مرحبا بكم في موقع الفنان والناقد التشكيلي شوكت الربيعي @ اطلعوا على كتاباته ولوحاته الفنية ومواضيعه الصحفية الفنان والناقد شــــــــــــوكت الربيـــعي - ثلاثية أحزان القصب تأليف شوكت الربيعي- القسم الرابع- صحيفة المثقف- 18- 7 - 2008م - لندن - BlogHoster الفنان والناقد شــــــــــــوكت الربيـــعي - ثلاثية أحزان القصب تأليف شوكت الربيعي- القسم الرابع- صحيفة المثقف- 18- 7 - 2008م - لندن - BlogHoster
      

الفنان والناقد شــــــــــــوكت الربيـــعي

ثلاثية أحزان القصب تأليف شوكت الربيعي- القسم الرابع- صحيفة المثقف- 18- 7 - 2008م - لندن

2008/7/19 .. 0 التعليقات .. رابط

 

 

ثلاثية احزان القصب (4)

أرسل لصديق

شوكت الربيعي   

Friday, 18 July 2008

استيقظت من هذه الشطحات، ومحوت عن ذهني صور الخيال المشتهاة، والبدائل المستساغة في لحظات الضعف.. تنبهت ودققت النظر في المشهد الذي يواجهني؛

ما زال العمال يملأون العربات بالتراب.. وكانت نظرتي إلى مشاهد الطبيعة والأكواخ والصرائف (والجمّاليات الطينية) والبساتين وألوان المنعطفات الترابية والدخان المتكاثف المتصاعد فوق فوّهات المعامل الشاهقة (والكوَر) الواطئة، تختلف على مدى المواسم والفصول، كالنفوس والحالات الإنسانية ومقاماتها.. ففي الشتاء يكفهر الجو، وتتكاثف غيوم سوداء تغطي معظم سقوف المنازل المنهدة، في حين تبقى حزم من أشعة الشمس المهيضة تهطل رشيقة بخيوطها البراقة على المساحة المتبقية للجزء العلوي من سياج المقبرة التي نراها عند عودتنا في أيام الشتاء الأخيرة، وعلى أعناق البردي وعرائش القصب وتيجان الحلفاء المتمددة أبداً على وجه الماء في البرك الآسنة والحفر المتناثرة. وهناك بعض البقع الضوئية تتساقط فوق صرائف البواري والقصب وأطراف أكواخ الطوف الرطبة المنتشرة هنا وهناك بسقوفها المغطاة بدخان (كور) الطابوق الأحمر.. وعلى البعد كانت البساتين قد تحولت إلى كتل خضر داكنة ترتفع في جوانبها بقع الضياء الشاحب المنبثق من بين ظلال الغيوم البيض المرقطة باللون الرمادي، المغطاة بسحنات برتقالية تستحيل إلى ألوان بنفسجية متقطعة.. والسحائب السود المتكاثفة تغطي الجزء العلوي من السماء. فكنت أعايشها وأنفعل بها وأهيئ نفسي لرسمها.

لقد رسمت كل ذلك في لحظات انفجارية أرغمت فيها الجوانب المستعصية على دخول عالم اللوحة الملونة بتركيز لا تبلغه إلاّ حياة العمال نفسها. ولم أعرف لتجربتي البسيطة هذه قدرة مماثلة على تصوير فضاءات العمال النفسية وعوالمهم الاجتماعية. وتوقفت سائر محاولاتي في الرسم لسواهم عن أن تكون فناً حقيقياً.. تنفست معهم أطنان السموم والغازات والكربونات المحترقة، وأذابتني حرارة تموز وغبار الأيام الرطبة، فتعفّن منها جسدي مرات عديدة، وتنقعت بالملح الأبيض ثيابي الخشنة، وتلونت عيناي برماد الأفران التي كنت أبحث فيها عن أشكال غريبة من الأحجار المتكسرة المحترقة المتصخرة تماماً، وكأنها قطع مزججة باللون الأخضر ودرجاته، وبعضها باللون الأحمر وسحناته، لأصنع منها تماثيل صغيرة تكونت أجزائها على هيئات وملامح تشبيهية، ثم أتلاعب في بعض زواياها واتجاهات شكلها وبنائها العام لأنتج منها ما يشبه النحت، وهي طريقة تعلمتها منذ أن كنت اقتطع قوالب الطين من شواطئ نهر دجلة، أيام طفولتي وبواكير صباي.

