مرحبا بكم في موقع الفنان والناقد التشكيلي شوكت الربيعي @ اطلعوا على كتاباته ولوحاته الفنية ومواضيعه الصحفية الفنان والناقد شــــــــــــوكت الربيـــعي - - BlogHoster الفنان والناقد شــــــــــــوكت الربيـــعي - - BlogHoster
      

الفنان والناقد شــــــــــــوكت الربيـــعي

2008/8/19 .. 0 التعليقات .. رابط

ثلاثية أحزان القصب (18)

أرسل لصديق
شوكت الربيعي   
Tuesday, 19 August 2008 - المثقف

الأجنحة والجذور

لقد بدأت فكرة رواية "الأجنحة والجذور" عند قيامها بدراسة الفن فى (السليد سكول) في لندن حيث اكتشفت بعض ألغاز أفاريز من ألواح الطين

(منحوتات محزوزة وناتئة (رليف). بفضل توجيه صديقها العراقي، (الشحماني) وكان تأثيره واضحا فى مسار الرواية، حيث التعشيق الباهر والتزاوج المدهش والاسلوب الساحر والشكل الروائي الرائع، بين تاريخ الفن و أولى الملاحم القديمة في الادب الانساني المتمثل بأسطورة جلجامش، خامس ملوك سومر وكانت موئلا لعبادة (الإله أتو). (*) وكان فيها معبد (أي أنا) (*) الأبيض. واشتهرت بالأختام الغائرة. وكانت المدينة عاصمة لإقليم بابل السفلي. إلا أنها فقدت أهميتها بعد ظهور دولة أور. وبها بقايا زقورات. كما إخترعت بها الكتابة المسمارية وكانت عبارة عن صور بسيطة للأشياء على ألواح طينية تجفف تحت الشمس أو تحرق. أتبع فيها الخط المسماري. وكانت هذه المخطوطات اللوحية ترجع لسنة 3500ق.م . وكانت هذه الكتابة قد سبقت ظهور الأبجدية بأكثر من 1500 سنة . وظلت سائدة حتى القرن الأول الميلادي. و ظهرت تلك الكتابات أولا في جنوب وادي الرافدبن لدى السومريين، وكانت ملائمة لكتابة اللغة الأكادية التي يتحدث بها البابليون والآشوريون .و تم اختراع الكتابة التصويرية في بلاد ما بين النهرين قبل استخدام هيئات مستدقة النهايات تشبه المسمار حيث كانت تدون بالنقش علي ألواح من الطين. و تطورت الكتابة من استعمال الصور إلى استعمال الأنماط المنحوتة بالمسامير والتي تعرف بالكتابة المسمارية. وأول كتابة تم التعرف عليها هي الكتابة السومرية والتي لا تمت بصلة إلى أي لغة معاصرة. وبحلول عام 2400 قبل الميلاد تم اعتماد الخط المسماري لكتابة اللغة الأكدية، كما استعمل نفس الخط في كتابة اللغة الآشورية واللغة البابلية، وهي كلها لغات سامية مثل اللغتين العربية والعبرية. وتواصل استعمال الخط المسماري للكتابة في لغات البلاد المجاورة لبلاد ما بين النهرين مثل لغة الحطيين(الحيثيين) واللغة الفارسية القديمة، وكانت تستعمل حتى نهاية القرن الأول الميلادي. وقدمت هذه الرواية قراءات جمالية ممتعةتتعلق بالجذور. من ناحية أخرى اعتمدت المؤلفة نانسي فى كثير من معلوماتها على(مديرية الآثار العامة بجميع اقسامها السومرية والبابلية والاكدية والآشورية وقسم التنقيبات الآثارية الجديدة وإدارة التوثيق) بالمتحف العراقي القديم وعلى (أعداد مجلة سومر الفصلية المهمة)، وعلى (مجموعة الوثائق فى متاحف برلين واللوفر ولندن وارميتاج بطرسبرك في روسيا)، واتحاد علماء الاركيلوجيا الدولية في اليونسكو واعتمدت أيضا على كتب المكتشفين والباحثين والمنقبين وكتاب طه باقر "مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة"، لغزارة المعلومات التي يتضمنها. ومن المصادر التي اعتمدت عليها ويجدر ذكرها هنا أيضاً كتاب "الشرق الأدنى ـ الحضارات المبكرة" " وهو من تأليف مجموعة من أشهر علماء الآشوريات وهم "جان بوترو "، "اوتو ادزارد " و"آدم فلكنشتاين " وقام بترجمته الدكتور عامر سليمان وبحث منشور في مجلة "سومر" العدد الثلاثون، ويهتم بالتطورات اللغوية لاسم مدينة إيسن، " وقد أورد فيه أغلب المعابد التي ذكرت في النصوص العراقية القديمة " ومجموعة من المصادر المهمة الأخرى.

تقرر المؤلفة منذ الصفحة الأولى من الرواية عدة حقائق: أولاها أن الطقوس الروحية التي ظهرت في سومر وبابل، قد مهدت لظهور معتقدات آمنت بفكرة التوحيد لاحقا وانها لم تكن في روحها وخصائصها كما هي عليه الآن من قلب للحقائق الجوهرية بتاثير السياسة الدولية .

واكتشفت مكتبة ضخمة من ألواح الطين السومريةوالبابلية ووثائق و مخطوطات عرفت باسم الوثائق الإلهية المدونة باسم الملوك: (نبوخذ نصر وسنحاريب وسرجون الأكدي وآشور بانيبال وغيرهم) (*) الذين عاقبوا الخارجين عن روح الدين من المزورين والمحرفين وجاؤا بهم عبر الصحراء أسرى مربوطين اكلتهم (الطير والذئاب). . كماجاء في النصوص المنقوشة على مسلات من حجر الصوان وعلى سطوح أواني النذور والأختام الاسطوانية. و كانت اوصاف الأعمال الفنية وطرز الزقورات المعمارية و والواح الطين الوثائقية المكتبية وكتابة الدعية والابتهالات الدينية التي تنشد الطقوس السرية داخل الرواية هو وصف دقيق ومبهر وكأن القاريء يتجول ليس بين امم سادت حضاراتها ثم بادت، وإنما كانت رحلة علمية وفكرية اعتمدت الحقائق التاريخية وثيقة جوهرية من وثائق الرواية المدهشة..

