|
روح الأمكنة وأنفاس الشغف
كان عدد من الفنانين في بريطانيا وروما قد بدأوا في الخمسينيات، والستينات من القرن الثامن عشر، برسم مواضيع تتعارض مع الذوق المتزمّت،
وتتضارب مع المواضيع التاريخية الكلاسيكية والأسطورية للفن المجازي التقليدي. وفضّل هؤلاء الفنانون الأفكار الشاذة والمثيرة للعواطف، أو المواضيع الملحمية النابضة بالحياة. كما وضحوا صورهم برسم تخطيطي مؤثر من خلال التباين بين النور والظل. وهناك من رسم صوراً تمثل مناظر ريفية رائعة تثير الإعجاب. وفي فرنسا، رسم كبار الرسامين الرومانسيين الأوائل لوحات درامية لأحداث عاصرت حروب نابليون ومشاهد للألم والمعاناة أو البطولة الفردية. أوالمواضيع الغريبة في لونها وطرازها. وفي ألمانيا، اخذ اسلوب الرسم شكل اللون الرمزي والمجازي أو شكل المشاهد الطبيعية الصامتة والمقفرة التي يمكن أن تخلق في المشاهد شعوراً من الرهبة والطقوس الدينية. وكانت الرومانسية الموسيقية قد تميزت بالتأكيد على الأصالة والفردية والتعبير العاطفي الشخصي والحرية في اختيار الأسلوب الفني وتجريبه. و توسيع الكثير من الأدوات الموسيقية وتحسينها وخلق صيغ موسيقية جديدة. وكان شوبان وليزت من كبار الملحنين في الطور الأول من الرومانسية. وكانت ألحان كارل ويبر قد أشارت إلى بداية الأوبرا الرومانسية في ألمانيا ووصلت إلى ذروتها مع ريتشارد واغنر .. أما في إيطاليا فقد تطورت بألحان أمثال بيليني وروسيني. ووصلت إلى أوجها على يد فيردي). وبعد ان سادت لحظات صمت بينهما، قالت (كاثرين): (شيء جميل. كان يمكن ان يكون اجمل لو أنك ألقيتها في اطار محاضرة امام جمهور مثقف ومتابع لتلك القضية. اكتفى بهز يده اليمنى ودفع شعر راسه بيديه إلى وراء. وكان يفعل ذلك عادة عندما يكون حانقا ولا يريد الرد بشيء . و لم يعد أمامه سوى الصمت. فالأمور بينهما كانت تسير على النقيض، كان يردها أن تعلم نفسها وتتكيف مع علاقات مجتمع جديد له تقاليده وجدت نفسها في ظلاله وخلفه. كلما يسعى إلى الألفة بينهما ازداد شعورها بالانطواء الروحي وزادت الهوة بينهما. إذ ترى أن حديثها معه سطحي ولا تعرف النقاش مع الآخرين عن المسرح أو الموسيقا ولا تعرف شيئاً عن كتاباته في المسرح وعن تجاربه الأدائية المتقدمة، ولا عن طموحه ورؤياه للمستقبل. فماذا يمكنها أن تفعل. ورغم قبولها بالزواج به، تتمنى لو التقت مرة واحدة نظراته بخواطرها ورؤاها)؟ كانت تحدث نفسها بشيء من الألم. وبدلا من أن تنصرف إلى العناية به وبالبيت، صارت تلقي بكيانها كاملا في الماضي البديل عما تشتهيه في الحاضر. تسترجع ذكرياتها في سني مراهقتها. وكيف كانت تسترق النظر إلى عشاق أمها في غرفة النوم، وهي تعتليهم كما تمتطي فرسها الخشبي الصغير في طفولتها. لكن مع اقترابها من الخامسة عشرة من عمرها، حدث تحول في تقبل حالات واشياء بصفتها حقائق ثابتة ونهائية. تبدلت نظرتها إلى الأشياء، فنفرت من العلاقات اليومية الرتيبة في البيت، والمناظر الريفية الهادئة التي ملت من مشاهدتها كل يوم، واتجهت إلى نقيضها مما يثيرها وصارت تبحث عن العاطفة أكثر من بحثها عن المنظر! وصارت تعجب بأبطال وبطلات الكتاب الكلاسيكيين. وكانت تتصفح روايات الليدي تشاترلي ومدام بوفاري. و مدام ستال والشغف لمشاهدة الصور الجنسية الفاضحة. وكانت تجد لذة عند عودتها إلى المزرعة التي يعمل فيها خالها وزوجته واولاده. إذ انها كانت تسترجع أول لقاء مع ابن خالها الأصغر و هما يجلسان فوق الثيل اليابس والتبن والبرسيم المتكدس فيها. يطلان من أعلى سقيفة الزريبة، على ساكني الريف والبلدات الصغيرة المتناثرة على إمتداد البصر. وكانت هي تصغي إلى خالها وهو يتحدث إلى حشد من المزارعين يناقشون موسم الحصاد وطبيعة السوق ومستوى ونوعية وكمية الانتاج. وكانت تندهش لماذا انبثقت هذه الذكرى أيضا في ليلة عرسها وظلت ترافقها صور شتى لعلاقاتها السابقة، حتى وهي في أيام شهر العسل الأولى كانت تتمنى أن تكون تلك الأيام في أماكن أخرى مثل دبلن التي زيارتها حلما ينمو في خيالها ربما ستكون اسكتلندا أو سويسرا، إذا كانت مع رجل من النبلاء! ولم يشفع لها سوى الخيال الذي يبعدها مؤقتا عن التفكير بسنوات عمرها تجري سريعا ولم يشعرالرجال بانوثتها مع إنها كانت باهرة الحسن والجمال. ولكنها شغفت باختلاق وديان من بدائل اللذة الرومانسية المشتهاة في فترة مراهقتها فأصبحت أسيرة لخيالها غارقة في الوهم ومنفصلة تماما عن واقعها الرتيب.
