ثلاثية الأحزان (28) ج2 - شوكت الربيعي - المثقف 6/ 9 /2008م
| ثلاثية الأحزان (28) |
|
|
ثلاثية الأحزان ( 28 ) - ج2
شوكت الربيعي - المثقف |
| Saturday, 06 September 2008 |
|
الواقعية في الأدب والفن
كان موضوع الواقعية في الأدب والفن من أهم الأبواب التي بحثت فيها: الأداء الفني، العناية بالتركيب والأسلوب والاضاءات النقدية،
التقنية الشكلية والدلالية والجمالية، آلية القصة القصيرة . وقد تبلور الجهد بعد أن قمت بتحرير ما قرأته ولخصته عن دراسات وبحوث ومتابعات ومقالات دونها اساتذة ونقدة آداب وفنون. |
(2)- من تجارب الأدب القصصي المتميزة في العراق
- تجربة الناقد الباحث الدكتور عبد الاله أحمد:
كنت أقرأ الادب الروسي والواقعية في الأدب والفنون ونظرية الجمال عند بليخانوف وأبي حيان التوحيدي في الفترة التي كنت قد حضرت فيها مناقشة رسالة الماجستير للباحث الاستاذ عبد الاله أحمد في القاهرة. واردت نشر مقالتي عنها، ولكن الكاتبة نجاة شاهين كانت قد هيأت متابعة رائعة (تعودت أن تنشرها في بابها الثابت) لمناقشة (رسائل جامعية)الماجستير والدكتوراه في مجلة المجلة المصرية في عهد رئيس تحريرها الكاتب القدير الاستاذ يحي حقي وكنت من كتاب تلك المجلة في الستينيات من القرن العشرين. وكان الناقد المتميز عبد الاله أحمد قد بحث في رسالته القيمة، (الأدب القصصي في العراق)، منذ نشأته، وبأنواعه المختلفة، وطبيعة المنهج الذي حاول فيه أن يجمع بين المنهج التاريخي والمنهج النقدي الذي يقيم هذا الأدب، ويضعه في مكانه الملائم من سلم التطور، فيحاول أن ينظر جهده إلى النتاج القصصي، نظرة نسبية، تسعى إلى أن تستوعب واقع الفترة الزمنية التي كتب فيها، ومستوى ثقافة كتابه، الذين تحكمت فيهم إلى حد بعيد طبيعة الظروف الموضوعية. وكان له شرف الريادة في ذلك.
لقد حدثت في تاريخ العراق الحديث، منذ الحرب العالمية الأولى، وحتى انبثاق ثورة الرابع عشر من تموز 1958، منعطفات ومتغيرات جوهرية، وأرست دعائم نظام وطني جديد. إلا أنها لم تغير كثيراً من واقع الثقافة والفنون. وهو أمر فرضه مضمون المديات الزمنية، لكي تتضح طبيعة المتغيرات التي تحدثها في المجتمع، وبالتالي لتتضح طبيعة نتائج المتغيرات التي تصيب الفكر والأدب فيه نتيجة لذلك. بل إن الأدب في العراق الذي نشر بعد الثورة، يمكن اعتباره امتداداً بشكل أو بآخر، للمرحلة السابقة. ويمكن تحميل أحداث الفترات اللاحقة، مسؤولية كاملة لما أصاب الحركة الأدبية من شلل وتوقف، استمر واضحاً منذ عام1961 وحتى منتصف الستينات، حين بدأ نفر من الأدباء الشباب، (الذي امتاز بالجرأة والصخب والادعاء)، يكتب لوناً من الأدب يختلف عن سابقه الذي كان سائدا منذ عام 1940،- واستمر طوال الأربعينات والخمسينات، وأصبحنا مهيئين لأن نتابع دراسة واقع هذا الأدب في العراق والوطن العربي في الفترات اللاحقة.