تبدأ رواية نانسي(الأجنحة والجذور) من داخل زقورة أور السومرية، وضمن أجواء غامضة من اختفاء ألواح طينية كان قد عثر عليها هرمز رسام (1898م -1964م) وأودعها لدى منقب الاثار (محمد الرحال) الذي اتخذ من مبنى واسع المحيط على ضفة بحيرة ساوة سكنا له ومكانا مؤقتا لحفظ الاثار المكتشفة في التنقيبات من اوان ولقى والواح ورقم جديدة . وكان قد راودته شكوك ضاغطة جعلته يتصل بادارة التنقيبات ولم يرده الجواب السريع وحاول الاتصال بالمدير العام ساطع الحصري. وكان آنذاك في مؤتمر روما للاثار والتنقيبات الشرقية . وازدادت شكوك الرحال بوجود مجموعة من الاجانب يدعون بانهم مكلفون بمتابعة ترميم الزقورات ووضع خرئط ونماذج جبسية لمعمارها من الداخل والخارج . وكانوا بالفعل مكلفين بهذا العمل رسميا . ولكنه كان قلقا من تصرفات بعض اعضاء اللجنة- وكان أحد الأعضاء المترجمين المرافقين للبعثة وأحد البارزين فى الجماعة اليهودية في العراق ويسمونه " ليفي أدس" المنتمي إلى المنظمةالسرية التي تقوم بتفجيرات (بيوت وكنيس وأماكن عبادة) الطائفة اليهودية في البصرة والعمارة وبغداد وكركوك والموصل. وكان (الرحال) قد ترك رسالة داخل تجويف رأس سرجون الأكدي إلى حفيدته – عشتار - الإخصائية فى علم الشفرات ضمنها الرموز السرية التى يحتفظ بها، عن بعض مواقف اليهود الجدد من اساسيات وعقيدة الديانة اليهودية وتزوير وتشويه النصوص الأصلية بله الخطة الكاملة لبناء الدولة الحديثة التي تستنكرها مباديء الديانة اليهودية الجوهرية وتعتبر امتدادها شرقا وغربا وشمالا وجنوبا نذير شؤم على الحالمين من يهود العالم. واقترح عليها الاستعانة فى حل العقدة بعالم الآثار الكبير "طه باقر" والباحث (هرمز) مكتشف اسرار علم الرموز الدينية في دائرة الاثار والتنقيبات، ومن خلال رحلة البحث عن مغزى الرسالة وتوضح السر الذى حافظ عليه الرحال ضمن وثائق " ألواح الطين " المتراكمة في المكتبات التي عثر عليها بالألوف. تبين ان مخطوطات "بروتوكولات حكماء صهيون". قد استلت منها وسرقت وشوهت وجرى عليها تغيير وشطب وتبديل وتحوير ولكنهم لم يعثروا على الشواهد المرمزة في الكتابة المسمارية المنقوشة على سطوح تجاويف قطع النحت الرليف ونصف المدور والتماثيل الضخمة للثيران المجنحة التي تحمي أبواب المدن من الشياطين والأعداء وقد قامت فئات من سبايا العهد البابلي الأول بالارتداد ظاهريا عن اليهودية. و أنها فئة آمنت بالآلهة إنليل وتموز وعشتار وبالعالم السفلي وبالنشور الأزلي الاخر. ولكنهم كانوا في معدنهم وباطنهم مخادعين. وحين تنادت حواء لعالم آدم تحت شجرة الحياة لم تجد نفعا في صد حملة التشهير بالأنثى المقدسة ووسمها بالشيطان فاعادو اليهود الكرة مرتين حتى انمحى تماما أى أثر للآلهة الأنثى فى معتقداتهم بعد موت الاسكندر المقدوني في بساتين اسكندرية بابل عام 333 قبل الميلاد وموت الاسكندر المقدوني فيها. ثم حدثت الردة بعد السبي البابلي الثاني.. ودعت إلى تحويل الاتحاد الجنسى الفطرى بين الرجل والمرأة من فعل مقدس إلى فعلة شائنة، وهو ما أفقد الحياة التوازن. لهذا قدمت (نانسي) قراءة جمالية ممتعة ومبدعة فى جداريات سومرية وبابلية وآشورية. عكست بوضوح إيمان مبدعي النصب والجداريات والمنحوتات الرليفية المحزوزة ونصف المدورة، بالتوازن بين الذكر والأنثى. وجمعت في صياغة أشكالها، ذلك التنوع الخالد لقوتي الرجل والمرأة كما في بوابة عشتار ومداخل المدن الكبرى. فكانت دليلا على الاتحاد المقدس بين الذكر والأنثى. ولعل أحد الأسرار المقدسة كان موجودا في تلك النظرة الأبدية إلى العالم التي كان ينظر بها المفكرون والفنانون والكتاب و الشعراء. وبرغم طبيعتهم الروحانية فقد ظل رجال الدين وكهنة المعابد السومرية والبابلية والأكدية والآشورية على خلاف مستمر مع مفهوم نفي الوحدانية، لأنهم كانوا يرون ببصيرتهم وحدة الاشياء ووحدة المراة بالرجل ووحدة تنوع الاجزاء في كلية الموجودات ولا نهائية الفضاء ووحدة نظام الكون التى هى أبعد ما تكون عن ادراكها والتى تضمنت الكثير من الأسرار والرموز حول عقائد البشرية التي صنعتها المخاوف. لهذا طاردتهم اللعنة الابدية فانكفأوا خاسئين ولم يصبروا على ما اتاهم الخالق من نعمة فطغوا في الارض فسادا، فتنكروا لكل ذلك إلا المكتوب المحفور على رقم الطين البابلية التي فوجئوا بأن نسخا كثيرة من ألواح الطين قد نقش عليها بنود وقوانين مقدسة وصادمة لهم الآن محاولين فك الشفرات التي لم يتوصلوا إلى تحليل رموز أسرارها وتحليل قيمتها وتأثيرها ومشيئتها الروحية ومساهماتها فى بناء التاريخ والحضارات البشرية باختلاف مراحلها واشكالها، و كانت المؤسسات الدينية قد لعبت ولا تزال تلعب بتشويه وتزوير الحقائق، واذا كان ذلك غير واضح فى المجتمعات الاسلامية بسبب اختلاف الجوهر، فإن التغييرات والتحولات المجتمعية فيها قد اعطت للمرأة الرمز بعضا من حقوقها وتفادت دورها المغيب لدى المتطرفين من بقايا السبي البابلي، و لا تزال محاولات مفرطة حثيثة لتغييب دور المرأة التاريخى الذى كان وكأنه يبث الذعر فى المجتمعات غير المؤمنة التي تقودها الان أمريكا نحو حتفها الأكيد. . وماهم سوى عالم مادي شاذ ونموذج للفشل الذريع. تديره قوى صغرى غاشمة تتقنع بأقنعة متغيرة إذعانا للشيطان بارتكاب إغواءات مهلكة في الشكل المزدوج لـكل فرد فيهم وهي تمثل ثقبا أسود بالمعنى الحرفي للكلمة، او هي (المهبل القاتل). هذا كله يبعث على الرعب، ولكنه شيئ يعايشه العالم . هناك دائما إمكانية للتفوق، بفضل ما تنطوي عليه قوة الروح وفكرة الوحدة البشرية من قدرة لا متناهية على إظهار المحبة والإمتاع. فإشراقة (رمز العطاء ورمز الطبيعة ورمز الانوثة و رمز الامومة) وحرارتها الجنسية المتناسلة لحفظ النوع البشري من الضمور والانقراض والموت البطيء تتمخض على الدوام، عن موقف يحمي البشرية من الانهيار والدمار والفناء، فيجعلنا محصنين ضد الافكار والاعمال والحروب التدميرية . إنها رؤيا أخلاقية ــ بالمعني الاسمي للكلمة(لا شيء سوى روح الحقيقة السامية. .!) ومن هنا ضرورتها وأهميتها. إن مكانة وأهمية هذه الرواية تكمن في تفوق "أسفار الوصايا" الانسانية لمستقبل البشرية، و لا تقل فى تشويقها عن ألف ليلة وليلة ورواية أبي زيد الهلالي وكليلة ودمنة وعنتر وعبلة. وستثير هذه الرواية ضجة كبرى فى العالم. تفوق ما كانت عليه الروايات التي هزت مشاعر الناس المؤمنين بالمستقبل. قبل آلاف السنين في ما طرحته ملحمة جلجامش من اسئلة ما زالت لحد الآن بحاجة ملحة إلى الاجوبة المبدئية التي لامناص من الايمان بحقائقها الجوهرية.

 