وبعد وفاة أمها واشتغال والدها في ميناء مرسيليا في فرنسا نشأت (كاثرين) مع اختها جوزفين في بيت خالها في مزرعة نائية وبعيدة عن كل متع الحياة التي تصطخب بها مدينة لندن. لكن خيبتها ظلت ترافقها حتى بعد زواجها، إذ لم تعثر بعد على الحياة التي رسمتها في خيالها والتي تصورت أن الزواج سيأتي بها، وتفادياً للخيبة تقرر (كاثرين) تفعيل الكامن في خيالاتها الرومانسية الحالمة، إلى وجود حقيقي له روح ويتنفس في تطبيق أفكارها وتحقيق رغباتها المكبوتة. كانت تعتبر المغامرات تجربة حياتية عادية، والرومانسية تلائم المراهقة العابرة. وكانت نانسي مستغرقة تماما في الصياغة الدرامية والعمل الروائي، قبل ان تتعرف على زوجها (اللورد وليم) وتضع جدولا لمتابعة أحداث الساعات الأخيرة المتخيلة والواقعية من اليوم الفاصل الذي عاد فيه بسيارته قبل ثلاثة أيام من تاريخ السفر إلى جنوب افريقيا . ووربما سنتعرف على الظروف التي كانت تحيط بعلاقته مع (جوزفين). وابنتها كارين ومع من كان يقضي وقته في ذلك النهار الممطر والشديد البرودة. وكانت ساعات المساء تتناقص باتجاه حلول الظلام . وكان يطلب منها الاسراع في ارتداء ملابسها للوصول إلى لندن مبكرين.
كانت كارين تضع الكحل مجددا فوق أهداب عينيها وتتحسس خديها وتقرصهما ليتوردا كوشالة نبيذ معتق وكان وليم يراقب الدم يتصاعد إلى وجهها وقد توردت وجنتاها من متعة المعاشرة معه على فراش كوخه الريفي الجميل. وظلت هي منفعلة بحديثها معه بعد أن انهيا تبادل القبل بعد دقائق من استحمامهما معا في البانيو المعطر بالقرنفل . ظن (ليم) انها تتعمد التلقائية كما تفعل المؤدية الشابة مارلين مونرو في أفلامها الاولى بسذاجة. واحيانا تتصرف بحماقة. قالت: في حياتي القصيرة حتى الآن، .. لاحظت تغييرات عديدة طرأت على عاداتنا وتقاليدنا ونظرتنا العامة للناس والحياة. فالعالم الذي دخلته وانا في سن الرابعة عشرة كان عالما غريبا عليّ وعلى ميولي عندما اصبحت طالبة ونجحت من الصف السادس والتحقت بالمدرسة الثانوية في كانتر بري .ثم في كلية «كوليج غاردن» ولكنني غيرت رأيي وعدت إلى رغبتي بدخول كلية الطب. كان العالم الذي دخلته ما زال عصيا على الفهم. وكان الناس والحكومة والاحزاب والاقتصاديون يواجهون تحديات المرحلة التي أعقبت الحرب لاعادة مادمرته قنابل الالمان في أوربا المحترقة والتي انارت شوارعها ومنازل شعوبها بمصابيح الغاز والبرافينز وكنا نعتبر وجود حمام في الدار رفاهية ليس في متناول أحد سوى الأغنياء.. ولقد كانت تكاليف المعيشة اليومية مرهقة وباهضة عندما التحقت بمستشفى سانت توماس واستأجرت غرفة في ساحة (فانسانت) لقاء عملي في النزل بعد العصر وحتى الساعة العاشرة والنصف ليلا وكنت أحصل على وجبة افطار خفيفة كانت تقدمها لي السيدة مارجريت مديرة النزل وتستقطع كلفتها من اجور عملي معها اسبوعيا . وعند الظهر أحصل على كوب شاي مع قطعة حلويات ومعجنات أبدا بتناول نصفها واحتفظ بالنصف الثاني عندما نهاية العمل الليلي أجمعها مع كعكة مدورة وقليل من الزبدة وقدح من الحليب هي كل حصتي من وجبة العشاء. لم أكن قادرة على العيش بصورة مريحة.. وتعرفت في المطعم الذي كنت اعمل فيه على رسام عراقي كان يدفع اجورالدراسة بصعوبة ويقتني لوازمي الضرورية جدا ويلبس بصورة معتدلة اغلبها من سوق الأحد الرخيصة. وكان ينتظر وصول حوالة بنكية من أهله تقدر بعشرين باوند وكان يقتصد في تصريف اموره المالية. ويضع جدولا لتحركاته الاسبوعية الممكنة والمحتملة من سواها. للذهاب الى المسرح مرة واحدة في الاسبوع. وإلى متحف الفن المعاصر وكلريات الفنون التشكيلية ومراسم الاصدقاء من الفنانين الشباب. كانت حالة العوز جزء من بهجة الكفاح اليومية تشبه التدافع في الترام وقطارات الخط السريع وسيرات النقل من مدينة لثانية. وحينما بلغت العشرين من عمري سافرت بصحبة الطبيب العراقي الى ميلانو وسيناكو و جبل فيزوف ونابولي وفلورنسا وفينيسيا واستأجرنا غرفة صغيرة في منزل ارملة جميلة ناضجة. ترك لها ثلاث لوحات مما رسم بالألوان المائية هناك لقاء معيشتنا معها لسبعة أيام هي مجموع عطلة عيد الفصح. ثم اقفلنا عائدين الى لندن لمواصلة حياتنا اليومية مع الاصدقاء القدامى والجدد. كان صديقه الفرزدق يدرس الطب لخمس سنوات وقد تعرفت عليه وعاشرته عندما كنا نطبق عمليا في مستشفى سانت توماس. بيد انه لم يكن يميل الى هذه المهنة اساسا. لقد كان يريد دانما ان يصبح اديبا معروفا كابيه الشاعر الذي يوازي في شهرته شكسبير في يريطانيا. وكنت ارافقه لحضور الامسيات الادبية والفنية والعلمية والمعرفية الاخرى. وكان يهوى الرسم بالالوان المائية، بينما كان صديقه شوكت يرسم بالزيت والإكرليك ويقرأ نهارا في أيام العطل وفي الليل يبدا بالكتابة إذ فرغ توا من انجاز مقالة عن الاختام الاسطوانية في وادي الرافدين واضافها للمقالات التي نشرها من قبل وجمعها في كتاب للنشر تحت عنوان مقدمة في تاريخ الفن العراقي . وارسل المخطوطة إلى وزارة الارشاد في بغداد ونسخة منها إلى دار نشر فيدون بريس ليمتد في خمسة شارع كرومويل في لندن . وهي متخصصة بطبع ونشر الكتب الفنية في لندن واوربا والعالم. ويبدو انه قد حقق بعض النجاح. لكنه بدأ يشعر برغبة التفرغ والعمل في حقل النقد الفني والادبي. والان وبعد تجارب مريرة من الفشل والهزيمة وقليل من النجاح في السنوات االتي مرت عل احترافه للكتابة، قرر العودة إلى النشاط الفني والرسم ولو أن فرص النجاح قليلة من بين حقول العمل الاخرى في الحياة، بات يدرك تماما أي مخاطرة مخيفة اختارها لنفسه. كان صديقه الفرزدق يحب مهنة الطب فقد تعلم منه الكثير عن الطبيعة البشرية. وشاهد أناسا يتألمون ويخافون التفكير بالموت. بينما انحاز هو تماما إلى فن الرسم والكتابة عنه. ولو انه لم يستطع أن يحقق نجاحات متميزة اخرى مؤثرة في اوساط الفنانين والصحافة الفنية والادبية.. خاصة بعد ان تعرف ناقدة فن وروائية وصحفية التقاها مصادفة في مدخل متحف الفن المعاصر. وكانت قد تعثرت بينما كانت تهبط مدرج الطابق الأرضي واصطدمت به فمسك بها قبل أن تقع على الأرض. وقد انقطعت بعض ازرار قميصه وانشغلت بجمع أوراقها وملفاتها وكتبها التي انفلتت من يديها وتوزعت على مساحة مترين من فناء الاستقبال عند مدخل المتحف. كان من بين الكتب المنفلتة من بين يديها كتاب جاك بريفير ونيرودا.. ولوركا.