كان النقش الأشد عمقاً في الذاكرة، قد حفر بتأثير الرسم.. فكم رسمت على واجهات البيوت والأبواب وأرصفة الشوارع، فلا يبلغ قلبي شئ أشد تأثيراً ووقعاً في النفس وفي أحلام الطفولة من الرسم، بحيث تشكلت المكونات الأولى من ملامح الرسام في داخلي، فتملكتني نشوته (الرسم). وكنت في أرق الحالات عشقاً وشجىً لطفولتي، وخاصة مفردات مرحلة الكمون الإبداعية التي كنت أتحسس بسطوتها مادة الطين. وهي أول ملامسة للحب خلال العمل، أشعرتني بالفرح الغامر وبالمتعة الرائقة. كما كانت تقودني إلى اكتشاف أفكار خارقة مسّتني كشجرةٍ صعقتها بروق أرباب الفن الخارقين، وغمرتها بخمر العشق.. فهل لابد لذلك العشق الذي لا عشق اجمل منه أن يعاني الحرمان؟.. وهل أن ما نحبه ليس إلا ظلاً؟.

حين تنفست طفولتي هواء فاسداً، ماتت عندي الطبيعة الودودة. ولكن شعور الطفل في داخلي، الذي دحرج في بئر للآلام وقذف به من سماوات اليقظة الأولى، ظلّ يعاني من الخوف والحرمان، ولازمته هذه المخاوف في هوى المعاناة المتنوعة بمنحدراتها الحادة، فدفعتني إلى حافات الوجدان الجامحة في إشراق الماس وعلى امتداد الفضاءات النفسية النائية

(21)

جرّتني عربة التأمل، وغصت في بئره أمام مسند الرسم، أحدق في قماشة اللوحة البيضاء، وأمامي النخلة العراقية تجلس موديلا للرسم أذرّي نشوتي على ألوانها. وكثيراً ما سرح خاطري في تخيّل وجهها وتذكر ملامحها ومشيتها ولون عينيها، معشوقتي التي لا قلب يسع التفكير بها إلاّ قلبي وحده. ولكن.. يا لحزني ونواياي الطيبة.. أفكر بمن لا تحبني الآن، وأنسى أميرتي التي كانت تأتي مع الريح إلى الأهوار. كانت عمتي (ركنه) تحكي لنا ونحن صغار عن قصة الريح الآتية من كهف الأحزان الذي تسكنه فتيات يحتسين وشالة العبرة العتيّة.. قالت عمتي: (إذا سمعتم صوت الريح تذكروا بكاء اليتيمات وأنينهن في كهف الجوع والخوف..).

1958

هاأنذا أسمع صوت الريح دون بكاء أميرتي.. هاأنذا أتذكر بكل محبّة نقية أميرة الهور التي كنت أبصرها دائماً مبتسمة تيّاهة، يزدهيها جمالها وفتنتها.. وفي ملامحها انتشاء طفولة، وفي عينيها أحزان القصب الذاوي. تتمايل أعناق البردي وتيجان أعواد القصب، بفعل هبوب الريح التي تداعب خصلات شعرها الأسود الفاحم، ويتناهى إلينا نقيق الضفادع التي طالما كانت وسيطاً عزيزاً بيننا. كل صباح تطل علينا كأنها سنا الفجر، تدفع بمشحوفها متوجهة إلى الطاحونة.. شاهدت في كيس الشعير ثقباً يتسرب منه الحبوب ببطء إلى قاع "المشحوف"، فسدت الثقب بقطعة قماش حمراء.. هاهي تحرك يدها اليسرى لتلقي بجديلتها إلى الخلف، بعد أن انزلقت من " شيلتها".. لمحتها تبرم العباءة بحرقة، لتشدّها حزاماً، لظهرها حتّى تتحمل ثقل الكيس عليه،. هبطت به " الكحيلة " إلى المنحدر المتصل بماكينة طحن الحبوب. زمت شفتيّها بقوة وتشنجت يداها الرقيقتان عندما همّت برفع طرفي الكيس لتنقله إلى الماكينة الصغيرة المجاورة.. وركضت إلى التي جار عليها الزمن، و"انشد على شوفتها " وحاولت مساعدتها، دون أن أنبس بكلمة واحدة.. فرفضت وقالت (أنها تعادل عشر زلم ) وكانت حقاً من أرق نساء الحي جمالاً ورجاله ثقةً.. كانت تعلو زرقة عينيها الصافيتين مهابة فاتنة. وكان (أهل السلف) ينادونها بأم العيون (الزرق).. ولعيني أمها بريق أشد في زرقته وصفائه. ولبياض وجهها لوم الملح وفيه سحر لا يوصف.. ألتقي بها كل مساء لأتسلم منها طعام العشاء.. فقد كانت تخبز لنا تارة (سياح) وأخرى (طابك) مع السمك وثالثة (رصاع) مع طيور الخضيري.. وكانت تحمل حساسيّة الإنسان الذي طحنته تجارب الحياة..