كانت رواية (نانسي) قد سلطت الضوء على حقائق متعددة - لا حقيقة واحدة- طرحت فى سفرها المبهر وقدمت رؤى انقلابية لتاريخ وحقائق كانت من المسلمات والمحرمات (التابوات) التي لاتناقش أبدا . بل هي "الحقيقة "،" وهي متعة "الحقيقة والخيال ".وليست "بالهراء الخلاب"، ولقد أبدى البعض من القيمين في قلب لندن، استعدادهم أخيراً لتصحيح «الأخطاء الواردة المخطوطة من الناحية اللاهوتية». « وسيكون هذا الكتاب في عداد الكتب الأكثر أهمية في العالم، ويتعين علينا ان نواجهه بأفضل طريقة عملية مضمونة النتائج لمواجهة واقناع الواهمين بحقائق الامور .. »،: «وهناك مبدأ يجري تطبيقه أيضا لتثبيت تلك الحقيقة والتمييز بين الخيال والواقع». ــ عندما قلت سابقا ان العالم قد غدا مميتا للأطفال، لم أكن أفكر في المساعدات فحسب، وموجة أكلة لحم البشر في إقليم ايتوري بالكونغو، أو الجنود الصبية أو المراهقين العالقين في أوحال يأسهم في فيتنام، أو ظهور موجة التجنيد الاجباري مجددا والرأسمالية الخبيثة في اوروبا تستعد مع امريكا لتدمير البشرية في العقد الرابع، من القرن الحالي، وذكر أن سلب ثروات كوكبنا وموارده سلبا غير مسبوق، وتعريضه لكوارث كبرى محتملة بسبب الخراب الذي تنعرض له الارض به، هو الاشارة الفاصلة في حياة البشر. عندها ستغدو تلك اللحظة ذروة الصحوة! إنها الصحوة المخصبة بإشراقة من دواخلنا. لقد حكمتنا على مر زمن طويل عقول عقيمة ولا تتحلي بأدني قدر من الحكمة. فماذا لو جعلنا صحوتنا ــ ينبغي ان تكون ثورة ــ في ضوء الرغبات التي تحدو أطفالنا؟)(*) كوكبنا غير مهيأ للفرح . علينا أن ننتزع السعادة من الأيام القادمة ..أن نموتَ في هذه الدنيا ليس صعباً . لكن أصعب بكثير أن نصنع الحياة . ومن هنا كان تأثرها بكتابات الروائية ريككي دوكورنيت عن فرح الطفولة مقابل صورة نقيضة عن المرأة كحاجة جنسية في روايات كثيرة مثل بعض أعمال لورانس والبرتو مورافيا وكما ورد في رواية مورافيا : شباب امرأة. التي انتحرت فيها ’أوديت’’ الشخصية الرئيسية في هذه الرواية احتجاجا على واقع رديء وغير منصف للمرأة على الاطلاق .. وكانت ميل نانسي الشديد إلى فكرة الانتحار يجعلها تنفعل بقصة حياة فرجينيا وولف: إن المرأة الغربية انتحرت مرارا قبل أن تستحق العيش بالشروط الاجتماعية الراهنة.بل وجنت كثيرا قبل أن تظفر بعقلها الحالي.علما أن الأحمق هو الذي فقد كل شيء ما عدا العقل! وهل يحمل هذا الفعل شبها لضغوط ثقيلة على النفس والعقل والابداع كما كانت عليه فرجينيا وولف(1882 – 1941) – التي ماتت بدورها انتحاراً بعد ستة عشر عاماً من صدور «مسز دالاواي»، عرفت كيف تقدم صورة ما لبريطانيا الخارجة من الحرب العالمية الأولى والمتغيرة اخلاقياً واجتماعياً بعد اعوام من نهاية العصر الفيكتوري وتزمته. وحين كتبت وولف هذه الرواية (1925) كانت تعيش في وسط صخب الحياة الأدبية في لندن، وكانت – وزوجها – عضواً في مجموعة بلومبزبيري، ذات المناحي الاشتراكية – سياسياً – والتجديدية ادبياً. وكانت «مسز دالاواي» الأولى بين سلسلة اعمال فرجينيا وولف الكبرى، ومنها «نحو المنارة» (1927)، و «أورلاندو» و «غرفة خاصة» (1929) و «الأمواج» (1931) و «بين الفصول» (1941)، إضافة إلى مجموعات من القصص القصيرة، ثم بخاصة كتاب مذكراتها الشهير «يوميات كاتبة» الذي يمكن القارئ ان يتلمس فيه تفاصيل تطور «جنونها» الذي قادها في نهاية الأمر إلى الانتحار. وليس صعباً على من يقرأ رواية فرجينيا وولف «مسز دالاواي»، ويكون قد قرأ قبلها رواية جيمس جويس «يوليسيس»، أن يكتشف ان رواية الأولى إنما هي أشبه بالرد المباشر، والأنثوي، على رواية الثاني. بل من السهل القول ان وولف إنما استعانت بالأسلوب ذاته الذي اتبعه جويس في روايته الأشهر، لتقدم يوماً من حياة بطلة روايتها كلاريسا دالاواي، هو المعادل الطبيعي – هنا – لليوم الذي يصوره جويس من حياة بطله. علماً أن أحد الفوارق الرئيسة بين الروايتين يكمن في ان «مسز دالاواي» تدور «أحداثاً» في لندن، فيما تدور «احداث» «يوليسيس» في دبلن. ولئن كانت دبلن هي صاحبة البطولة المطلقة في رواية جويس، فإن لندن في رواية وولف لا تشكل أكثر من الإطار الخاص الذي يكاد يعكس بريطانيا كلها كما كانت تعيش وتتنفس بعيد الحرب العالمية الأولى. غير ان هذا الحضور المتفاوت لكل من المدينتين في كل من الروايتين، لا ينبغي ان يحجب عنا انهما – أي الروايتين – تنتميان معاً الى المنطق الروائي السردي ذاته» منطق تيار الوعي، الذي كان جيمس جويس رائداً في إضفائه على عمله الروائي، فيما لم تكن فرجينيا وولف سوى مستخدمة له وليس في كل أعمالها بالطبع. والجدير ذكره هنا ان حضور تيار الوعي قوياً في العملين معاً، إنما كان الحاجز الذي حال دون التمكن من نقل أي من العملين الى السينما التي يصعب عليها التعبير عن تيار الوعي هذا. غير ان هذا لم يمنع المحاولة، ومرتين – في نمطين مختلفين – بالنسبة الى «مسز دالاواي»، مرة حين حققت المخرجة الدنماركية مارلين غوريس فيلماً مباشراً مقتبساً من الرواية من بطولة فانيسا ردغريف، فتمخض المشروع عن فشل تعبيري ذريع. ومرة ثانية حين انطلق المخرج الإنكليزي ستيفن دالدري، من الرواية، كما من فصل من فصول حياة فرجينيا وولف نفسها، ليقدم حبكة معصرنة تمزج بين ثلاثة مصائر نسائية وذلك في فيلمه «الساعات» الذي لعبت فيه نيكول كدمان دور فرجينيا وولف، فيما لعبت مريل ستريب دور مسز دالاواي معاصرة. هذا المشروع الأخير كان أنجح وأكثر إقناعاً، لكن التساؤل ظل مطروحاً في صدده من حول: ماذا بقي في الفيلم من فرجينيا وولف وروايتها الكبرى؟ وفي المقاييس كلها، إذاً، يمكن النظر الى «مسز دالاواي» على انها الأكبر والأهم بين مجموع النصوص الروائية والقصصية التي كتبتها فرجينيا وولف. وهذه الرواية – على رغم ان اية مقاربة مع «يوليسيس» ليست في مصلحتها، تعتبر من أهم الأعمال الروائية التي صدرت خلال النصف الاول من القرن العشرين، ويقيناً ان قوتها تكمن في المكان ذاته الذي يحول دون اقتباسها في أي عمل فني آخر... ما يعني ان «مسز دالاواي» عصية كذلك على التلخيص. فهي – بعد كل شيء – ليست من الروايات التي تسرد احداثاً معينة، ولا حتى لقاءات ذات دلالة. هي، في هذا الإطار، مثل «يوليسيس» تتعاطى مع مفهوم مرور الزمن الذي يبدو ساكناً لا يحدث فيه شيء استثنائي، أي لا يحدث فيه امر درامي يشكل في الأحوال العادية حبكة لعمل روائي عادي. في «مسز دالاواي» لا يحدث شيء كبير. مجرد لقاءات من تلك التي يمكن ان تحدث كل يوم وإعمال فكر، لدى مسز دالاواي نفسها في ما يدور من حولها وفي مصائر الناس الذين تعرفهم. وفي هذا الإطار، كان من الطبيعي ان تبدأ الرواية مع «بطلتها» كلاريسا دالاواي، إذ تخرج من بيتها عند الصباح لتقوم بجولة عادية، أو بالأحرى شبه عادية، طالما انها خلال تجوالها ستسعى للتحضير لحفلة تقيمها وتستضيف فيها عدداً من معارفها.

 

 كانت فرجينيا وولف طوال صفحات الرواية، قد عبّرت عن الشرط الإنساني، وخصوصاً الشرط النسائي من خلال ذلك التقابل بين الشخصيتين. وهذا التقابل الذي أصرت فيه الكاتبة على ان تقابل امرأتها بشخصية فنان مريض ومثلي الجنسية ايضاً، وبلغ من الضعف بحيث ينهي ايامه انتحاراً في نهاية المطاف، هذا التقابل أتاح لها – أي للكاتبة – ان تجعل من روايتها واحدة من اكبر الروايات النسوية وأعمقها في القرن العشرين. أو هذا ما وصل الى القراء في نهاية الأمر من رواية لامست في الوقت نفسه، ومن طريق تفكير بطلتها وتيار الوعي الذي يصاحبها طوال نهارها المشهود ذاك، جملة من بعض اهم أو أعقد المشكلات التي كانت مطروحة في ذلك الحين... من قضية المرأة – طبعاً – الى المسألة الكولونيالية، الى مسألة تحول كل شيء وكل القيم الى سلع، وصولاً الى الكثير من المشكلات السياسية. وهذه الأخيرة تبدو لدى وولف اكثر حدة منها لدى جيمس جويس، وإن كان الأديبان وصفا، وتحديداً انطلاقاً من عمليهما اللذين نقصر الحديث عنهما هنا، بأنهما رائدا الحداثة في الأدب الروائي في القرن العشرين. تلك الحداثة التي رأى النقاد والباحثون ان شرطها الأول هو ان تعيش الرواية الحياة كما هي، لا كما يمكن عقل كاتب ان يتخيلها ويؤمثلها. وهذه الحياة، إذا كانت تقدم لنا هنا في «مسز دالاواي» كما هي طوال ذلك اليوم، فإنها تقدم ايضاً كما كانت قبل ذلك اليوم... أو بالأحرى كيف وصلت بمسز دالاواي الى ذلك اليوم. ولهذه الغاية تغوص بنا الرواية – كما أشرنا – في ماضي مسز دالاواي كما في ذكرياتها، وكذلك في تصوراتها عما سيحدث خلال الساعات المقبلة، حيث كل شيء انطلاقاً من المقدمات التي تلامسها، يبدو متوقفاً، بما في ذلك انتحار سبتيموس الذي لا يرتدي أي طابع درامي هنا. وبالتالي لا يرتدي أي طابع ميلودرامي حتى وإن كان شيء من الجنون يصاحب كل حديث عن سبتيموس وعن انهياره. ولمثل الضغوط التي واجهت فرجينيا وولف، تعرضت كاتبة عراقية قديرة، وأستاذة جامعية بارزة، هي الدكتورة حياة شرارة المترجمة والباحثة (*) إلى تجربة حرجة غادرت بسببها الحياة انتحارا . لقد كانت في سلوكها الاجتماعي، وتوجهها الثقافي، وانتاجها العلمي، ورؤيتها الحياتية ضد النزعة الظلامية مؤمنة بالانسان، وحتمية انتصاره، كما كانت مفعمة الاحساس بالمستقبل الزاهر، ولكن الظروف وقساوة الطغيان، وثقل الحصار، كل ذلك أضعف روح المقاومة لديها...يمتاز انتاج حياة بالتنوع، فقد كتبت: الرواية، القصة، الدراسة، المقالة والترجمة، كما انها زاولت (التحقيق) ونظمت الشعر، ومع تعدد المناحي الثقافية، واختلاف منابعها سعة في الثراء، وعمق في الغنى.عاشت في بيئة يؤمها الشاعر والقاص على حد سواء، وكان والدها المرحوم (محمد شرارة) (*) نفسه شاعرا كبيرا أسمعها الكثير من شعره، كما كان ذا مجلس أدبي عامر يحضره عمالقة الشعر كالجواهري، السياب والبياتي. في تلك الاجواء الزاخرة بالادب، والشعر والثقافة ازدهرت شخصيتها ونمت، فأحبت الشعر وحفظت عيونه، وآمنت بالكتاب وسيلة ابداعية، وبالثقافة منهجا حياتيا. كان ذلك منذ نعومة الأظفار، وصغر الجدائل، وطراوة العقل، وطفولة المخيلة. وسمحت الحياة لها ان تسافر الى روسيا، بلد الرواية والقصة القصيرة، بلد دستوفسكي، بوشكن، انطوان تشيخوف، تولستوي وغوركي، والرعيل الاول من عمالقة الثقافة لدراسة الادب الروسي عامة وتولستوي خاصة! وتأتي روايتها "اذا الايام أغسقت" الصادرة بعد وفاتها بمراجعة وتقديم شقيقتها الاديبة (بلقيس شرارة((*). وإن اهتمام(حياة شرارة) بالادب والبحث لم يصرفها عن الالتفات الى دراسة السيرة الذاتية للشاعرة نازك الملائكة (دار رياض الريس)،. وقد أطلقتها سيرة نابضة بالحياة من خلال دراسة ميدانية سجلتها من عبرالاتصال بعشرات الأشخاص ابتداءً من الشاعرة وأخواتها إلى أقاربها وأصدقائها ومعارفها. سيرة يعيش معها القارئ ومع الشاعرة الناقدة حياتها بكل خلجاتها وبكل نبضاتها، يدخل القارئ في عمق بغداد وعاداتها وتقاليدها ويتعرف على الطراز المعماري، والأهم من ذلك يعيش مع نازك الملائكة وبداية تجربتها في الشعر التي امتلكت سيادته فخطت بذلك لنفسها طريقاً في حركة الشعر العربي الحديث.)