مقاربة خامسة: موضوع الانسان والارض: ربما يكون من الصحيح حينما نقرأ كتابا معينا يتطرق الى مكان غريب بالنسبة الينا، أن نتبين الأمر.
لقد ظهر موضوع الانسان والارض متجسدا بقوة في كتابات الروائيين العراقيين الذين ارادوا ان يدعموا تلك القضايا الانسانية وأن يعيدوا الارض المستولى عليها من قبل الملاكين الكبار الى الفلاحين البسطاء، كما جسده عبد الرزاق المطلبي في روايته الظامؤون وفي «مرثية لفلاح اسباني» الكاتب ( رامون.خ سندر) الذي ولد في قرية (شالاميرا «هويسكا») الاسبانية عام 1901 وكان والده يتنقل من مكان لآخر، حتى استقر لتسع سنوات في مدينة (سرقسطة) المكان الذي استدعاه الكاتب في فصول روايته الاولى «احداث الضجر». ودخل عالم الصحافة في مدريد عبر مقالات نشرت في صحيفة «نويفا اسبانيا» وكانت مقالته الاولى عبارة عن مقابلة مع تروتسكي الذي تعرف اليه (سندر) بشكل حقيقي في المكسيك بعد سنوات طوال، كما كتب في صحيفة «البايس» المدريدية، ونشر عدة قصص قبل حلول عام 1919 ليعود الى مدينة هويسكل للعمل كنائب لمدير صحيفة «لايتيرا» وفي عام 1922 دعي سندر للالتحاق بصفوف الجيش للقتال في المغرب وبرز في الميدان العسكري على وجه السرعة وقلد وسام الاستحقاق العسكري.
بعيد الحرب الاهلية الاسبانية التي قاتل فيها الى جانب الجمهوريين، تنقل بين فرنسا والمكسيك حتى استقر عام 1942 في الولايات المتحدة الاميركية حيث عمل استاذا للادب الاسباني في جامعة «ألبوكيركي» (نيومكسيكو).
كتب في مراحله الاولى اعمال مثل «إمام» الذي يروي فيه مأساة الحرب في المغرب، و رواية «مكان الانسان» و«قصيدة عرس البخيل ترينيداد» التي يروي فيها تمرد المسجونين في سجن كاريبي. ثم نشر في عام 1960 روايته (مرثية لفلاح اسباني) التي تعتبر واحدة من أفضل رواياته ويعكس فيها مشاعر القلق التي كانت تراوده حول الخير والشر والمسئولية. ألهمت قصة حياة الشاعر الاسباني فيدريكو غارسيا لوركا الكثيرين للكتابة عنه وعن حياته ومن هؤلاء الروائي الاسباني رامون.خ.سندر حيث وضع روايته الرائعة «مرثية لفلاح اسباني» عام 1960 وكانت عن فلاح اسباني يدعى باكو اغتيل بذات الطريقة التي جرت مع لوركا المولود عام1898.الذي كان يتمتع بشهرة واسعة و بقي رمزا شعريا انسانيا عاليا وخاصة بعدما اغتيل في السابع عشر من اغسطس عام 1936 على ايدي حفنة من كتائب الجنرال فرانكو الذين كان يطلق عليهم «الفالانج». ولقد جمع لوركا عدة مواهب في موهبة واحدة فقد كان شاعرا ورساما وموسيقيا ومسرحيا وكان شخصية محبوبة بالنسبة لعدد كبير من الناس وكان نجما متألقا في مقاهي مدريد، ويكمن سر ذلك في انه اتقن نواحي الحياة الجمالية على شكل كامل تجسدت في اشعاره العذبة الانسانية والعميقة. واطلق الاسبان عليه اسم شاعر الشعب وحقق بموته حضورا اوسع اضيف الى شهرته الواسعة كرمز انساني تقتله ايادي الغدر. ويذكر رايز ألونسو الذي قاده الى موقع الاعدام عام 1936: لقد احدث دمارا بقلمه يفوق ذلك الدمار الذي احدثه غيره بالسلاح. وقد لا يكون قصديا ان يرمز (رامون خ.سندر) الى مقتل لوركا لكن الطريقة التي يستخدمها القتلة تتشابه في جميع المراحل داخل اسبانيا الفرنكونية حيث يتم اقتياد الشخص الى ظاهر المدينة ومن ثم يطلق عليه النار كما جرى في العراق بعد الاحتلال الامريكي، في القتل والتدمير والابادة الجماعية. وستترسخ في اعماق المجتمع العراقي وستتجسد في أعمال شعرية وروائية ومسرحيات مآساوية ولوحات ونصب نحتية، كما فعل لوركا في «عرس الدم» في رصده لمأساة الانسان الذي دفع حياته ثمنا لحريته ووجوده..)