كنت أدعوها (مثقفة) وكم أعجبها هذا الوصف الذي تفسره فتظن نفسها (معلمة) كأمها. ولم تكن أمها كذلك. لكن تجربتها وحكمتها في الحياة اليومية، جعلت منها قارئة الفنجان الأولى، وضاربة للودع لا تدانيها امرأة في فراستها ولا توازيها امرأة في جمالها وفطنتها. رسمتها عدة مرات.. ورسمت معها مسطح ماء الهور وأعواد القصب وتيجانه.. وماكينة الطحين والمقهى وأنواع الزوارق: (المخيط، المشحوف، ألطرادة، الدانك، البلم..)

كانت المنطقة منقوعة بمياه الأهوار منذ آلاف السنين.. وكانت هذه الأرض التي نطأها الآن مغمورة بالغرين والأملاح وعلى مسافة قريبة منها كانت (أور) عامرة في عرس الحضارة. وعلى امتداد أهوار العمارة والناصرية المتداخلة تنتشر عرائش القصب (البردي والجولان) وتكثر فيها طيور (الحذاف) والخضيري والصيادين والفلاحين والقنّاصين من أصحاب (الدوشات) المنغرزة في حافات الأهوار.. ان رسامي مشاهد الطبيعة وهي في حالات مختلفة من النهار، أن أولئك العاشقين المنغمرين بالألوان المشمسة، يبحثون دائماً عن التوازن والانسجام، وهم يضغطون كل سنوات تجاربهم في لحظة إبداع مصعّدة بقوى الحياة المبتغاة وبعنفوان العاطفة واختلاجاتها المتقدة أبداً.

وحينما أستنهض مثل هذه الأحلام من حدسها الأول وأمنح أرضها من حنين الروح البديل في فجر الطفولة، فلأنني أشعر بأن أحلام الشباب قد اختفت وراء حجاب كثيف من ركام السنوات العجاف، فانكفأت على نفسي، إلى حيث الصدعة الأولى تغشّيني طفولتي الساحرة. وهذه في الأقل الحقيقة المبتغاة، إلاّ في ذات فترة من سنوات الشباب الملونة بالأفكار والحالات التي انغمرت فيها بمراقبة العشق وهو ينمو كورد الجوري قصير العمر، فوّاحا، مزدهياً برقته وعطره معاً.. وهي صورة لا يمتلك فنان رسمها بالدرجة الحساسة التي كانت عليها، بسوى قوة العشق وبعنفوان طاغٍ تحتشد فيه العواطف وتختلج كل أحلام الفتية المتوهجين في ثوان وحيدة.. وبحيث تختصر كل سنوات العمر وتنضغط في لحظة واحدة تشرف على عمق الحب الخالص كالبرق ويتلاشى وينفى في ارتعاده لا تتوقف عن الانفجار المصعّد لكل قوى الحياة البديلة المشتهاة. 

(22)