 

كنت أحدق في عيني نانسي وانا استجمع ما اريد قوله: (لو نتعامل مع شخصيات روايتك من زوايا أخرى منبثقة من فكرة و زمـن القصص القصيرة. أي نضعها في معمار ومناخ وأزمنة وامكنة وروحية القصة القصيرة، ثم نبني عليها ونؤثث دواخلها وباطنها ونحركها برؤية حديثة. مثلا جاء في نص أبدعه (د. مســعود بوبو) وهو كاتب عربي من سورية، قوله:(.. يحكى أن امرأة كانت تجري حافية القدمين على شاطئ رملي..خطوة في الماء وخطوة في الرمل البليل فاستوقفها صياد سمك مسنّ، وانتزع منها قصتها المجروحة التي ختمتها قائلة: وهكذا تضيق بالناس المدن فتلفظهم في شاطئ البحر، كما يضيق بهم البحر إذ يغرقون فيلفظهم أيضاً.. أو يأكلهم سمك القرش. وثمة سمك قرش في كل مكان.. لن أرجع إلى المدينة ولن أنتحر.. ولن أذهب معك.. سأظل أجري مستمتعة بهذا الرمل الدمث، والمياه المالحة حتى أموت... ثم غابت في كحل المساء.. وردد الرجل المسن): قالت: ثمة سمك في كل مكان، أين؟‏) ومثال آخر: (.. دعا واحد من علية القوم نفراً من أصحابه وأُسَرهم ليسمعوا عنده آخر أغنية على أسطوانة وصلته حديثاً... ووعدهم بكأس نفيس وعشاء خفيف، وبين الأسطوانة والزجاجة جرى حديث خافت... وعند بدء الحفل المتواضع الحميم مد صاحب الدعوة يده إلى الأسطوانة فاستحالت صمغاً دبقاً والتصقت بيده وسترته، ثم "طقت" الزجاجة وسال دمها حزيناً تحت أقدام الحاضرين؟‏ .) أو نقرأ مثالا للمرة الثالثة: (.. يحكى أن جندياً ظل يحرس ما كلف بحراسته أكثر من سنتين ويده على الزناد.. وكان مدمناً على تذكر الماضي في عملية ترجيع لا تنتهي.. وذات مساء ضغط على الزناد بشدة فقتل ثلاث من الأعداء: (الصمت والجبل والزمن) الذي لم يكن قد مات تماماً. وأبقى في بيت النار رصاصة الرحمة.‏( القصيرة نراقب كيف و في زمن القصص: (أصابت رصاصة جندي إسرائيلي صدرَ صبي فلسطيني يرتدي ثياباً بيضاً... احتضنت الأرض الصبي وأنبتت على قميصه وردة حمراء... وانحنت مئذنة من علوها، ورفعت الصبي فوق رأسها وشمخت عالياً، وفي ليل فلسطيني صارت الوردة الحمراء نجمة.. تكامل السواد والبياض والحمرة.. وصار الصبي علماً شبيهاً بكثير من الأعلام العربية... وحملت الريح الفلسطينية صوت المؤذن من بيت إلى بيت: الصلاة خير من النوم... فصلى الناس جماعة في ظل العلم.. ‏(في قصة قصيرة أخرى (.. دعا صاحب مزرعة كلبه وأوصاه ألا يغفل عن الحراسة وترقُّبِ اللصوص، وهدده إن غفل بحرمانه من الطعام والاقتراب من المزرعة ورميه رمي الكلاب.. فنظر الكلب ملياً إليه.. وأخذ نفساً عميقاً.. ثم مضى ولم يعد.‏(وفي قصة قصيرة ما قبل الأخيرة. (.. نصب موظف كبير في عطلته الاسبوعية شباكاً طويلة في مزرعته لصيد نوع من الطيور المهاجرة في ذلك الوقت من السنة، وكان يحلم نَهِماً طوال الليل بشبعة من لحم الطيور. وبكر إلى الشباك في صباح يوم السبت فوجد نباتاته كلها مقتلعة. وشباكه ممزقة.. وعلى الأرض كان ريش كثير، ومئات المناقير المكسرة.. فتأخر عن الدوام على الوظيفة).‏ وكان في خاتمة مختاراتنا القصصية المقترحة الآن، ثمة مسك حملته رياح محبة خاصة، حيث (.. جمع الحب بين قلبين لشاب أخرس وفتاة خرساء، وليل العرس لم يجدا أحداً يحتفل بهما أو يكون شاهد زواج... وبصمت تفاهمت عيونهما وسحبا من قلبيهما بوادر هزيمة، ثم جمعا نفسيهما وأولادهما الأسوياء المقبلين... ومضوا بعزم للقيام بهذا الواجب الاجتماعي النبيل.. فاكتمل النصاب. وكان العرس قانونياً، ورسمياً حسب الأصول المرعية.) والأمر الرائع الذي ينطبق على فكرتنا حول القصة القصيرة جدا، هو ان الكاتب الانجليزي (جورج أورويل) كان قد بدأ رواياته بمعمار القصة القصيرة، إذ بعث رسالة الى صديقه غليب ستروف في شهر شباط (فبراير) 1944، أخبره في بضع كلمات أنه حالياً يكتب «مفرقعة صغيرة» مضيفاً: «مفرقعة سوف تلهو بها حين تنجز، لكنني أقول لك منذ الآن انها لن تكون على ما يرام من الناحية السياسية، الى درجة أنني لست واثقاً، الآن، من أن أحداً سيقبل نشرها». هذه «المفرقعة» التي تحدث عنها أورويل في هذه الرسالة هي روايته «مزرعة الحيوانات، التي كتبها حين كان يعمل في محطة «البي. بي. سي» بعد عودته من إسبانيا، حيث شارك في الحرب الأهلية ضد الفاشيين وصعقه أن يكتشف الخيانات والقذارات في المعسكر الآخر الذي كان ينتمي اليه. ومعروف أن صراعات دامية دارت في صفوف القوى اليسارية، لم يتردد خلالها الستالينيون عن إبادة التروتسكيين، في وقت كان ستالين، في موسكو، يحاكم ويعدم وينفي أنصار تروتسكي وبقية اليساريين من الذين كانوا، هم، من صنع حقاً الثورة البولشفية قبل ذلك بعقدين. وما رواية «مزرعة الحيوانات» سوى الصورة الرمزية لكل ذلك... فكانت من أولى الأعمال الروائية الساخرة المرة الكبيرة التي أعلنت موت الأحلام والآمال الكبرى التي كان مثقفون ومبدعون ومناضلون من أنحاء العالم كله – ومن بينهم جورج أورويل – وضعوها في تلك الثورة. بل ان هذه الرواية التي وضعت أصلاً ضد ستالين ونمطه السوفياتي القمعي القاتل، ستقرأ خلال نصف القرن التالي، من صدورها، وحتى اليوم، كأمثولة عن كل أنواع التسلط والقمع الشمولي التي ورثت من الستالينية، كما من الفاشية والنازية، ولا تزال حية بأشكال وايديولوجيات متنوعة حتى أيامنا هذه. ومن هنا تتخذ أهميتها هذه الرواية، التي عاشت مع هذا في ظل رواية أورويل الأخرى «1984» لتطل بين الحين والآخر حاملة معها كل معانيها. غير ان هذا لا يجب أن يدفعنا الى الاعتقاد بأننا هنا أمام رواية شديدة الجدية، ايديولوجية وجامدة، بل على العكس، منذ البداية أراد منها أورويل أن تكون مسلية في الوقت نفسه، منتمية الى تراث الأدب الحكائي الإنكليزي الذي كانت «رحلات غاليفر» رائدته. وواضح هنا أن «رحلات غاليفر» هذه كانت – من بعيد – في ذهن أورويل حين كتب «مزرعة الحيوانات» بوصفها «أول كتاب حاولت فيه، بوعي كامل لما أقوم به، أن أدمج السياسي والهدف الفني في بوتقة واحدة» كما سيقول أورويل نفسه في نص عن الكتاب جاء في كتابه «لماذا أكتب؟». مهما يكن، وضمن إطار البعد السياسي للكتاب، يكتب جورج أورويل موضحاً، في العام 1947، غرض وظروف كتابة «مزرعة الحيوانات»: «خلال السنوات العشر الأخيرة بت على قناعة تامة بأن نزع القناع الواقي عن خرافة السوفيات، أمر ضروري ان كنا نريد حقاً إعادة الحياة الى الحركة الاشتراكية» ويتابع: « لدى عودتي من اسبانيا، وجدت ان في امكاني أن أكشف حقيقة الخرافة السوفياتية الستالينية في قصة يمكن أي أمرئ أن يفهمها بسهولة... كما يمكن نقلها الى اللغات الأخرى. غير ان التفاصيل ظلت عصية عن الوصول اليّ حتى شاهدت ذات يوم في قرية صغيرة كنت أعيش فيها، صبيّاً يسوط جواده بعنف في طريق ضيقة يبتغي المرور بها. على الفور واتتني الفكرة: لو كانت هذه الحيوانات واعية بقوتها لما كان في إمكاننا أن نتسلط عليها. أما الناس فإنهم يستغلون الحيوانات بالطريقة نفسها التي يستغل بها الأغنياء الفقراء البروليتاريين». فكيف صاغ أورويل هذه الفكرة السياسية وبأي تفاصيل؟ وكيف وصل هذا كله الى القراء في إنكلترا ثم خارجها اذ ترجمت الرواية، خلال العقدين التاليين الى عشرات اللغات. بل ترجمت بخاصة الى الروسية في طبعات سرية راحت تتداول خفية وفي السوق السوداء؟