مقاربة سادسة: ثمة ومضة تقدح
كانت ثمة ومضة تقدح في مكان ما والشمس في كبد السماء، .. وثمة كلمة تسهم بتغيير أو ترسيخ مباديء قائمة، والوعي على سنام المعرفة فارسها.. وثمة قصيدة تكون سببا وحافزا لتغيير مواقف وانظمة على مدى مسيرة تاريخ الإنسان، وسطوة القوة تحفظها.. ولكن أهمية وجمالية وتاثير شعر مبدع مؤمن بقيمه العليا وبمبادئه السامية وبمواقفه الجوهرية الثابتة من الإنسان والأشياء.. و"بسوسيولوجية" المجتمع، وبمفاصل الحياة، كالشاعر (بابلو نيرودا)الذي اشار إلى تلك الومضة، القدحة، الكلمة، القصيدة، التي أضات العقول والقلوب والضمائر، وكان لها موقف كحد السيف، إن لاينته، لان متنه، وحداه إن خاشنته، خشنان.. مثل هذه القيمة الجمالية المؤثرة في مشهد الشعر الإنساني تتجسد في ديوان: (اسبانيا فى القلب) الذى كان من وحى الحرب الاهلية الاسبانية، وفي "النشيد العام" الذى تغنى فيه ببطولات وملاحم شعب الشيلى وفي ديوان (نشيد الى ستالينغراد) الذى مجد فيه بطولات المقاومين الروس ضد الاحتلال النازي. وقد حصل بابلونيرودا على جائزة نوبل للاداب للعام 1971. لأنه الشاعر المتقدم في جمالية وعمق وتاثير قصائده دائمة الحضور فى أتون الصراع المحتدم في العالم. أليس وفاء من الشعراء والمبدعين كافة، أن يحتفلوا بميلاد الشاعر الكبير بابلو نيرودا الذى، يتحدث (كلود كوفون) مترجم أعماله الشعرية الى اللغة الفرنسية عن بعض الذكريات معه:- (..كنت قد نشرت مقالا في الملحق الادبى لجريدة "لوفيغارو" بطلب من (فرانسوا مورياك) حول موت فيديريكو غارسيا لوركا. وقد قرأ بابلو نيرودا ذلك المقال، وكتب لى رسالة حارة يشكرنى فيها على أنى أعلمته كيف قتل صديقه. أدهشته رسالته فقد كان مجهولا فى ذلك الوقت وكان عمره 26 عاما ولم يكن يفكر أن ادبيا مثل بابلو نيرودا يمكن أن يكتب له! وكان قد تعرف على بابلو نيرودا ثقافيا عام (1951م) والتقاه فى باريس بصحبة زوجته( داليا دال كاريل) الملقبة بـ (النملة الصغيرة). وكانت مترجمته (أليس ارهافايلار) - ( أليس غاسكار) تهيئ الطبعة الفرنسية لـ "النشيد العام" من جانب آخر، كان الشاعر (جان مارسوناك) يهيئ نفسه لتأليف كتاب لسلسلة "شعراء اليوم" الشهيرة وفيه يقدم بابلو نيرودا شاعرا ومناضلا سياسيا.
وكان نيرودا قد حصل للتو على الدكتوراه الفخرية فى جامعة اوكسفورد. وقد وصدر له كتاب جديد فى بيونس ايرس.. و رغب أن يترجم الى الفرنسية". واقترح تغيير ناشر كتبه.لإعتقاده بأن شعره أصبح أكثر عالمية من ذى قبل لذا هو يستحق أن تزال عنه صفة التسيّس خلال التوزيع ). وفى ذلك الوقت،كان (كلود كوفون) يعمل مستشارا لدار "غاليمار" للادب الامريكى ـ اللاتينى،وقد أخبر( نيرودا) بان انتاجه سيستقبل بتقدير كبير. كما تحمست للفكرة المستشارة: (أوغنى كارفاليس)، التى ينصت اليها كلود غاليمار، صاحب الدار بانتباه كبير. وكل شيء كان باعثا على التفاؤل عقب ذلك بشهر لتقول أن نيرودا قد دعاها إلى الغداء، خلال فترة تناول الحلوى، أخرجت (أوغنى) العقد وامضاه نيرودا بالحبر الاخضر دون أن يقرأه.
فرضت فى عام 1971 جائزة نوبل " بابلو نيرودا " كواحد من أهم كتاب دار "غاليمار" . وكان قد استقر للتو فى باريس. وكان يعجبه القراءة، ممددا على الارجوحة المعلقة بين شجرتين، مرتديا لباسه الريفي: (سروالا من الفلانيلة، رماديا، ومعتمرا قبعته (الكسكي )الرمادى) الذى لا يكاد يفارقه كاصدقائه الدائميين: (ماريو وباتريسيا لوسا، خوليوكورتازارو اوغنى كارفوليس، كاترين فون بيلو الجميلة، خورخى ادوارديس، ومارسوناك)، وكزملائه ومجايليه في علاقاتهم الثقافية والاجتماعية والعامة بعد أن عينه صديقه الرئيس (سالفادور اللندى) سفيرا لبلاده. وقد دعاه عمدة القرية ذات مرة لافتتاح مطعم.. وفوجيءبأنه يحمل إسم(الحصان الأخضر) للشعر وهو اسم المجلة التى أسسها نيرودا فى اسبانيا عام 1936 ..
