها اعطاء رؤية حول نفسية وشخصية وذهنية الانجليز و طالبت الصحيفة ساخرة بتقديم جائزة نوبل لمؤلفة الرواية، وبالمقابل، اتهمتها جريدة (الاوبزرفر) بالحسية وباستغلال مأساة وفاة خطيبها اللورد وليم وعشيقتيه جوزفين و كان عمرها ثلاثة وثلاثين عاما). هو العمر إياه الذي تتلوى على جمره اشواقه نانسي، قائلة: كنت قبل الآن لم اعرف لماذا يضغط بعض الرجال كؤوس الزهر في الشمع حتى اخبرتني تجربتي بما يوحيه ذلك الفعل من شبق شديد، وعندها أشارت لي انوثتي، بأن ثمرتي قد آن قطافها، ولم أعي ملاذا كانت خالتي تنصحني بألا أترك الثمرة الناضجة تسقط بروحها على التربة.. لم أدرك مقصدها ومغزاها إلا بعد معاناة مستوحدة مؤلمة. عشتها وعانيت من ضغوطها. بينما كانت بعض صديقات الدراسة الثانوية يستيقظن كل صباح متعبات من متعة لهو جنسيةعابرة، و كن يواجهن صعوبة في الحصول على أية فرصة ولو كانت ضئيلة جدا، لهذا يكون البديل المشتهى في تسامرهن وكشف مغامراتهن وأسرارهن الصغيرة،فكانما تحدث المتعة بقوة الخيال و تدور رؤاهن من خلال حركة أصابعهن الرقيقة تلامس وهج الجمال فتحدث الشحنة الضرورية لاشراق نور الجذوة واتقادها فتستعر بلظاها الروح وتنطلق الشهقة الآسرة وتخمد جذوتها الولة لتهدا وتنام... وانا ايضا كنت اشتهيها. عندما ألاحظها تتلوى وتتلظى وتتصبب عرقا ولذة وكأنها بين الحياة والموت. فالحرمان من الجنس والجهل به يجعلنا نقاسي نوعا من الدمار علي أيدي الكبار الذين يحرموننا من نور المعرفة بالجنس. يتعاملون معنا تعاملا لا ينم عن تفهم متعاطف.). (*).

....................

* - هل حقا مضى زمن الجمال؟ .. وهل سيصبح الفن يوماً بعد يوم أكثر علمية، وبالطريقة نفسها سيعود العِلم يوماً بعد يوم أكثر فنية. وسوف يلتقي الإثنان في القمة بعد أن كانا متباعدين في القاع. ليس هناك أي تفكير إنساني باستطاعته أن يوجز ـ في هذه اللحظات ـ كل هذه الشموس الساطعة التي تفتح أعمال المستقبل. بينما غالباً ما نجد الممر مليئاً بالظل ونسير متلمسين في العتمة. تنقصنا عتلة رافعة، فالأرض تهتز تحت أقدامنا نحن الكُتاب.. إننا بحاجة إلى نقطة ارتكاز؛ كل الكُتاب والكتاتيب: ما فائدة كل هذا؟.. ما ضرورة كل هذا الركام من الكلمات؟.. ليس ثمة آصرة بيننا وبين هذه الكتلة.. إنه أمر سيئ للكتلة. بل هو أسوأ بالنسبة لنا، ولكن مثلما أن كل الأشياء لها الحق في الوجود، ومثل فنطازيا الجوع التي تبدو لي شيئاً مشروعاً ولها مكانها في العالم. فإنه شيء ضروري أن نعيش من أجل ميولنا ـ بغض النظر عن الإنسانية التي تشملنا ـ حيث نصعد إلى برجنا العاجي هناك، مثل راقصة وسط عطورها. نبقى وحيدين مع أحلامنا

(*) - « مسز دالاواي» رواية فرجينيا وولف: يوم كما الحياة كلها/ ابراهيم العريس/ الحياة العربية التي تصدر في لندن

 (*) ــ فلاديمير مايكوفسكي - صوت الثورة و ضحيتها بمناسبة ذكرى انتحاره في 14 نيسان من عام 1930

 (*) - حوار مع الروائية ريككي دوكورنيت أجرته : ليزا كافاتشاك / ترجمة: بشارعبدالله.