 

كانت أحداث الرواية تدور في مزرعة للحيوانات يملكها السيد جونز. ذات مساء ينسى السيد جونز هذا ان يحكم اقفال مداخل المزرعة كما اعتاد أن يفعل كل مساء وهكذا لم تعد الحواجز بين شتى أجزاء مهاجع الحيوانات منيعة، ما مكن تلك الحيوانات من أن تتجمع ليلاً من حول زعيم لها كان اعتاد الدعوة الى الثورة ضد استغلال الإنسان لمعشر الحيوانات. وفي استجابة طيعة لدعوة الثوري العجوز، تمكن خنزيران شابان هما سنوبال وسيزار من تزعم ثورة عاتية، أطاحت السيد جونز وطردته جاعلة السلطة لتلك الحيوانات وعلى رأسها سنوبال وسيزار. صحيح ان الحيوانات بدت هنا على موعد لكن الثمن كان مرتفعاً: صار على الحيوانات، ضمن تنظيم جديد للعمل وللمهام، ان تتعب أكثر، خصوصاً أن بني البشر المناصرين للسيد جونز سيحاولون استعادة السلطة. وهنا برز سيزار قائداً شجاعاً قاد الحيوانات ضد الهجوم المعتاد فأفشله. غير ان هذا لم يمنع سنوبال من أن يقف بعد ذلك ضد سيزار في صراع صامت أولاً، ضاج لاحقاً، على النفوذ راح يتفاقم بين الاثنين. وسوف يكون الانتصار في ذلك الصراع لسنوبال، بفضل مجموعات من الحيوانات الصغيرة الموالية له والتي كان قد رباها ودربها في تكتم أعانه على السيطرة التامة، وبالتالي على طرد سيزار من المزرعة. ولم يكتف سنوبال بذلك بل راح ينشر الدعاية وسط معشر الحيوانات قائلة ان سيزار كان خائناً عميلاً للأعداء ومناصراً خفية لبني البشر. وكان من الطبيعي وقد سيطر سنوبال على القوة الضاربة وعلى عقول العامة، أن يصدق رعاع الحيوانات هذا الكلام، ما مكن سنوبال. بعد نفي سيزار، من مطاردة أنصار هذا الأخير ومحاكمتهم، حتى تمكن من الاستفراد بالسلطة موطداً نظام قمع ورعب مريع لم تعد له أدنى علاقة بالوعود الذهبية التي كانت أغدقت أول أيام الثورة، ولا مع المبادئ النيّرة التي كانت قد كمنت وراء نجاح الثورة أصلاً. تحول كل ذلك الى حكم حزبي مخابراتي وايديولوجي حقق أكبر انتصاراته حين جعل الحيوانات تنسى كل ما كان سيزار بذله في سبيل الأمة في عملية «غسيل أدمغة لا سابق لها في تاريخ الحيوانات». بل ان استشراء القمع والتسلط أنسى الجمهور حتى مبادئ القراءة بحيث أنه الآن ما عاد قادراً إلا على قراءة النصوص الساذجة السطحية التي راح سنوبال يكتبها وينشرها وغايته منها تأمين مزيد من غسل أدمغة الجمهور وتركيز سلطته المطلقة، اذ صار الآن يعرف بأنه «القائد الملهم» و «الخطيب المفوه» و «المؤلف العبقري». في ظل هذا الوضع كان من الطبيعي أن تفشل كل المشاريع الضخمة التي خطط لها الزعيم... لكنه راح يقابل كل فشل بمزيد من الديماغوجية وإعلان «الانتصار» ثم بمزيد من القمع لمن لا يصدق مزاعمه. ولسوف يؤدي الى وجود طبقة من مناصري سنوبال، لم تعد تنتمي لا الى عالم الحيوانات ولا الى عالم البشر. وهذه الطبقة راحت تحل محل البشر في استغلال الحيوان. أما الإنتاج الذي طلع من ذلك الاستغلال، فإن سنوبال شعر أنه مضطر الى تبادله، الآن، مع ما تنتجه مزارع البشر المجاورة له ما راح يحوله بالتدريج ويحول مناصريه الى نوع جديد يشبه البشر. بل ان المزارعين المجاورين حين اتوا في زيارة الى «المزرعة النموذجية» لتهنئة الحيوانات على إنتاجها، وجدوا هذه تمشي مثلهم على قائمتين وتتحرك مثلهم تماماً: صاروا بشراً من النوع المستغَل... ما شكل آخر وأكبر انتصار لسنوبال.