كان نيرودا فى عطلة نهاية الاسبوع، يحب التنقيب فى معروضات سوق "بوردت دى كلينيكور" للتحف القديمة. و يعود باشياء كثيرة مثيرة للغاية، عبارة عن صدفات ضخمة وفراشات بألوان وأشكال غريبة وملائكة بتنورات أرضية وأقنعة شيطانية ومطبوعات فاخرة لكتاب منسيين فى طبعات أصلية..) يحفظها فى قبوالسفارة أو فى البيت الذى اشتراه عقب حصوله على جائزة نوبل للاداب.. وكان بيته الذي يقع فى "كوندى ـ سور ـ ايتون" عبارة عن طاحونة قديمة تحولت الى ملاذ أمين يلجأ اليه مع زوجته( ماتيلد). متمتعا بسعادة طافحة وقت الظهيرة فى استراحة القيلولة، فى هدوء الطاحونة المحاطة بالماء والاشجار والعصافير.. كان يستعيد صفاءه النفسي والشعري.. و هناك عاش فى بداية شهر يوليو من عام 1972 سعادته الأخيرة. وفى شهر نوفمبر من العام1972تخلى بابلو نيرودا عن منصبه كسفير وعاد الى الشيلي. ويوم 11 سبتمبر 1973 قتل الانقلابيون العسكريون الرئيس سالفادور الليندى وأغرقوا فى اليأس بابلو نيرودا الذى كان المرض قد هده وأنهكه، وتوفى فى (سانتياغو) مساء يوم الثالث والعشرين من شهر سبتمبر عام 1973م.ولم يملك الوقت الكامل الذي يدون فيه سيرته الذاتية المتكاملة.. كان فى شهر اكتوبر 1957 في شقته بباريس.. واقفا أمام احدى النوافذ يتأمل ضباب الخريف وهو يغزو نهر "السين". وعنده رسالة يريد تبليغها الى اسبانيا، جاء فيها: (لقد اقترفنا خطأ فادحا عقب الحرب الاهلية الاسبانية وذلك أننا قطعنا الصلة باسبانيا. لن نقدر أن ننسى الالم الشديد الذى سببه لنا مقتل(غارسيا لوركاوموت (ميغيل هارنانديز). علينا اصلاح اخطائنا. لو ان احدا اراد ان يجد له رمزا ولم يستطع ان يجده في اي شخص او اي شيء لوجده في هذا الرجل الذي اختير لأن يكون روح اسبانيا وحيويتها وعمقها..) ألهمت قصة حياة الشاعر الاسباني فيدريكو غارسيا لوركا الكثيرين للكتابة عنه وعن حياته ومن هؤلاء الروائي الاسباني رامون.خ.سندر حيث وضع روايته الرائعة «مرثية لفلاح اسباني» عام 1960 وكانت عن فلاح اسباني يدعى باكو اغتيل بذات الطريقة التي اغتيل فيها لوركا.ولد في "فونتي فاكيروس"، إحدى قرى غرناطة الأسبانية في يونيه 1898م. وكان قد نما وعاش مع أختين واخ واحد، لعائلة متوسطة الحال ..وبعد أن أنهى في القرية المرحلة الابتدائية " انتقل مع أسرته إلى غرناطة حيث أنهى دراسته، الثانوية وانتمى للحقوق والآداب وتعلم العزف على البيانو والقيثارة، وبدأ بالتردد على المنتديات الأدبية، وأقام علاقات طيبة مع الفنانين، منهم: سلفادور دالي،والمخرج لويس يونونيل.. وفي عام 1928م أصدر مع صفوة أصدقائه، عددين من مجلة أدبيةثقافية متواضعة، ثم سافر في رحلة إلى أمريكا، وبعد عودته عام 1930م، عاود نشاطه، مرة أخرى، بالعمل الثقافي ونشر المعرفة المسرحية، و تعريف الجمهور في الريف والقرى الفقيرة النائية، بالمسرح الكلاسيكي الأسباني، وأنشأ "مسرح الكوخ"، يقدم على خشبته أعمالا مسرحية منتقاة بشفافية وبساطة تؤديها فرقة ألفها لوركا من شباب الجامعة كانوا يتنقلون بين قرى أسبانيا على ظهر شاحنة، ينصبون مسرحهم المتواضع ويعرضون أفكارهم في كل قرية وتوسعت مدارك هؤلاء الفتية الجريئين المتحمسين الجوابين المكتشفين كنوزا لاتقدر بثمن، جسدتها استجابة الناس المباشرة لتطلعاتهم وتشوفاتهم المستقبلية.
لقد شجع الناس تلك المبادرات التثقيفية، وشعر لوركا ورفاقه (المؤدون) بصدق استجابات الفقراء وتفاعلهم مع تجربة الفرقة المسرحية، فأنشأ عام 1933م في العديد من مدن أسبانيا، مجموعة من نوادي الثقافة المسرحية.. ثم سافر إلى الأرجنتين و( أورجواي ) لإلقاء عدد من المحاضرات، وعاد في العام التالي ليواصل جولاته مع مسرح الكوخ.
لقي لوركا مصرعه في العشرين من أغسطس عام 1936م، في ظل الأحداث السياسية التي رافقت الثورة الشعبية في اسبانيا آنذاك، ربما بسبب مواقفه التقدمية ونزعة روحه الشعرية الثورية والحالمة معا، الى الحرية، وتلك هي سمات الحقيقة لدى الشاعر الكاتب الرسام الباحث عن نور اليقين في مستقبل الانسان ونشدان الوصول إلى النور..نور الباطن والظاهر لاستنكاه واستجلاء كل الحقيقة" . ومن وجدان لوركا الشعري والعقلي ندرك أن شفافية مفردات حضارته الشخصية ورقتها، كانت ملتفعة بحماسته واندفاعه و بثورته التي كانت "أدبية"، "مسرحية" و"فنية" : لاكتشاف وسائل مبتكرة ترتقي بالذائقة الأدبية والفنية لدى الطبقة الفقيرة من الفلاحين والكادحين و للوصول بهذا الأدب والمسرح والفن بشكل سليم وواضح وحقيقي، و من فيض نور المعرفة في ذاكرته الانسانية، تبلور موقفه اجتماعيا في الفن والأدب.
.............................----------------------------------------------------------------------------------------------------------------
(*) - ذهب اورويل عام 1936 الى اسبانيا وانضم مدفوعا بنزعته اليسارية الى القوات الجمهورية التي كانت طرفا اساسيا في الحرب الاهلية الاسبانية. وصور تجربته العسكرية في كتابه الولاء لكاتالونيا 1938، لكن قناعاته السياسية خضعت في هذه الفترة لتغير عميق جدا، اذ اصبح معاديا، على نحو متزايد، لكل من اشكال الاستبدادية، كما اظهر قلقا فائقا بشان مستقبل الحرية الفردية. وقد تجلى شجبه للمجتمع الخاضع لنسق واحد في قصته الوهمية: مزرعة الحيوان (1945 ) وروايته الهجائية:( 1984)
عاش اورويل، بعد عودته من اسبانيا، في هيرتفورد شاير يكتب ويربي الدجاج ويزرع الخضار و(جورج أورويل ( واسمه الحقيقي أريك آرثر بلير) كان قد ولد في موتيهاري بالهندعام 1903م وخدم في الشرطة الملكية الهندية في بورما من عام 1922حتى عام 1927ثم عاش بعد عودته إلى أوربا في فقر مدقع لسنوات عديدة. وقد وصف تجارب شبابه المريرة في كتابيه: داخل وخارج باريس ولندن.. وأيام في بورما عام 1934م. حتى وفاته في 21 كانون الثاني (يناير) من عام 1950.