كنا متحمسين لصنع أنفسنا، نحن القادمين من ألوية العراق لدراسة الفن.. فتوطدت علاقاتنا بسرعة وجمعتنا أحوال وظروف وهموم متقاربة ومشتركة أكثر الأحيان. أغلبنا ننحدر من عوائل فقيرة؛ فلاحين وعمال وكسبة وذوي مهن حرة وأغنانا ينتمي إلى طبقة متوسطة من المعلمين والموظفين.. ثلاث سنوات مكتنزة تجارب رائعة متميزة، أعددت خلالها نفسي لمواجهة الحياة في الصحافة والنقد الفني، والقراءة المستمرة. إضافة إلى هوايتي الأساس في (فن الرسم).. وكنت في تلك الفترة متحمساً لنشر مقالات نقدية عن تجارب الفنانين العراقيين في الصحف والمجلات العراقية والعربية، أهمها في نظري ما نشرته مجلة (المجلة) المصرية في عهد رئيس تحريرها القاص "يحيى حقي".. وكانت جريدة (كل شئ) تنشر لي أسبوعياً مقالاً عن رؤية الرسام العراقي وطبيعة النقد الفني التشكيلي وخواطر فنية وأدبية أخرى، وكان رئيس تحريرها عبد المنعم الجادر قد زارني في مدينتي "العمارة" مرات عديدة.. إذ تمتد معرفتي به على المستوى الشخصي منذ أن كان يعمل محرراً في جريدة البلاد ثم في جريدة الزمان. واستمرت علاقتي به حتى وفاته بالنوبة القلبية عام 1976م . وكنت آنذاك في (براغ).. كنت مندفعا بكل محبة لمتابعة الأنشطة والفعاليات الفنية ورصدها والكتابة عنها،في اطار النقد الفني التشكلي على وفق علم الجمال المعاصر . وضمن ظروف القرن العشرين التي ازدهر فيها الفن التشكيلي المعاصر، وتقدمت فيه وسائل مؤثرة أخرى (كالتكنولوجيا والإعلام والسياحة والحروب) مهدت لعوامل أخرى أضافها الباحثون لمعاني كثيرة للإبداع، أوضحت معالم قيمية التجارب البارعة في الفنون عامة كنا نجهلها من قبل. وبنمو الإبداع ازدهر النقد الفني، وخرج عن المنهج الذي كان متبعا إبان عصر النهضة، وظهور كتابات فازاري ووتأثيرات مناهج أكاديمية روما التدريسية، بمثالياتها الفنية واستنباط شروط النقد الفني من روح التجارب السائدة لكل فنان متميز، فتتبلور مفاهيم مستنبطة من من جمالية وقيمة الاعمال الفنية ذواتها، لتكون مصدر حكم نقدي على الأعمال الفنية التي ينتجها الفنانون في ظل ظروفها الموضوعية والثقافية والتاريخية والاجتماعية. وهي تراعي الضوابط والشروط والقوانين الجمالية وقاعدتها الذهبية في الفن ومنها علم المنظور وعلم التشريح وضبط المسافات ومساقط الرؤى وتحقيق النسب، والأبعاد، والتفاصيل، التي تتفق مع المثالية الإغريقية . ولكن بنمو مفهوم الإبداع ظهرت مداخل للنقد الفني مختلفة ومتقدمة تؤمن بحرية الفنان الشخصية في التعبير عن افكاره ومنطلقاته بالمعالجة والصيغة والاسلوب الذي يجد فيه هويته وآفاق ابداعه. في بيئة وطراز المرحلة التي ينتج خلالها الفنان أعماله. لكي تتبلور ملامح شخصيته، وقطع النقد في هذا السبيل أشواطا اشتهر خلالها في الفن التشكيلي المعاصر أسماء نقاد عالميين محدثين كان لهم تأثيرهم على الحركة الفنيةالمعاصرة.

وفي مقهى البلدية المجاورة لمطبعة الزمان، كان هو يجري معي حواراً في الفن. فأخبرته بسفر الفنان ماهود أحمد إلى موسكو لدراسة الفن، وكان ذلك في العاشر من تشرين الأول عام 1961.. غادرت مكتب جريدة الزمان، باتجاه باب المعظم وعلى بعد عدة أمتار من الكلية الطبية، وحين كنت في بعض الطريق التقيت (علاء حسين بشير) وجهاً لوجه، وكان كأنه ظل شاحب، مسرعاً إلى الكلية الطبية. تحدثنا على عجلٍ، وأخبرته بسفر (ماهود) وبأنني سوف أنام هذه الليلة في منزل أخيه (محمود)، القريب من بيت "علاء" في الكاظمية.. لتتاح لنا فرصة التحدث عن الفن وتطلعاتنا المشتركة في المستقبل.. وفي موهن من الليل كتبت قصيدة (وداع) التي لحّنها وغنّاها الفنان فاروق هلال وضمنّها فلمه الأول (مع الفجر) فيما بعد..

 

رافقت (ماهود) إلى المطار صباح اليوم التالي.. وهناك التقينا مصادفة بالشاعر بدر شاكر السياب. سألته عن سفره إلى إيطاليا قال بأنه دعي لحضور أعمال مؤتمر حول الأدب العربي للفترة من (السادس عشر الى العشرين) من تشرين الأول، بدعوة من إدارة مجلة (تمبو بريزنته) ومعهد الشرق الإيطالي والمنظمة العالمية لحرية الثقافة.. نظر السياب إلى ساعته وقال: (علمت أن جميل حمودي وجبرا إبراهيم جبرا سيحضران المؤتمر أيضاً)..

أعلن في مكبرات الصوت عن موعد مغادرة طائرته. صافحناه. ودخل صالة أخرى. وعلمت فيما بعد أن الشاعر علي أحمد سعيد (أدونيس) قد حضر المؤتمر بصفته رئيس تحرير مجلة شعر، ومحمد براده بوصفه سكرتيراً لرابطة الكتاب في المغرب العربي كما حضرته، الشاعرة الفلسطينية سلمى الخضراء الجيوسي من الأردن، ويوسف الخال ـ صاحب مجلة شعر.. ومحمد الفاسي بوصفه مديراً للجامعات في مراكش فضلاً عن توفيق صايغ وجميل صليبا وإبراهيم مدكور (سكرتير المجمع العربي) في القاهرة (آنذاك) و(محمد مزالي) صاحب مجلة الفكر، ومحيى الدين محمد وعيسى الناعوري ومحمد مسعدي. في حين أعتذر (نجيب محفوظ) عن الحضور، كما حضر المؤتمر بصيغة مراقب عبدو الخولي ومحمد صايخ ومولود معمري وكاتب ياسين وأسعد مرزوق..