ان القارئ ما ان يصل الى الصفحات الأخيرة من «مزرعة الحيوانات»، وبعد أن يكون تمتع بقراءة هذا النص المسلي، يدرك بسرعة أنه ان بدّل الأسماء، سيكون أمام منشور سياسي قاس وطريف: يضع اسم تروتسكي محل سيزار وستالين محل سنوبال، والاتحاد السوفياتي محل المزرعة... وهلم جراً. ويتيقن مما كان أكده جورج أورويل (1903 – 1950) – وهو الاسم المستعار الذي عرف به الكاتب والصحافي والمناضل – ثم عميل الاستخبارات البريطانية على عادة كبار الكتّاب الإنكليز – اريك آرثر بلير – من أن الكتاب انما هو أولاً وأخيراً، نص يفضح ممارسات الستالينية و «من الداخل» اذ ان أورويل/ بلير كان في شبابه وحتى انضمامه الى الحرب الإسبانية اشتراكياً يسارياً، لكن تلك الحرب والمحاكمات الستالينية غيَّرته وأفقدته ايمانه بأحلامه القديمة، اذ أدرك ان الواقع غير الخيال. لأن الواقع يقول ان ذلك النوع من الأحلام ما كان له، على ضوء التجربة التاريخية، الا ان يقود – حتماً – الى الطغيان وحكم الحزب الواحد في استمرار لاستغلال الإنسان أخيه الإنسان، ولو عبر طبقات وميادين جديدة. ولقد عبر أورويل عن هذه الأفكار في تبدلاتها في الكثير من كتبه ونصوصه التي كان "1984 " و "مزرعة الحيوانات " أشهرها، من دون أن ننسى كتباً أخرى له مثل "صعوداً وخروجاً في لندن وباريس " و ( تحية الى كاتالونيا) (كتابه الكبير عن الحرب الإسبانية) و (الطريق الى ويغان بير). وكانت "فرجينيا وولف"قد بنت رواية "مسز دالاواي"انطلاقاً من قصتين قصيرتين كانت نشرت أولاهما وعنوانها "مسز دالاواي في بوند ستريت"ولم تتمكن من إنجاز ثانيتهما وعنوانها "رئيس الوزراء". إذاً دمجت وولف هاتين القصتين في رواية واحدة تبدأ مع شراء مسز دالاواي زهوراً لترسلها الى رسام صديق لها، هو سبتيموس الذي يعيش حالة انهيار صحية مرعبة، ستقوده في نهاية الأمر الى الانتحار، الانتحار ذاته الذي نعرف خلال الرواية ان مسز دالاواي حاولته ذات مرة، وتحديداً بمحاولة رمي نفسها من النافذة ذاتها التي ألقى سبتيموس نفسه منها، فنجحت محاولته هو فيما أخفقت محاولتها هي. والحقيقة ان هذا التوازي بين شخصية "كلاريسا دالاواي"، وشخصية سبتيموس، ليس التوازي الوحيد في الرواية.... أطلقت " نانسي " ضحكة صافية ووضعت يدها على قلبها من المسرة. وقالت: منذ طفولتي لم أذكر اني ضحكت في حياتي مرة واحدة كما افعل الان . ولم اشعر بسعادة حقيقية طفحت من فيوض فرحتي كما انا عليه اليوم معك. ومدت يديها لتضعهما فوق يدي اللتين كانتا ممدودتين على طاولة مكتبها . فقلت لها أتمنى ان اراك دلئما هكذا منطلقة من اسر الماضي نحو المستقبل بوسيلة الفن والأدب والمعرفة . وقالت : من أين لك هذا الشلال المبهر من الأفكار الرائعة ؟ . وعادت مرة أخرى تربت على يدي بحنان والابتسامة تشرق على ثغرها فتضيىء معها بئر نفسي المظلم الذي كنت عليه قبل الآن. وفجاة قالت : إذا عدنا لمناقشة سيرة حياة ابنة جوزفين (كارين) المراهقة المخادعة الباهرة الجمال،التي أزمعت مواصلة دراستها في الثانوية وفي كلية الطب وانهت مرحلة الدراسة الجامعية واتجهت لنيل الماجستير والدكتوراه. فماذا ترى؟ وماهو رايك ان نجعل من خالتها (كاثرين) صورة أخرى تختلف تماما عن شخصيتها الروائية في الماضي حبث كانت تحلم بأن تتزوج الرسام شارل فوشيه كلما وقفت امامه ساعات النهار عارية لكي يرسمها في عدة اوضاع وحالات مغرية ليبيعها باسعار زهيدة. كانت تحلم بأن تتزوج في محترفه المتواضع عند منتصف الليلة الاخيرة من راس السنة الجديدة على ضوء الفوانيس القديمة، ولكنها تمنت على القدر أن تلتقي أي شاب يقدم لها طعاما وسكنا فتخدمه مدى حياتها. كان عليها أن تقنع بزواج (ادوارد جيمس) الشاعر الكاتب المؤدي شقيق صديقتها(مادلين)، (و يعمل مؤديا لأدوار ثانوية في مسرح المدينة المتجول) و كان يحب الحياة البسيطة.. وغدت (كاثرين) الآن زوجته ووافقت على العيش معه مؤقتا حتى يرتب أوضاعه المالية.. وصادف أن دُعيت معه وبرفقة اخته إلى حفل أقامه لمناسبة الانتهاء من ترميم وصيانة احد المسارح القديمة التي قصفت إبان الحرب وبقيت مهجورة حتى رعى السير جيفرسون، افتتاح مسرحية شكسبير : (تاجر البندقية). وأقام في قصره). حفلا مدهشا بالنسبة ل(كاثرين) التي دخلت أخيراً إلى العالم الذي لم تكن قد عرفته إلاّ من خلال القصص. وكانت ليلة متفردة في حياتها، لا تُنسى! ولكنّها لم تكن قادرة على تحمّل فكرة عودتها إلى الحياة البائسة في بيت زوجها الممثل الذي للم تجد في جيبه بنسا واحدا وليس لديه طموح أفضل وفي أثناء أيام طويلة من مرافقته لحضور بروفات مسرحية جديدة، كانت تعاني من الملل، فوقعت ضحية مرض عصابي، بدا بنوبات من الشقيقة الحادة. فقرّر زوجها اصطحانها مع فرقة المسرح إلى مرسيليا لعرض أعمالهم المسرحية هناك لمدة تسعة اشهر حسب العقد الموقع مع ممول ومنتج المسرحية وكيل السيرجيفرسون)، وكان زوجها قد نجح في أداء دور هورشيا في مسرحية تاجر البندقية وكتبت الصحف المحلية عن امكاناته الفذه)، بينما انشغلت (كاثرين) بترتيب منزلها الصغير ويدأت التعرّف هناك إلى عوائل وشخصيات محلّية مختلفة، غنية وفقيرة: رسامين ومزارعين ومعلمين واطباء وصيادلة، وأصحاب حقول للدواجن واحواض الاسماك وافران الخبز والمعجنات والحلويات. كانت عائلة المسيو شفا ليه، الخبّازالوحيد في منطقتهم، قد استذكرت أباها الذي كان يعمل في الميناء ومعه ابنتاه (جوزفين) و الثانية (نسيت اسمها). فردت عليها (كاثرين) بأنها كانت هي البنت الثانية. فاندهشت مدام شفاليه مما جرى وقالت : (حقا .. العالم صغير وان الوجوه المتنائية ستلتقي يوما ما).ولكن هل قمت بزيارة عائلتك؟ انهم ما زالوا يسكنون البيت القديم إياه .. أجابتها : ستكون زيارتي قريبة جدا . وأشارت إلى انتفاخ بطنها مبتسمة .. ها . بعد الولادة إذن؟ سيكون كل شيء تماما . وتغيرت أمزجة الجميع بالكشف عن الصلات والروابط الاجتماعية التي كانت سائدة من قبل، عشقت ابن جارها الخباز (إميل) بجنون وأرادت أن تهرب معه، ولكنه تخلّى عنها واختفى. فمريضت مجددا ولازمت فراشها. ولكي يسرّي زوجها عنها، اصطحبها إلى أهلها في بيت من بيوت عمال الميناء وتغير مزاجها وشفيت تدريجيا . وعاد زوجها إلى المسرح في روان بينما كانت تنتظر المولود. وبعد أسابيع من وضعها طفلة صغيرة،و كانت صديقاتها و اصدقاء عائلتها القدامى يزورنهم يوميا ومن بينهم (لوترك) الوسيم، أول فتى التقته وجعلته يغتصبها زيادة في الاثارة و المتعة لأول مرة. عادت ففكرت بتجديد علاقتها به و كان قد أحبّها فيما مضى، و أصبحت عشيقته. ولكن ظروفه الآن قد تبدلت . بعد ان تزوج من صديقتها فرانسوا باردو وانجبت زوجته صبيا جميلا وهي الان حامل في شهرها الثالث. ولم تجد كاترين بدا من العودة إلى زوجها ادوارد جيمس على ما هو عليه من مصير. وفي بيت الزوجية الصغير لم بعد امامها سوى شهر واحد لمغادرته. والعودة إلى لندن . كانت الصحافة الفنية اثاء وجودها في بيت اهله، تكتب عن طاقة ادوراد الفنية في المسرح. وجعل العديد من كتاب المسرح في باريس يعرضون عليه اداء بعض الادوار في اعمالهم الواقعية الجديدة. وكان قد وطد علاقاته بنخبة متميزة من كتاب ومخرجي ومؤدي المسرح الحديث أيضا. وكان يؤمن بان يستوحى ادوارد جيمس كتاباته التجريبية القادمة من أحداث شتى ومن اشخاص حقيقيين ليؤلف هذه الانماط الحياة الواقعية على خشبة المسرح أيضا. وقد كشفت كتاباته عن قوة الآلية الاستحواذية العائدة الى الشهوة والجمال بأسلوب جيد صريح مستندا" في كل ذلك الى توثيق قوي لابراز الخيانة الزوجية دون حذف اي حقائق او تفاصيل. وقد بدا ان الحوارات والاوصاف والوقائع كانت ساذجة احيانا" لكنها كانت من صلب الواقع المدقق تعطي انطباعا" حقيقيا" .فقد كانت لديه موهبة الدخول في احاسيس الشخصيات لاظهار مشاعرهم بطريقة افضل .ولا شك ان جمال هذا العمل المسرحي يمتاز بدقة ونباهة وحس الدعابة لديه، جعلت منه كاتبا مسرحيا "متميزا" في المسرح التجريبي . كانت (كاثرين) تجادله عن مسرح الفقراء والنخبة دون أن يشعر بصدق موقفها أو تفصح عن سخريتها المبطنة لكي تثيره، وغرضها فقط. جلب انتباهه إلى فتنتها، أم أن الحديث عن مسرح الطليعة الجدي، ليس من اختصاصي كربة بيت ولن يعود هذا من شأني كزوجة تتابع نشاط ابداع زوجها على المسرح. . قال لها أرجوك . فهذه الثرثرة ليست شيئاً فاضلاً،، إنه هزل، وقالت له فيما بعد: إنها فكرة الغوص في البحر العميق . وهو مليء إلى قاعه بالكنوز، وموجاته ومياهه المندفعة تجتاز المياه الراكدة لحقول الأرز، وهي لا تختلط. لقد التقط النهر كل ما التقاه في طريقه، الغابة واشجار جوز الهند والاطفال . إنه يحمل كل ما يجيء من أكواخ القش، والغابات، و بقايا الحرائق المطفأة، والاسماك والحيتان و الطيور والكلاب الميتة، والنمور، والجواميس العالقة في الوحول، والأشخاص الغرقى، وأخيلة الظل، وجزر من حقول الارز المائية المتجمعة، وكل شيء يذهب نحو المحيط، ولا أحد منا لديه وقت ليغرق، والكل تحمله العاصفة العميقة للتيار الداخلي، وكل شيء يبقى معلقاً على سطح قوة الفن دون الهبوط بمستواه إلى الاستعانة بالحنس الرخيص. . وعقدت لسانه الدهشةن قائلا : متى هبطت عليك هذه العبقرية من السماء ؟ من اين لك هذه المعاني و الافكار؟ ابتسمت وهي تمط كلماتها فخرا بنفسها. منذ يومين وانا أقرأ هذه الكلمات . أرددها عشرات المرات حتى حفظتها لأقولها امامك فعسى أن يبدو حبك لي أعمق وستعيرني أهمية أكبر. وسأنال رضاك. أليس كذلك؟ ليس الموضوع بهذه الصورة أبدا. عندما يتحدث الناس عن مسرحية شاهدوها أو رواية قرأوها، أو كتب أثّرت في حياتهم العاطفية وفي مسيرة الفن برمته وهي مليئة بجنس (فجّ) للغاية، وأحياناً استعراضي. إن شئنا، كالرواية الخبيثة التي سردها لك الرسام فوشيه، وهي مليئة بمشاهد جنسية متكررة وواضحة وفاضحة، وفيها ذكر لأعضاء جنسية ووضعيات وأفعال دون مواربة. نحن لانريد الأمر ذاته يتكرر في المسرح، حتى وإن برر الكاتب هذه المشاهد بأنها تخصّ الصنعة والأسلوب الخاص، وادعى بأنها نكهة الكتابة وبهاراتها، التي تولّد اللذعة، وربما التفرّد الجميل في الخلق.. أشياء ستغدو الرواية او المسرحية بدونها أشبه بقطعة خبز جافة ويابسة. هل عرفت ما اقصد من كل كلامي هذا؟ هزت راسها بالموافقة ولم يتوقف عن التحديق في عينيها قائلا : اقسم أنك لم تدركي شيئا و انا على استعداد لدفع أي مبلغ للمراهنة على استيعابك للموضوع . . وقد بدت عقدة (كاثرين) النفسية، التي ربما نشأت من اعتقادها بأنها تمنت ان تواصل دراستها وتحصل على التعليم الجيد الذي يؤهلها لمناقشة زوجها . ولكن الظروف الحرجة التي واجهت عائلتها قد دفعتها إلى الحب لكنها لم تحصل على السعادة مع الذين عاشرتهم قبل الزواج، حتى أنها على خطأ، فتساءلت: ماذا تعني عبارات النشوة والعاطفة والهيام التي قرأت عنها في المدرسة الثانوية! وعن الرومانسية بين العشاق وفي الحياة . حدجها بسرعة ليعرف مدى جديتها في هذا السؤال. الرومانسية لا يتقتصر في معناها النبسط عن حب بين العاشقين. هي اتجاه مهم في الحياة ولفن والأدب الإنكليزي منذ تبلوره في التسعينيات من القرن الثامن عشر من خلال نشر القصائد الغنائية للشاعر ووردز وورث وكوليدرج. وكان أجمل مافي مقدمة ووردز وورث عام (1800) للقصائد الغنائية إذ وصف فيها الشعر بأنه "فيض ذاتي عفوي من المشاعر القوية". وكانت مدام ستال (*) في ألمانيا، من بين أول مَنْ مهد الطريق للرومانسية.. كما تميز الطور الثاني للرومانسية، بين عام 1805 وثلاثينيات القرن التاسع عشر من خلال جمع الأدب الشعبي القومي ومحاكاته، ومن طريق القصائد الغنائية والشعر الشعبي وعبر الموسيقا والرقص الشعبي.. وفي هذه الفترة ذاتها، وصل الشعر الرومانسي الإنكليزي إلى أوجه على يد الشعراء جون كيتس واللورد بايرون وشيلي و كان السير وولتر سكوت غالباً ما اعتبر الكاتب الذي جاء بالرواية التاريخية.‏ ونشرت مؤلفات ما وراء الخارق للطبيعة و سحري ورهيب مثل فرانكشتاين والمركيز دوساد.‏ وفي العشرينات من القرن التاسع عشر انتشرت الرومانسية واتسعت حتى شملت آداب أوروبا تقريباً.