(*) - مقاربات: هناك في الادب العراقي نماذج تقترب من عوالم فلوبير وان ظهرت بخفر وحياء وافتعال شبقي مكشوف. كما في تجربة عالية ممدوح.التي كانت تتوهم بأنها تقدم المختلف، وتنتج وعياً آخر يجلد رغبات النسوة في الحياة، (في الحب). الحب الذي تحفل به روايات عالية ممدوح، والذي تحتفل به راوية "المحبوبات"، تعلن عن رغبتها فيه. تقول: "أحبُّ أن أُحَب، أحب أن أحَب وأكون محبوبة... أحب تلك اليد التي تمشي علي جسمي بغير نظام ولا هدف، بالزائد الذي لم يفض، وبالناقص الذي فاض، وبالرجال الذين تركتهم علي سجيّة نفسي، أنام معهم واحداً تلو الآخر ولا ألتقي بهم..." الحب بلا قواعد سابقة، بلا حدود مفروضة. حب بلا عنف. حب جسد لجسد لا ينهض عنف الذكورة بينهما. إنه اللقاء مع الذين لا يملكون " إلاَّ سلطان ضعفهم المعتدل القامة"، والذين لا يميزون بيننا وبينهم..."حب ولقاء. أو حب هو لقاء الأنوثة والذكورة، بين امرأة ورجل، بين كائنين. نذرف معه الدموع. دموع نذرفها معاً. نحن وهم، ويغلب علينا الخوف.. الخوف!! الذي ربما هو الفراق الأعظم الذي لا بدّ منه، الفراق الذي يعلنه عيشُ الحياة.هكذا ترى د. يمنى العيد عالية ممدوح روائية متربعة على عرش اللغة. وبهذا الصدد قالت:
(بعد قراءتي لرواية التشهي (الآداب 2007)، بدت لي الكتابة عن عالية ممدوح، الروائية، كتابة عن مسار، روائي. مسار في الإبداع السردي العربي وفي تميُّز عوالمه المتخيَّلة. تختلف التشهي، ولكنها تعيدنا إلي روايات عالية ممدوح الأخري، إلي حبَّات النفتالين (2000 طبعة دار الآداب) و الولع (1995) و الغلامة (2000) و المحبوبات (2003)...نحن أمام مؤلِّفة روائية مسكونة، في ما تكتب من روايات، بحمولة الذات وأمكنة عيشها. الذات الأنثويّة، العراقيّة، المتبصِّرة في الآخر، المختلف، الذي هو الذكر: الأب والابن والزوج... والذي هو أيضاً الأنثي: الأم والصديقة وزوجة الذكر.. الآخر: العراقي والعربي والغربي. الآخر الذي يؤرق الذات ويمسك، بالعلاقة معه، خيط الكتابة وينسج سرَّها. غير أنَّ قولنا بمسار يحكم روايات عالية ممدوح لا يعني أننا نشير إلي سيرة، ولئن كنا نقرأ في هذه الروايات ما يشبه السيرة، بل نشير إلي مؤلفة روائيّة تعرف بذكاء لافت أن تقف في البين حين تنسج هذا المسار لعوالم رواياتها. البين الزمني الذي تتجاوز به الذاكرة، أو ما حدث، إلي ما تراه هي، وتودّ أن تحكي عنه، إلي متخيَّل لا ينسي الماضي ولكنه يدرك أن المستقبل هو الأهم . هكذا بين هذين البُعدين للزمن، بين المرئي واللامرئي، بين الواضح والمحتمل.. يظهر المختلف في ما تصوغه اللغة، في الملتبس الذي يتوهَّج بأكثر من دلالة. المختلف القائم، وبمعني أساسي منه، في علاقة الأنثي بالذكر، بالجنس، بالأيديولوجيا... وفي تراكيب اللغة التي تبثُّ معاني القوة في الأنوثة، القوة في الحضور وليس في التسلُّط والقمع. مسار روائي يحفر عميقاً مع هكذا مسار يتَّسع عالم النتخيّل، تباعاً، في ما تكتبه عالية ممدوح من روايات، يتَّسع زمكانيّاً ويغتني، كأنه يتابع مساره. يغتني، يحفر عميقاً وتتشابك فيه المعاني والدلالات بفنيَّة ملحوظة تتجاوز مألوفها، ولكن دون أن يغادر عالم الرواية هذه الذات الأنثوية التي تبدو، أكثر فأكثر، سيدة متربعة علي عرش اللغة، الكلام المكتوب، الكلام الذي يُفصح، دون جهر، عن قبول الاختلاف بين الذكورة والأنوثة.. القول الذي يبني، في الآن نفسه، حيِّزاً دلالياً لاستقلاليّة الأنثي وحريتها دون أن يقطع مع هذا الذكر الذي ينتهي به تسلُّطه وقمعه إلي العجز، العجز الجنسي، باعتبار الجنس هو رمز ذكورته وقوَّته وتسلُّطه، هو رمزها ومبرِّرها، كما هو الحال في "التشهي".
المقاربة الأولى: تبدأ من الطفولة والمراهقة حكاية الراوية الأنثي في رواية عالية ممدوح "حبات النفتالين". من العراق، من "أعظمية" بغداد القديمة. تبدأ بالعلاقة مع الأب الذي ينتقل، حسب مسار الرواية، من صورة الأب (الذكر) الطاغي إلي صورة الأب الباكي.
تشغل الصورة الأولي، الأب الطاغي، الحيِّز الأكبر من عالم الرواية. مجرّد ذكر هو هذا الأب، يمارس العنف، عنف ذكورته. يضرب، يركل.. والابنة الطفلة، "مثل طير مريض"، تتشبَّث بثوب أمها (المهانة هي أيضاً)، تقوم وتقف بين ركلاته "أُمسكه من البوط اللماع وأشدّه من هناك، أتكوَّم بين ساقيه وهو يتحرَّك بي يأخذني من هذا الجانب ويقذفني للآخر، وبلاط الحوش يمتلكني، مأخوذة بصوته الذي يهبط عليَّ كالرصاص" (ص41 طبعة عام 2000).