كان للدكتور الجليل الاستاذ عبد الاله أحمد، الدور الطليعي في جمع تفاصيل الموضوع المبعثرة في كتب، وفي أكداس هائلة من الصحف والمجلات.. لكنها بمجموعها أتاحت لنا أن نضع أيدينا على تصور واضح لمسار الأدب القصصي منذ الحرب العالمية الثانية، وطبيعة صفاته وخصائصه، لنستجلي واقع اتجاهاته الفكرية، وقيمه الفنية، وانتقاء النماذج الدالة منه لوضعها في مكانها من تاريخ هذا الأدب في العراق. ففي الكتاب الأول، الذي تناول فيه الدكتور عبد الاله أحمد فيه القصة الساذجة، وقف في الباب الأول منه عند أبرز الاتجاهات القصصية الأولى في تاريخ الأدب القصصي، وهما الاتجاه التقليدي، والاتجاه الرومانسي. وحاول في الباب الثاني أن يدرس الاتجاه الواقعي الساذج، بتوطئة وقف فيها عند جذور هذا الاتجاه بين الحربين، كما عكسها إنتاج أبرز كتابه محمود أحمد السيد، مبينا العوامل التي أدت بعده إلى انصراف هذا الاتجاه عن وجهته الفنية، إلى هذا اللون من الواقعية الذي يتجه إلى تحقيق هدف سياسي واضح، فكان أن درس في الفصل الأول من هذا الباب إنتاج "ذو النون أيوب" وهو القصاص الذي كان له أثره الكبير في انعطاف الأدب القصصي الواقعي في اتجاه الواقعية السياسية الساذجة في الأربعينات، متمما فيه حديثه الذي بدأه في نشأة القصة. ثم تابع بعد ذلك في الفصل الثاني رصد ملامح هذه الواقعية السياسية الساذجة كما برزت في إنتاج غيره من القصاصين. ثم حاول في الباب الثالث دراسة إنتاج أبرز القصاصين الذين ظهروا في الثلاثينات واتصل إنتاجهم القصصي بعد ذلك على قل منهم، في فترة البحث، وهم: أنور شاؤل، وشالوم درويش، وعبد الحق فاضل. ولقد اعتبر إنتاج هؤلاء القصاصين الثلاثة الذي تتوفر فيه الكثير من الملامح الفنية، من ممهدات الواقعية الفنية التي برزت بعد ذلك واضحة في الخمسينات. ووقف في هذا الباب بالإضافة إلى ذلك عند هذه المحاولات القليلة التي نشرت في الأربعينات، والتي اتصفت على نحو من الأنحاء، بالفنية، والتي اعتبرها بسبب ذلك تبشيراً بإنتاج الجيل الجديد من القصاصين الذي كتب القصة الفنية في الخمسينات. وفي الكتاب الثاني، الذي تناول فيه القصة الفنية، حاول أن يمهد لدراستها بمدخل يبين فيه العوامل التي أدت إلى نهضة الأدب القصصي في الخمسينات، وطبيعة هذه النهضة. ثم وقف في الباب الأول عند سمات وملامح القصة الفنية في هذه الفترة، من خلال دراسته ثلاثة أمور أساسية. الأمر الأول: ملامح التقنية الفنية العامة كما ظهرت في إنتاج القصاصين باعتبارها السمة الأساس الأولى التي ميزت إنتاجهم القصصي عن إنتاج سابقيهم. والأمر الثاني: ملامح وسمات مضامين واتجاهات القصة الفنية. والأمرالثالث: الأعمال القصصية الطويلة التي لا ترقى لأن تكون رواية فنية حقة بالمعنى الذي حدده لها كبار نقادها. أما الباب الثاني فخصصه لدراسة أبرز قاصين، كتبا القصة الفنية في العراق في الخمسينات، وكان إنتاجهما يمثل أفضل ما كتب من هذا الأدب في فترة البحث، ويعكس أبرز سماته الرئيسة وهما: عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي. وفي جميع دراسته لإنتاج القصاصين، الساذج أو الفني منه، حاول أن يعتمد جهد الإمكان، المنهج "الوصفي" الذي يسعى إلى الوقوف عند العمل القصصي، ليتعرف على خصائصه الفنية والفكرية، كما يعكسها هذا العمل بالضبط. لأن هذا المنهج، يتيح فهماً أدق لطبيعة الطرق الفنية التي استخدمها القصاصون العراقيون، كما يكشف عن مستواهم الفني، وما أضافوه من جديد في تاريخ هذا الفن في العراق، وهو في الوقت ذاته، يجنب الباحث امتحان إنتاج هؤلاء القصاصين بمنظور فني مستمد من إنتاج قصصي أكثر تطوراً، لا يمكن أن يتحمله دون تعسف كبير يجور عليه. ومن هنا كان استخدامه المباشر لنتائج الدراسات التي تناولت القصص الحديث، العربي أو العالمي، على أهميته، محدوداً، وبالمقدار الذي ورد في هذه الدراسات، مما ساعد على توضيح طريقة القصاصين في التعبير، أو نهجهم الفكري، أو يعمق الفهم لجانب أو آخر في إنتاجهم، أو يرفد بمصطلح دقيق في دلالته على مايمكن تحديده. وكان بحث الدكتور عبد الاله أحمد بعد ذلك كله جهد مخلص حاول فيه أن يقدم تصوراً واضحاً لواقع الأدب القصصي في العراق في فترة قريبة من تاريخه. وقد