كان أصدقاء زوجها أدورد جيمس من شباب مؤدي المسرح الحديث الذين يؤيدون أعمال شكسبير المسرحية واتجاهات سارتر وبيكيت وجينيه الذين يشتغلون معه في الفرقة، يحسدونه على حياته الشخصية مع (كاثرين) التي كانت تلتقيهم وتشاركهم الفراش منفردين. في لقاءات مؤثرة في عواطف وعقول واحلام الشباب فتعاطفوا معها في تذمرها من الحياة المتقشفة التي تحياها معه . تناولوا حياتها وكتبوا نصوصاً عن علاقاتها وهوسها بمضاجعة الرجال، دون المساس بشخصها وبكشف اسمها.. بينما ااعتبرت كتابات جيمس أدبا يستعين بحوادث أخلاقية وقعت لزوجته بالفعل، كدخولها دير الراهبات وما نجم عن علاقتها بأحد الرهبان من الاطباء المشرفين على المستوصف الطبي في الدير ومشاركتها في التمريض وتبرعها بالدم عدة مرات للجنود الانجليز في الحروب القصيرة قي شرق اسيا والقرن الافريقي وفلسطين وحرب السويس والارجنتين. وكانت كاثرين قد سردت لزوجها قصة المرأة (مارجريت المشوشة والمرعوبة)، العاملة في سلاح الجو البريطاني، التي أدخلت إلى قسم الطواريء في المستشفى الملكي. وبعد ان أفاقت من الغيبوبة وجدت جسدها وقد تقطعت مفاصله ومات سريريا . وكان دماغها وقلبها هما اللذان يعملان فقط. وكانت مارجريت ترجو وتتوسل (كاثرين) بإنهاء حياتها بعد أن تعرضت طائرتها للسقوط. وكيف لبت رغبتها كما لو كانت على سرير الموت، وتخيلت في وصفها كيف حقنتها (بالنيمبوتال السائل) القاتل مباشرة في القلب تماماً..) كانت هناك علاقة شبه وثيقة جدا بين نانسيوفلوبير على مستوى الواقع الاجتماعي فنانسي من عائلة انجليزية عريقة وذات ثراء فاحش ودوقة. وكان فلوبير في بيته الفخم بـ «كرواسيه» المشرف على نهر السين، يطل على ساكني الريف والبلدات الصغيرة محاولاً أن يستوعب سيرورة التبرجز وعلاقة الشبيبة بين مصير الفرد ومنطق الصيرورة المجتمعية... و(كاثرين) ومدام بوفاري، على شبه كبير : تشبهها في المظهر والسلوك وحب الجنس والتمتع الطاغي مع جسدها. وحتى في موضوع الانتحار الذي فكرت القيام به. كحالة تترجم أقصى درجات الاحتجاج على التشيئ الأنثوي وعلى الغبن والحرمان من حقها التاريخي في التساوي مع الرجل. وبالتالي فان تناول السم كحدث يترجم أعلى درجات الإدانة لعلاقات وتقاليد مجتمعها القائم بعد الحرب الثانية، مهما حاولت تغيير نظرة الناس للجنس والعلاقة التكوينية الغريسية الأزلية بين الرجل والمرأة: (هوية حب الرجل للمرأة والذي يضمر رغبة الامتلاك، لأنه تربى على الفردانية المطلقة وحب الذات المرضي.) وهناك سؤال تشكيكي طرحته نانسي: (مَن قال إنّ (كاثرين) التي صنعتها في روايتها، حاولت الموت منتحرة تحت عجلات القطار ؟ .. ماذا لو قَتَلها أحدهم؟ كانت اسئلة مثل هذه، قد راودت الكاتب فيليب دومانك أحد أشهر الروائيين الفرنسيين (حاصل على جائزة رونودو 1989)، ما دفعه الى التشكيك في خاتمة رواية فلوبير الشهيرة «مدام بوفاري»، فقام، على طريقته، بتحقيق حول ما ورد في الرواية، وكتب رواية أخرى بعنوان «التحقيق المعاكس في قتل إيمّا بوفاري» (صادرة عن دار Actes Sud للنشر).ينطلق دومانك من حادثة وفاة إيمّا بوفاري (الشخصية الرئيسية)، بظروف غامضة، وينتقل للبحث عن المشبوهين المحتملين في قضية قتلها. يضع الكاتب جميع شخصيات الرواية «الأصلية» من سكّان القرية أو الزوج (شارل بوفاري) أو الصيدلي... في دائرة الشبهات، ويسلّط الضوء على شخصيات كان دورها ثانوياً في الرواية السابقة، ما سمح له بتقديم دراسة اجتماعية ونفسية أكثر عمقاً لشخصيات المجتمع في تلك الحقبة من الزمن.) هكذا فعلت نانسي في روايتها (أجنحة وجذور). التي نناقشها الان معا. ولا شك في أن رواية نانسي تستدعي التفكير والتأمل، ذلك لأن نانسي لم تخضع روايتها لمنظور القراءات الدينية والسياسية والمجتمعية المهيمنة آنذاك والتي يتراوح تصنيفها بين الرومانسية والواقعية. لأجل ذلك، أولت اهتماماً بالغاً للشكل والأسلوب، في طليعة عناصر الشعرية الجديدة التي تعتمدها في صياغة وتركيب وتكوين معمارها الشكلي الجمالي. ولتتنشيء حرثا لنوع جديد من القص والقاريء. فتبني جسرا يشد أدبها لقارئ محتمل في المستقبل.) لقد ظهرت رواية نانسي بهذا المزج المتواصل لأحداث حقيقية مع أخرى متخيلة، لكي تسعى للوصول بنصوص الرواية، إلى تنبيه القارئ لأهمية مشاركته في بناء هيكل ومعمار العمل لدرامي. . وقد واجهت انتقادات متباينة، ففي صحيفة (ذي تايمز) تمت مقارنتها مع مؤلف رواية (ذا تيرن أوف سكرو) دورة اللولب للكاتب وليم جيمس الطبيب، الروائي. بسبب محاولتها اعطاء رؤية حول نفسية وشخصية وذهنية الانجليز و طالبت الصحيفة ساخرة بتقديم جائزة نوبل لمؤلفة الرواية، وبالمقابل، اتهمتها جريدة (الاوبزرفر) بالحسية وباستغلال مأساة وفاة خطيبها اللورد وليم وعشيقتيه جوزفين و كان عمرها ثلاثة وثلاثين عاما). هو العمر إياه الذي تتلوى على جمره اشواقه نانسي، قائلة: كنت قبل الآن لم اعرف لماذا يضغط بعض الرجال كؤوس الزهر في الشمع حتى اخبرتني تجربتي بما يوحيه ذلك الفعل من شبق شديد، وعندها أشارت لي انوثتي، بأن ثمرتي قد آن قطافها، ولم أعي ملاذا كانت خالتي تنصحني بألا أترك الثمرة الناضجة تسقط بروحها على التربة.. لم أدرك مقصدها ومغزاها إلا بعد معاناة مستوحدة مؤلمة. عشتها وعانيت من ضغوطها. بينما كانت بعض صديقات الدراسة الثانوية يستيقظن كل صباح متعبات من متعة لهو جنسيةعابرة، و كن يواجهن صعوبة في الحصول على أية فرصة ولو كانت ضئيلة جدا، لهذا يكون البديل المشتهى في تسامرهن وكشف مغامراتهن وأسرارهن الصغيرة،فكانما تحدث المتعة بقوة الخيال و تدور رؤاهن من خلال حركة أصابعهن الرقيقة تلامس وهج الجمال فتحدث الشحنة الضرورية لاشراق نور الجذوة واتقادها فتستعر بلظاها الروح وتنطلق الشهقة الآسرة وتخمد جذوتها الولة لتهدا وتنام... وانا ايضا كنت اشتهيها. عندما ألاحظها تتلوى وتتلظى وتتصبب عرقا ولذة وكأنها بين الحياة والموت. فالحرمان من الجنس والجهل به يجعلنا نقاسي نوعا من الدمار علي أيدي الكبار الذين يحرموننا من نور المعرفة بالجنس. يتعاملون معنا تعاملا لا ينم عن تفهم متعاطف.). (*).