لكن هذا الأب الذي كان عند قدومه إلي البيت ينتقل من صورة الأب، المفترضة، "إلي عنفوان الرب". كما تقول الرواية، لم يكن يخيف الفتاة الصغيرة، كما كان "يخيف عادلاً (الأخ) وأمي". كأنها، هي الأنثي، كانت باكراً تشعر بالقوة الكامنة فيها، أو كأنها كانت تحدس بالمتغيِّر، أو تودّه! هكذا يعود الذكر، في القسم الأخير من الرواية إلي أبوّته، إلي ما غاب فيه، في داخله، ونفاه هو عنه. تعود الأبوّة إلي طبيعتها بعد زمن من العنف والاستبداد حوَّل البيت، حسب الرواية، إلي خراب. تعود هذه الأبوّة بعد موت الأم المريضة، المقموعة، المرميّة في عزلتها، وبعد أن كانت المدينة، بغداد، قد دخلت، وحسب الرواية أيضاً، في العصيان، وقامت الثورة الناصريّة، وهتف الكل بسقوط الطغاة. خلع الأب ملابسه الرسميّة، أخذ إجازة وعاد إلي مدينته ليندسَّ مع الحشد الثائر. يتخلي الأب الضابط، المسؤول عن السجن (وظيفته)، عن استبداده، يبكي ندماً بعد أن أدرك أنه السبب في موت زوجته، إقبال، وبعد أن جاء إليه ولداه يجرجران مأساتهما، يسعيان للدخول في حضنه. ".. يطوقني بذراعيه، تهطل دموعه، يبكي أبي. يترك يديه عنّا ويرفعهما إلي رأسه، يغطي وجهه، صوت نحيبه يعلو ويتعلق في هواء الغرفة" (ص165).
المقاربة الثانية : ولع لايتحاشي الالم
ففي "الولع" تعلن الرواية بأنها لا تتحاشي الألم، "علي العكس أتورّط معه، لا أبتره" (ص80). هذا الألم هو، وكما يبدو لنا في هذه الرواية، ألم وقوفها، كأنثي، في البين، بين الألم والعشق. البين الذي يحيل معني العلاقة مع الآخر إلي علاقة مع الذات، إلي ما يحررها من أخلاق العداء والغيرة . وكما تقول في مكان آخر من الرواية، علي استعداد "لارتكاب جميع الجرائم للوصول إليه" (ص13). تقف هدي في البين الذي هو، وكما تشي به الرواية، مساحة عشقها لزوجها مصعب وإدراكها، في الآن نفسه، لمعني قساوته. مصعب الذي يعترف، ويقول، بأن لا أحد غيرها "يفهم ما أقول". إنها مساحة لفهمٍ آخر بينهما يتناقض فيه، ربما، الحب وشهوة الجسد، الجنس وسلطته...
يصعد مصعب إلي غرفة النوم مع زوجته الأخري، وداد، تقف هدي خارج الغرفة المغلقة. تشهد علي الخيانة. خيانة مصعب لها، تكرهه، لكن فقط كزوج وليس كرجل. مصعب الرجل تُخجله براءة هدي، أو كما يقول "فتاة الثامنة عشرة (يوم تزوجها)، الوقحة، المضطربة، النفورة". وهدي الراوية تفسِّر وفاءها لـ مصعب بالقول بأن الوفاء "فعل صحيح"، و "هو لي وحدي لنفسي". ثمة فهم ووفاء: فهم يحتاجه مصعب ولا يجده إلاَّ في هدي. ووفاء تمارسه هدي ويترك أثره علي علاقتها بـ مصعب وإن كان، هذا الوفاء، لنفسها. هكذا تتداخل العلاقة مع الذات بالعلاقة مع الآخر، وتقف الأنوثة، أنوثة الراوية، في البين، البين الذي يتمثل، بدلالة أخري، في هذا السؤال الذي تطرحه هدي علي نفسها:" هل أنا أنثي أم ذكر؟" (ص13). أو:" إلي من أنتمي، له (مصعب الذكر)، أم لها (الأنثي، زوجة مصعب الثانية)، إلي جسمي أم إلي جسم زوجي.." (ص7). فهل هو البين بين الذكورة والأنوثة تجد الراوية نفسها وجسدها فيه فتسأل. أم هو كلاهما فيها، فلا تترك مصعب وتذهب، في ما بعد، في "المحبوبات"، إلي النسوة؟ علي أن هذا البين المتمثل، هنا، في السؤال الذي تطرحه الأنثي، الراوية، علي ذاتها، يوسِّع مساحة الدلالة، يجعلها تتخطي، في روايات عالية ممدوح، حدود الثنائية الحادة، الثنائية التي تنهض علي حدٍّ قارّ، والتي تفضي، غالباً، إلي عداء مع الآخر وربما إلي نفيه.
المقاربة الثالثة : العالم المتخيّل
تتسع مساحة الدلالة في "الولع"، ويتلازم ذلك مع اتساع فضاء عالم الرواية. فالعالم المتخيّل الذي كان محيط فضائه المكاني في "حبات النفتالين" "الأعظمية" في بغداد، والذي كان قوامُ الشخصيات فيه الابنةَ والابن والجدة ثم الأم والأخ... راح يتسع في روايات عالية ممدوح حتي لكأنه بلا حدود، أو كأنه علي حافة الحدود. المطارات التي صارت تنقل الراوية.. تنقلها، في "الولع" إلي الأردن، وتنقلها في "المحبوبات" إلي باريس. لتستقر ولا تستقر. هي العراقيّة التي شرَّدتها سطوة الذكورة وسطوة السياسة، وسلطة الاقتتال والحروب لتغدو المطارات هي "التي فيها تولد وإليها تعود (كما نقول الراوية في أول الكلام في رواية "المحبوبات").
يتعدَّد فضاء عالم روايات عالية ممدوح، يتنوَّع لكنه يبقي واحداً في مذاق هذه الراوية التي تحكي عن الذات، أو عن مسارٍ لهذه الذات التي عي غير الـ أنا، الذات في رحلة علاقتها مع ذاتها ومع الآخر. مع الاختلاف النوعي، والعرقي والحضاري.. وحتي السياسي.. تتوحَّد نكهة الفضاء في مذاقها فتقول: "... والأرض المبطَّنة بالشحوب والمرارة هي، هي، في كل مكان. في كاردف أو في الأعظمية، بيروت أو الرباط" (الولع ص62). يتسع الفضاء المكاني، يتعدَّد ويتنوَّع، لكن الإحساس به يبقي عميقاً يتجاوز حدود المكانيّة الجغرافيّة إلي معني الذات، إلي حمولتها الثرية وأحلامها المأمولة. الذات التي تعاين حياتها وتعيش معاناتها بحيث يكون علي المرء، وكما تقول الراوية، أن يجد "بعض الأمور كي ينتسب إليها".