 (*) في هذه الأعوام لا أحد يهتم بالفن.. الفن بحد ذاته. إننا نشوهه ونُلطخه بشكل رهيب بكل ما هو برجوازي. ولا يعجبني أن أرى القرن العشرين.. أما القرن الثلاثين فسوف يكون شيئاً آخر حتماً.

(*) إن مكتبة الكاتب يجب أن تتكون من خمسة أو ستة كتب، هي بمثابة المصادر التي تجب إعادة قراءتها كل يوم، أما فيما يتعلق بالكتب الأخرى فمن الجيد الاطلاع عليها لا غير.. وهناك طرق كثيرة للقراءة، فالقراءة المتمعنة تستلزم الكثير من النباهة والاحتكام.

(*) في عصرنا الراهن لدي انطباع بأن المفكر (وهل كل فنان أو مدعي هو مفكر؟!) لا ينبغي له أن يمتلك لا يقين ولا وطن ولا حتى ميول اجتماعية.

(*) إن الممتهنين للأدب هم كالمومسات اللاتي ينتهين إلى عدم القدرة على المواقعة. إنهم يتعاملون مع الفن كما تتعامل المموسات مع الزبائن؛ يبتسمن لهم قدر استطاعتهن ولكنهن لا يحببنهم. وكل ذلك ينطبق معاً على: الروح، الأسلوب.. الصدر والقلب..

(*) تعجبني الجُمل النظيفة تلك التي تكتفي بذاتها واقفة. ومع ذلك يحدث شيئاً يبدو مستحيلاً. لقد وصل المثالي التقليدي من النثر درجة عالية من الصعوبات، وعليه فيجب تحريره من التعبيرات المستهلكة ومن الكلمات العامة.. يجب امتلاك الأفكار المعاصرة بلا تعابيرها الجاهزة.

(*) باستثناء القميء.. يموت أحدنا في التردد بين قيمه الخاصة وبين قيم الأعمال التي كتبها.

(*) إن النقد يتلاقى مع أوطأ المستويات من الأدب: من حيث الشكل دائماً، ومن حيث القيم الأخلاقية بطريقة تصعب الإجابة عليها أو توضيحها.

(*) إنني لا أُصنفها كقراءات جادة، تلك القراءات للكتب التي تتناول مواضيع عميقة جداً.. وإنما القراءات الجادة هي تلك التي تنكب على الكتب المصنوعة جيداً من حيث التقنية والأسلوب يرافقها إطلاع على المناهج التي تم توظيفها.. لأننا روائيون ولسنا مزارعين.

(*) لقد قرفتُ من (مدام بوفاري) فالكل يطريني على هذا الكتاب، وكأنه لا وجود لشيء من كل هذا الذي كتبته بعدها. أُؤكد لك بأنني لو لم أكن في عوز وحاجة لعملتُ على أن لا تُطبَع مرة أخرى أبداً.

(*) اللعنة على ذلك اليوم الذي فكرتُ فيه بوضع اسمي على كتاب.. لو لم يكن بسبب أمي وبسبب بويلهت (أحد أفضل أصدقاء فلوبير) لما نشرتُ أبداً ولا حتى سطرا واحدا.. كم أنا نادم الآن على قيامي بفعل ذلك..!. أتمنى لو أنهم ينسوني.. أن يتركوني بسلام، أن لا يتم الحديث عني بعد ذلك أبداً.. لقد بدأت أكره شخصيتي.. كم أتمزق من أجل أن لا ينشغلوا بي أكثر من ذلك.

(*) ثمة مؤامرة عامة ودائمة في هذا العالم ضد شيئين وهما: معرفة الشِعر والحرية. الناس أصحاب الأمزجة يتولون إبادة الأول. والناس أصحاب السلطة يطاردون الثانية.

(*) - ينتمي الكاتب الفرنسي جوستاف فلوبير Gustave Flaubert (1880-1821) إلى المدرسة الواقعية في الأدب، وعادة ما يتم النظر إلى روايته المشهورة (مدام بوفاري



2008/8/19 .. 0 التعليقات .. رابط

ثلاثية أحزان القصب (18)

أرسل لصديق
شوكت الربيعي   
Tuesday, 19 August 2008 - المثقف