وإذا كان المؤتمر قد أثار الكثير من المسائل التي كانت ملحّة ومرتبطة بدرجة وعي الثقافة إزاء الذات والعالم، فأنها لم تتجاوز في تأثيرها أبعد من قرارات بسيطة لا تشكل سوى أهمية لاحقة. ففي هذا المؤتمر نوقشت مكانة الأديب العربي في العالم الحديث وموقفه إزاء الثقافة العالمية، واتجاه مشكلتي اللغة والحرف، والأدب النسوي العربي المعاصر من الشعر العربي ومشكلة التجديد.. والقصة والمسرحية ودورهما في المجتمع العربي وموضوع الالتزام واللاإلتزام في الأدب العربي الحديث.. وقد خرج المؤتمر بأربع توصيات: عقد مؤتمر دولي عامي للأدب العربي المعاصر، وتشجيع التبادل بين أدباء العرب والغرب، وتبادل الإنتاج الأدبي بقصد التعريف والترجمة.. انتظرنا ساعةً ونصف الساعة في المقهى الصغيرة في المطار، حتى حان موعد السفر..

وحقق (ماهود) أمنيته في دراسة الفن. وتزوج من رسامة روسية أنجبت له (ليلى ورامي). سافر مرة أخرى لنيل شهادة الدكتوراه وعاد الى بغداد وقد حدثت بينه وبين زوجته خلافات انفصلا بسببها . ثم تزوج من الرسامة العراقية، د. وسماء حسن انجبت له طفلة اسمها رامية غدت ناقدة فن تحمل شهادة الدكتوراه. (اضيفت هذه المعلومة لاحقا).

(23)

كانت قوة أحداث وتجارب الماضي التي تسير معي مستنبتة في تفاصيل ذاكرتي، تضيء الطريق الوعرة وتحطبها بتأثير وبحوافز شديدة الوضوح تنطوي عليها رموزها المترسبة في مملكة الأحزان. حيث امتلأت أعماقي ووجداني وعيناي بالألوان التي غرقت في تنوعها وثرائها الحيوي المشبع بالضوء، المنغمر بمياه الروح العذبة وبحرارة الشمس المنزلقة بين موجات الفراتين الفضية.. أينما التفت أجد كنوزاً من الألوان.. في كل مكان، ألوان.. وكنا طلاب فن نخرج إلى الطبيعة يرافقنا استاذنا فرج عبو (1921م – 1982م )تارة وفائق حسن (1914م – 1991م) تارة أخرى.. نحمل أدوات الرسم متوجهين إلى منطقة (الراشدية) لرسم مشاهد (الفحّامة) وبساتين صدر القناة.. ثم نواصل الرسم في منطقة (اسعيدة) في الزعفرانية ومناطق (معامل الطابوق) التي كانت تشدني إليها بقوة لأنها جزء حساس من بواكير حياتي المنهكة وتشكل رموزاً حبيبة إلى نفسي، فأنا لا أريد أن أغادر طفولتي وصباي ليتلقفني الشباب، فهو لعنتي وآلامي الداخلية المنطوية على مطهر الروح الذي كوّنته التصدعات الأولى في فجر الطفولة، إذ اشتغلت يافعاً في معامل طابوق البناء ادفع عربة ثقيلة على سكة حديدية تحمل خمسة ألواح نضدت فوق كل لوح اثنتا عشرة لبنة طرية أنقلها، حافياً تحترق قدماي في أرض رملية منقوعة بالنفط الأسود وملتهبة بحرارة شمس الصيف لكي يأخذها مني أربعة عمال، ينشرونها على مساحة مكشوفة قبل نقلها إلى أفران الفخار التي تزيد درجة حرارتها على العشرة آلاف. وكنت أعود منحنياً على العربة أركض لاهثاً خلفها وما زالت قدماي الصغيرتان تحترقان بتلك الرمال الساخنة، تستهلكني اثنتا عشرة ساعة طاغية من العمل المتواصل لقاء ستمائة فلس أسبوعياً. واختلاج يحتويني في لحظة تحتشد فيه ظلمات عميقة الجذور من شعور ذلك القلب الصغير الذي يعذب نفسه بالحب.. وتذكرت حارس (معمل طابوق جبوري حنّا الشيخ).. كان حارس المعمل (موسّم) يوحي لي بإحدى الشخصيات الأسطورية للقصص الشعبية التي تحكيها لنا عمتي (ركنه) كان يقول لي: (يا ويلي) أنهكت قواك وأنت صبي تتعجل الشيخوخة متعباً وجهزت نفسك للذبح منذ الآن..ولكن تلك المفردات الصلبة قد تكونت بتراكمها جدران معمار التجربة التي كنت أسعى لخوضها.فانعكست لاحقا فيها: وكان بعض نقدة الفن الذين تعنيهم هذه التجربة، يفضلون النظر الى كتاباتي الذاتية في اليوميات المدهشة خاصة، كما لو أنهم يتأملون بالفهم نفسه لوحاتي عن الاهوار والفلاحين والحياة اليومية في مدينته العمارة.). وهي أعمال تعبيرية غير تشخيصية تماما، عالجت فيها اعادة تشكيل وتركيب معمار اللوحة الفني وتبسيط العناصرالشهودية للفلاحين ومساقط الحقول والاهوار والصرائف والزوارق وصيادي السمك وطيور الحذاف والخضيري وتيجان القصب وأعراش البردي.