لعلّها الكتابة هي هذا الأمر الذي عنته عالية ممدوح أو الذي سعت الراوية لإيجاده كي تكشف عن انتسابها لذاتها الأنثويّة وعن انتمائها لهويتها العراقيّة، فكانت لنا أعمالها الروائية التي حفلت بهذا الانتساب وبهذه الهوية. وكانت الكتابة، أو "الورق"، كما تقول، "أول وآخر المنافي". (الولع ص50).
المقاربة الرابعة: علاقة الذات الانثوية بذالتها
تستقيم العلاقة بين الذكر والأنثي ولكن الرحميّة: الأب بابنته والابن بأمه ولا تستقيم هذه العلاقة علي مستوي الجنس، أو خارج المحرم، بين الزوجين. لعلّه العطل! العطل الذي ينقل العلاقة، أو يفتحها علي علاقة الذات الأنثوية بذاتها المتمثلة في ما سمّته سهيلة المحبوبات، النسوة المتحابات، اللواتي يتكافلن ويشكلن عالماً حميمياً لهن. حتي لكأن الاستقامة هي هنا، في مثل هذه العلاقة، والعطل في مكان آخر، في ما يُحيل علي ذكورة تاريخيّة ـ سياسيّة ـ ثقافيّة.. هي ذكورة العنف القائم بالجنس، كما تروي "التشهي".
ففي "التشهي" تتعدّي عواقب التسلط الذكوري حدود الآخر الأنثوي لتشمل الذكر نفسه. فهي، أي هذه العواقب، لم تتركز، في هذه الرواية، علي ما يصيب الأنثي وقد وصل في "المحبوبات" إلي حدّ سقوط سهيلة في الغيبوبة وهدّدها بالشلل. أو لنقل بأن هذه الرواية، وكما يشير عنوانها، تتناول الذكورة المهووسة بالجنس والمحكومة بشهوته. إنه العنف الجنسي الذي يؤدّي، وعن طريق الترميز والتفريع الدلالي الذي تتوسله الرواية وتمارسه بمهارة ملحوظة، يؤدي إلي ضياع البلد. وضياع هويتها، وثقافتها العربية.
الخاتمة: إضاءة كوامن الذات
تبتدع عالية ممدوح من الدلالات والمعاني ما يضيء كوامن الذات ويكشف مجهولها. وهي بذلك تقدم المختلف، وتنتج وعياً آخر لما ألفناه من علاقات، لهذا الذي قبع في المحترم، وترسّخ في الأيديولوجيا، وراح يجلد رغبات النسوة في الحياة، في الحب. الحب الذي تحفل به روايات عالية ممدوح، والذي تحتفل به راوية "المحبوبات"، تعلن عن رغبتها فيه. تقول: "أحبُّ أن أُحَب، أحب أن أحَب وأكون محبوبة... أحب تلك اليد التي تمشي علي جسمي بغير نظام ولا هدف، بالزائد الذي لم يفض، وبالناقص الذي فاض، وبالرجال الذين تركتهم علي سجيّة نفسي، أنام معهم واحداً تلو الآخر ولا ألتقي بهم..." الحب بلا قواعد سابقة، بلا حدود مفروضة. حب بلا عنف. حب جسد لجسد لا ينهض عنف الذكورة بينهما. إنه اللقاء مع الذين لا يملكون " إلاَّ سلطان ضعفهم المعتدل القامة"، والذين لا يميزون بيننا وبينهم..."
حب ولقاء. أو حب هو لقاء الأنوثة والذكورة، بين امرأة ورجل، بين كائنين. نذرف معه الدموع. دموع نذرفها معاً. نحن وهم، ويغلب علينا الخوف.. الخوف!! الذي ربما هو الفراق الأعظم الذي لا بدّ منه، الفراق الذي يعلنه عيشُ الحياة. في حين يناقض الشاعر فاروق سلوم انحدار عالية ممدوح مما وضعته فيه يمنى عيد ويقارنها بالروائية اليزابيل ألليندي.
مراجع ومصادر ومقاربات
(*) ترجمت هذه الذكريات عن كتاب (الانجليزية التي نستخدمها أو نتحدث بها) (The English we use) لمؤلفه R).A.(Closeا)عن دار (Longmans).
(*) - وليم سومرست موم قاص وروائي بريطاني مشهور ولد عام 1874 وتوفي عام 1966. كان قد نشر هذه الذكريات قبل (45) سنة أي انه مر الان عليها (125)
(*) - كتب فيكتور هيجو إلى فلوبير يقول: (.. إنك كتبت قصة جميلة يا سيدي. إنها قصة الزوجة الخيالية التي تطمح للحياة كما يتصورها الشعراء، حب خالد، و عوالم أبدية من المتع و الرغبات.. و تصطدم بالواقع. فتتردى في الخيانة الزوجية.. ثم في جحيم الهوى الخائب.. قصة نلمس و نحن نقرأها بأنها ثمرة لموهبة الغوص إلى أعماق الحقيقة، و زبدة اللهفة للتعبير عن دقائقها. و لعل الشهرة التي لاقتها مدام بوفاري يصيب مدعاها قول هنري تروايا من المجمع العلمي الفرنسي: إنها تعمل في نفس من يطالعها رسوخاً ابدياً)
(*) - (رواية (مدام بوفاري*) للروائي الفرنسي الشهير جوستاف فلوبير، أشهر رواد المذهب الواقعي في العصر الحديث وبالأخص الواقعية الانتقادية التي كرسها في روايته الأولى هذه فاعتبرت البداية الحقيقية للواقعية في العصر الحديث، وإجمالا فالرواية تتحدث عن خيانات إيما لزوجها شارل بوفاري، وتسلط الضوء على سقطات كثيرة في الحياة الزوجية. وقد رُفعت ضد فلوبير قضية بسببها، اتهم فيها بارتكاب جرائم الإساءة إلى الأخلاق العامة والدين، بالإضافة إلى استقصاء للآراء المتناقضة التي تقف مع أو ضد العمل. وعلى الرغم من أن المحكمة قد حكمت ببراءة فلوبير؛ إلا أنها بدت غير مقتنعة في المكتوب عند تلاوة الحكم بشكل يوحي بعظم الأمر وتشعبه واحتياجه إلى نظرة تأملية عميقة جداً. ( يتبع)
--------------------------------------------------------------- |