-----------------------------------------------------------------------------------

* - هل حقا مضى زمن الجمال؟ .. وهل سيصبح الفن يوماً بعد يوم أكثر علمية، وبالطريقة نفسها سيعود العِلم يوماً بعد يوم أكثر فنية. وسوف يلتقي الإثنان في القمة بعد أن كانا متباعدين في القاع. ليس هناك أي تفكير إنساني باستطاعته أن يوجز ـ في هذه اللحظات ـ كل هذه الشموس الساطعة التي تفتح أعمال المستقبل. بينما غالباً ما نجد الممر مليئاً بالظل ونسير متلمسين في العتمة. تنقصنا عتلة رافعة، فالأرض تهتز تحت أقدامنا نحن الكُتاب.. إننا بحاجة إلى نقطة ارتكاز؛ كل الكُتاب والكتاتيب: ما فائدة كل هذا؟.. ما ضرورة كل هذا الركام من الكلمات؟.. ليس ثمة آصرة بيننا وبين هذه الكتلة.. إنه أمر سيئ للكتلة. بل هو أسوأ بالنسبة لنا، ولكن مثلما أن كل الأشياء لها الحق في الوجود، ومثل فنطازيا الجوع التي تبدو لي شيئاً مشروعاً ولها مكانها في العالم. فإنه شيء ضروري أن نعيش من أجل ميولنا ـ بغض النظر عن الإنسانية التي تشملنا ـ حيث نصعد إلى برجنا العاجي هناك، مثل راقصة وسط عطورها. نبقى وحيدين مع أحلامنا

(*) - « مسز دالاواي» رواية فرجينيا وولف: يوم كما الحياة كلها/ ابراهيم العريس/ الحياة العربية التي تصدر في لندن

 (*) ــ فلاديمير مايكوفسكي - صوت الثورة و ضحيتها بمناسبة ذكرى انتحاره في 14 نيسان من عام 1930

 (*) - حوار مع الروائية ريككي دوكورنيت أجرته : ليزا كافاتشاك / ترجمة: بشارعبدالله.

 (*) في هذه الأعوام لا أحد يهتم بالفن.. الفن بحد ذاته. إننا نشوهه ونُلطخه بشكل رهيب بكل ما هو برجوازي. ولا يعجبني أن أرى القرن العشرين.. أما القرن الثلاثين فسوف يكون شيئاً آخر حتماً.

(*) إن مكتبة الكاتب يجب أن تتكون من خمسة أو ستة كتب، هي بمثابة المصادر التي تجب إعادة قراءتها كل يوم، أما فيما يتعلق بالكتب الأخرى فمن الجيد الاطلاع عليها لا غير.. وهناك طرق كثيرة للقراءة، فالقراءة المتمعنة تستلزم الكثير من النباهة والاحتكام.

(*) في عصرنا الراهن لدي انطباع بأن المفكر (وهل كل فنان أو مدعي هو مفكر؟!) لا ينبغي له أن يمتلك لا يقين ولا وطن ولا حتى ميول اجتماعية.

(*) إن الممتهنين للأدب هم كالمومسات اللاتي ينتهين إلى عدم القدرة على المواقعة. إنهم يتعاملون مع الفن كما تتعامل المموسات مع الزبائن؛ يبتسمن لهم قدر استطاعتهن ولكنهن لا يحببنهم. وكل ذلك ينطبق معاً على: الروح، الأسلوب.. الصدر والقلب..

(*) تعجبني الجُمل النظيفة تلك التي تكتفي بذاتها واقفة. ومع ذلك يحدث شيئاً يبدو مستحيلاً. لقد وصل المثالي التقليدي من النثر درجة عالية من الصعوبات، وعليه فيجب تحريره من التعبيرات المستهلكة ومن الكلمات العامة.. يجب امتلاك الأفكار المعاصرة بلا تعابيرها الجاهزة.

(*) باستثناء القميء.. يموت أحدنا في التردد بين قيمه الخاصة وبين قيم الأعمال التي كتبها.

(*) إن النقد يتلاقى مع أوطأ المستويات من الأدب: من حيث الشكل دائماً، ومن حيث القيم الأخلاقية بطريقة تصعب الإجابة عليها أو توضيحها.

(*) إنني لا أُصنفها كقراءات جادة، تلك القراءات للكتب التي تتناول مواضيع عميقة جداً.. وإنما القراءات الجادة هي تلك التي تنكب على الكتب المصنوعة جيداً من حيث التقنية والأسلوب يرافقها إطلاع على المناهج التي تم توظيفها.. لأننا روائيون ولسنا مزارعين.

(*) لقد قرفتُ من (مدام بوفاري) فالكل يطريني على هذا الكتاب، وكأنه لا وجود لشيء من كل هذا الذي كتبته بعدها. أُؤكد لك بأنني لو لم أكن في عوز وحاجة لعملتُ على أن لا تُطبَع مرة أخرى أبداً.

(*) اللعنة على ذلك اليوم الذي فكرتُ فيه بوضع اسمي على كتاب.. لو لم يكن بسبب أمي وبسبب بويلهت (أحد أفضل أصدقاء فلوبير) لما نشرتُ أبداً ولا حتى سطرا واحدا.. كم أنا نادم الآن على قيامي بفعل ذلك..!. أتمنى لو أنهم ينسوني.. أن يتركوني بسلام، أن لا يتم الحديث عني بعد ذلك أبداً.. لقد بدأت أكره شخصيتي.. كم أتمزق من أجل أن لا ينشغلوا بي أكثر من ذلك.

(*) ثمة مؤامرة عامة ودائمة في هذا العالم ضد شيئين وهما: معرفة الشِعر والحرية. الناس أصحاب الأمزجة يتولون إبادة الأول. والناس أصحاب السلطة يطاردون الثانية.

أضافة تعليق

{ الصفحة الأخيرة } { من 273 } { الصفحة التالية }
Image Hosted by فــــي مركز تحميل الصــور منتديات أســـود الاطلـــس

أهلاً و سهلاً

شوكت الربيعي يرحب بكم اهلا وسهلا
الصفحة الأولى
من أنا؟
الأرشيف
أصدقائي
صوري

وصلات

اليوميات المدهشة
الشاعر ماجد البلداوي
الشاعر عيسى الياسري
تحديث المدونة
شوكت الربيعي
كتاب الأمل
الفن العماني المعاصر
طائر الشوف الاصفر
احزان القصب
خمسة عقود من الفن والادب
من التجربة المدهشة
موقع شوكت الربيعي في المثقف


الأقسام


آخر المقالات

ثلاثية أحزان القصب ( 32)تأليف شوكت الربيعي- المثقف- 14/ 9/ 2008م -
ثلاثية أحزان القصب ( 31)تأليف شوكت الربيعي- المثقف- 12/ 9/ 2008م -
ثلاثية أحزان القصب ( 30)تأليف شوكت الربيعي- المثقف- 10/ 9/ 2008م -
لاثية الأحزان ( 29) شوكت الربيعي - المثقف -8 / 9 / 2008م
ثلاثية أحزان القصب تأليف شوكت الربيعي- القسم التاس والعشرون- المثقف- 8/ 9/ 2008م -

أكتب ما تريد ترجمته هنا

أصدقائي