 

1958

كانت تلك الإنجازات بالنسبة لي، تعني البداية في اطار زمني محدد ومكاني معلوم (أي نأخذ التجربة التشكيلية ـ الأدبية، وننظر اليها في ظروفها وبيئتها) نذكر منها الأعمال التي تستلهم عالم الفلاحين والاهوار المنفذة في بيئتها وزمانها ومكانها مابين الأعوام -1963م – 1973 والتي قدمتها في المعارض الشخصية والمشتركة مع جماعة الجنوب للفنون التشكيلية وأعضاء جمعية التشكيليين العراقيين في البصرة عندما كنت رئيسا منتخبا لها. بينما كان الفنان الدكتور قتيبة الشيخ نوري رئيسا للجمعية – المركز العام .

 

كنت في المدينة أرسم، وأخطط المشاهد الآنية المتلاحقة في حركة السوق وطبيعة الناس الغادين والرائحين، وخلفهم محلات صباغي الملابس (والوشائع) الصوفية والقطنية، وكانت قطع من الأقمشة ولفّات الصوف الملونة (والبيرمات) والإزارات، تتدلى من ثوابت معلقة أعلى سقف السوق، فيجعل منها الصباغون مهرجاناً رائعاً من الألوان البراقة. وما أجمل مشاهدة هذا التداخل الزاهي للنساء القرويات والفلاحين والأطفال والحيوانات المحملة بأنواع الأكياس الملونة والبضائع وألوان النحاس والقدور والمواعين، كأنها لوحات متحركة مركبة كوديان مزخرفة متموجة..

 

رسمـت المدخل في السوق الرئيس ثم في الأسواق الشعبية الفرعية؛ سوق الصفافير وخانات التمور ومخازن الأخشاب وسوق النجارين وعلاوي الخضراوات وسوق الخياطين والعطارين وبائعي (الباجة) والكباب، ومقاهي الأسطوات البنائين والنجارين والدباغين والندافين والإسكافيين والصاغة والصباغين وبائعي الحلوى ومحلات (الشكرجية والحلويات) وبائعي الأقمشة وبائعي الطرشي والفخاريين والحمامات الشعبية ومساطر العمال (الشغيلة) ومطاحن الحبوب ومرابد المواشي شمالاً، ونهاية السوق المسقوف الكبير حتى شارع بغداد والسراي غرباً، وابتداء بخانات الخشب وطاحونة (الحاج سوزة) شرقاً، وحتى بداية المحمودية والصابونجية جنوباً.. هذه أغنى مادة فنية يحلم بها رسام يتوج بها مضامين لوحاته وأشكالها بروح الحياة وبالواقع الاجتماعي..

(24)

كنت أحدث زملائي وشركائي عن كل ذلك، بينما كنا نتجمع في بهو القسم الداخلي الذي كان يقع بين المركز الثقافي البريطاني آنذاك والسفارة السعودية المحاذي لسكة القطار الذي يعبر حسر الصرافية والذي لايبعد كثيرا عن كلية التربية قرب (محلج القطن الطبي) في منطقة الوزيرية. بينما كنا نحمل أدوات الرسم وعدته على أكتافنا متوجهين إلى معهد الفنون الجميلة مقابل البلاط الملكي، كعادتنا في كل صباح.. وفي بعض الطريق كنت أحدثهم عن ملاعب الطفولة الأولى، في كورة (العم ادعيج) في العمارة، وحبي الشديد للخزف والفخار والكوازين الذين كنت أراقبهم وهم يصنعون الأصص ووسائل حفظ الماء المعروفة، وينقشون سطوحها بشتى الأشكال التزينيّة المتناظرة، باستخدام "قطعة خشب" مسننة، أو ذات نهاية حادة أو مستدقة.. وعرفت أن جمالها يكمن في يد وفكر الكواز لا في نوعية الطين وحده.. كما تدربت على تشغيل الدولاب بقدمي الاثنتين بصعوبة، لأنه يستدعي قوة أعظم، فأجهدت نفسي مراراً على تحقيق هذه الرغبة التي كانت تجتاحني.. كنت أساعد العمال على نقل الإنتاجيات الطرية الرطبة التي تصنع للتو، واضعها في طوابير تمتد فوق مسطح من الأرض المكشوفة لكي تتعرض إلى الشمس مدة طويلة من الزمن تستغرق أسبوعين في الأقل قبل نقلها إلى جوف (الكورة) حيث يتم فخرها.. مثل هذه الكورة كانت تشاد على مساحة صغيرة من الطرف الشرقي لمبنى معهد الفنون في منطقة الكسرة. بناها أستاذ منتدب في الأيام الأولى من شهر تشرين الأول عام 1955، هو (إيان أولد) وقد أخذ تصميمها عن الكور العراقية. وحملت هذه التجربة معها بعض الآمال لحركة واعدة في فن الخزف والفخار، تنهض مجدداً من أعماق الأرض التي أبدعتها قبل آلاف السنين من جوف تاريخ وادي الرافدين، وبروح شابة ربطت اليد بالفكر، فجعلت من الطين قوة الإبداع الساحرة في الحياة. وبعد مضي سنتين جاء الفنان القبرصي (فالنتينوس) عام 1957 إلى بغداد منتدباً للعمل في المعهد ومعه استمرت مسيرة الفخار.

لقد أسهمت تجارب الخزافين الشباب في دفع مسيرة هذا الفن خطوات فاعلة متميزة. وخرجت نتاجاتهم من صالات المعاهد والأكاديميات في العراق إلى صالات العالم في أوروبا وأمريكا اللاتينية وفي آسيا وأفريقيا.. وحفظ لنا هذا الفن صلاته الحضارية لماضيه. حين استلهم وحدات التراث الرافديني والعربي الإسلامي وفقاً لصيغ حديثة، باستخدام الألوان البراقة المزينة بتراكيب ورسوم وكتابات عربية زادت الشكل الفني غنىً متوازناً مع رموز الموضوع، متداخلاً مع زخارفه ووحداته التزينية بألوانها الخضر والزرق والفيروزي ودرجاتها البراقة على سطوح ناتئة متعرجة. وقد منحت الفن هذه التجارب من سقاء الماء ولواعج الروح، فتنةً من ألسنة النار ولهيبها المحرق حتى فاضت بجمال التزجيج المصنع بأكاسيد مختلفة، لتغدو بريق إبداع بعد أن كانت رؤىً غافيةً في الصلصال وفي أعماق الأرض.. لقد جبلت من الطين عالمها وطرحت خلال أشكاله مضامينها، فكانت تجارب معبرة عن الرمز والرؤية والموقف الجمالي.

وا حسرتي على الكشف المتأخر الذي أحسه الآن في أهمية وقيمة فن (الفخار).. وخاصة بعد أن اغتنيت ثقافة فنية، لأتذكر طفولتي وصباي الممتلئة بعالم (الفخار، الطين، الكورة، دولاب الفخار..) (*) كان غراما محفورا في أعماق الذاكرة الغابرة.. وما أن تضاء شمعة حتى يقذفني سناها في عالم (الكوازين) و(الكورة) متخذاً من ذلك ذريعة للانسياق وراء حلم اليقظة.. وحينما أصل إلى نقطة الحزن الجوهرية في حياتي أنسحب بسرعة تاركاً خلفي المنازل الخالية في وحشتها ونومها السرمدي متوجهاً إلى (الكورة) أحرق كومة من الحطب ثم أبدأ العمل..

كانت يدي تدرك ما يوحى إليها من أفكار، وبضغط من الخيال بدأت يدي تتحسس مادة الطين وتعشقه لغة للنحت الفخاري هذه المرة بشكل أنضج تصميماً وأعمق رؤية غارقة في التراث والحكاية الشعبية، والرؤى المستلة من اللباب التاريخي، الشعبي. نمت مع الخبرة البسيطة المرتبطة بالذهن وبالمشاعر وبتراكم التجارب في الحياة اليومية ثم أنشغل مرة أخرى مندمجاً بكل مشاعري مع كتل الطين أصنع آنية من أواني الطعام، وكنت أقول في نفسي: سوف أهدي هذه (الحبّانة) إلى جدتي (طيبة) ولأمي صنعت أقداح ماءٍ مختلفةً ودوارق متنوعةً تحفظ بها السكر والشاي و(بستوكة لحفظ الطرشي) وأخرى مزججة لحفظ تمر (البرحي المعسل).. وثانية للدبس الأسود الذي ينتج في هذه (الكورة) إذ تحرق عشرات الأطنان من (التمر الحايل)، فيتحول إلى عشرات من صفائح الدبس السائل المصفى وما يرافقه من لذة تخمير كميات، منتقاة منه. وكنت أسرف بأكل الدبس والراشي حتى نخرت أسناني وقد تطرفت في ذلك، فشربت منه ذات مرة قدحاً كاملاً، فتقطعت أمعائي منه. وعالجت نفسي بتحضير مسحوق (نومي مع شاي جاف) التهمتها بعد أن أتممت طحنها وتصفيتها من القشور والشوائب العالقة بها.

كانت علاقة حميمة بين اليد والفكر والدماغ. وكدت أنتمي في فني إلى عالم الفخاريّين، "الكوّازين"، الخزافين وليتني (كنت قد فعلت ذلك) بعد هذا الحب الجارف، يتساءل أصدقائي (ومنهم الخزافون) لماذا أصبحت رساماً بينما تعطرت فترة طفولتي وصباي برائحة الطين والأرض والنار والماء؟.. أجل فالصلة الوثيقة بين اليد والفكر والوجدان.. هي التي شدتني بقوة إلى الفخار. لعلها الفكرة إياها، المسكونة بالأزمان المتباعدة على أرض الرافدين. كانت اليد الإنسانية تحقق وتنفذ ما يحتاجه العقل والوجدان معاً وبينهما وبين الطين والماء تولد الأفكار، وينبعث الشكل الفخاري المعبر عن الحاجة اليومية لإنسان ظل يمارس طقوسه آلاف السنين قبل الميلاد في كهوف زرزي وشانيدار وهزارمرد وكالح ونمرود في نينوى (شمال العراق) وفي سومر وأكد وبابل، فالعهد البابلي المتأخر وحتى الحضارة العربية الإسلامية..

لقد طور الإنسان العراقي خلال هذه المسيرة الحضارية وسائل إنتاجه اليومية فاكتشف واخترع وأخضع الطبيعة إلى أفكاره وطموحاته ومشاريعه.. مرَّ من عهد لآخر، وبممارسة إبداعية إلى أخرى اكثر إبداعاً وفق الحاجة الأساس اليومية.. كان الاختراع الحضاري الكبير، الدولاب الفخاري، والقرص الدوار، والعجلة، والقوس المعماري والكتابة التصويرية والكتابة المسمارية والتدوين في منتصف الألف الرابع قبل الميلاد..

.....................................

هوامش

(1) - الملاية.... (وظيفة (الملاية) / (العدادة) التي تعني الندابة / التي تنوح في مآتم الحريم. و(ألگوالة) التي تقول الشعر وتنشده في المآتم والأفراح. وهنالك (ندابات) لرثاء الموتى. لكن (الملاية) العراقية تتميز عن الأخريات بأن دورها (يعنى بالندب والرثاء على شهداء معركة الطف في كربلاء. 661م)

(2) - من قصيدة خبز العباس خضر الياس . للشاعر العراقي نعيم عبد مهلهل: (سيأتي الخضر /.. الغيوم سفينته وخبز العباس زاد الطريق . الى كربلاء الناس في بلدي يبكون في عاشوراء .الناس في بلدان أخرى يتزلجون على الثلج

 

عدد التعليقات (0) >>
تعليقاتكم علي الموضوع


أضافة تعليق

{ الصفحة الأخيرة } { من 273 } { الصفحة التالية }
Image Hosted by فــــي مركز تحميل الصــور منتديات أســـود الاطلـــس

أهلاً و سهلاً

شوكت الربيعي يرحب بكم اهلا وسهلا
الصفحة الأولى
من أنا؟
الأرشيف
أصدقائي
صوري

وصلات

اليوميات المدهشة
الشاعر ماجد البلداوي
الشاعر عيسى الياسري
تحديث المدونة
شوكت الربيعي
كتاب الأمل
الفن العماني المعاصر
طائر الشوف الاصفر
احزان القصب
خمسة عقود من الفن والادب
من التجربة المدهشة
موقع شوكت الربيعي في المثقف


الأقسام


آخر المقالات

ثلاثية أحزان القصب ( 32)تأليف شوكت الربيعي- المثقف- 14/ 9/ 2008م -
ثلاثية أحزان القصب ( 31)تأليف شوكت الربيعي- المثقف- 12/ 9/ 2008م -
ثلاثية أحزان القصب ( 30)تأليف شوكت الربيعي- المثقف- 10/ 9/ 2008م -
لاثية الأحزان ( 29) شوكت الربيعي - المثقف -8 / 9 / 2008م
ثلاثية أحزان القصب تأليف شوكت الربيعي- القسم التاس والعشرون- المثقف- 8/ 9/ 2008م -

أكتب ما تريد ترجمته هنا

أصدقائي