أفاد الحياة الأدبية في العراق، بما يصل بين إنتاج السابقين وإنتاج المعاصرين، وقد نجح كثيرا حتى اليوم، في جهده ووضوح هدفه وامتداد تأثيره في مسيرة القصة والرواية في العراق. لمن سيبدأ قراءة ما تم اختياره وتدوينه وتحريره من مواضيع تتعلق بالقصة القصيرة والرواية في العراق وبعض الامصار العربية في مرحلة النشوء والتكون والمسيرة. هذا البحث لنصل الى حقيقة واضحة، وهي أن حصاد الإنتاج القصصي ذا القيمة الفنية والفكرية الحقة، محدود، خلال هذه الحقبة الطويلة من تاريخ العراق والعرب الحديث. ومنها القصص القليلة جدا للتكرلي وذو النون أيوب وعبد الملك نوري التي أعطى الكاتب فيها الناحية الفنية أهمية متميزة، فإن أغلب ما نشر من إنتاج قصصي آخر، قد احتوته سذاجة فكرية وفنية ليس فيها سوى اشارات تاريخية واهنة القيمة بسبب، خضوع مضامين القص باستمرار لمؤثرات خارجية أسهمت إلى حد كبير في تحديد طابع اتجاهاته الفكرية، وملامحه الفنية، وتداخل الاتجاهات الفكرية في الفترة الواحدة، وتداخلها في الوقت ذاته، لدى القاص الواحد، الذي لم يكن قادراً في أكثر الأحيان على أن يحد من أثر هذا العمل الأدبي أو ذاك –الذي يقرؤه- فيه، رغم أنه قد يتعارض في بعض الأحيان، مع موقفه الفكري المعلن. كما كان من مظاهرها الواضحة تفاوت مستوى إنتاج القاص الفني، وافتقاد ما يكتبه الرؤية الواضحة للحياة، التي تحدد موقفاً فكرياً يمكن تبينه. فضلاً عن ضعف الملامح المحلية الخاصة، مما يفقد أدبه الكثير من قيمته.).ولكنها تجربة وفقت في الخمسينات إلى تحقيق ملامح جديدة للأدب القصصي، نهضة فنية نقلته إلى واقع مغاير لواقعه في الفترات السابقة. وتتضح ملامح هذه النهضة في هذه التقنية الفنية التي حرص القصاصون على توفيرها لقصصهم، باعتبارها ضرورة لازمة للعمل القصصي، مما نلمسه في تنوع طرق عرضهم لمضامينهم، التي كانوا في بعضها رائدين، كما يظهر ذلك في استخدامهم طريقة تيار الوعي أو المنلوج الداخلي، منذ أواخر الأربعينات. وفي طبيعة اللغة القصصية التي استخدموها في هذا العرض، التي أتاحت لهم معالجة الكثير من القضايا الإنسانية العامة، على نحو لم نعهده في الأدب العراقي الحديث قبل هذه الفترة.) لكن القاص، لم يصل بهذه القصص إلى مستوى من الجودة الفنية، يجنبها مظاهر ضعف القيمة الفنية الحقة، التي مكنت الجيل الأخير من القصاصين الذي بدأ يمارس أفراده الكتابة منذ منتصف الستينات، من أن يكتب قصصه بلغة فيها الكثير من المرونة والرواء، فلا يعاني في محاولة تذليلها ما عاناه الجيل السابق، كما أصبح في طوقه أن يكتب في أشكال فنية أكثر تطوراً، وأن يدعي رفضه للأشكال الفنية التقليدية التي كتب فيها العديد من الأعمال القصصية العراقية في الخمسينات. مما يشير الى عدم انقطاع الصلة بإنتاج الأوائل، على الرغم من اكثار بعض شباب الستينيات، من المكابرة والادعاء. كان مسار الأدب القصصي في العراق، رغم ما شابه من اضطراب، يتجه في طريق متطور نام. لابد أن ينتهي يوماً، إلى تمكين الأديب العراقي، من أبداع أعمال قصصية، يمكن أن تسهم في إثراء الأدب العربي(المرجع: د. عبد الاله أحمد..)
(3)
نجد تاثير اسلوب الواقعية في الادب الروسي والأوروبي، على امتداد ثلاثة قرون، جليا ساطعا في تجارب رواد القصة العراقية والعربية، التي تقع ضمن توجه الواقعية بوظيفتها التسجيلية،أوالتحليلية.. ولكن(..ظلت التفاصيل الواقعية في القصة الاجتماعية الإصلاحية العربية رتيبة غير قادرة على استبطان الأعماق الداخلية للشخصيات، حتى باتت تتحرك غالباً بمعزل عن واقع التفاصيل . أما القصة الرومانسية فقد كانت تفاصيلها الواقعية تتحرك مع حركة العواطف الذاتية للكاتب الاجتماعي بصيغة حكائية تفتقر إلى عناصر جمالية وفنية وتقنية تقع في تركيبة ومعمار الشكل الفني ..). وشهد العقد الأول والثاني من القرن الماضي، تفاعلات الأساليب والاتجاهات السائدة في مرحلة نشوء وتحول مكونات المجتمع العربي . منعكسة في أعمال الرعيل الأول من كتاب القصة والشعر والأدب عامة والفنون التشكيلية. في معالجة قضايا المجتمع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وهذا ما أظهر لدى كتاب القصة القصيرة ميلا نحو تصوير الواقع، على الرغم من حداثة مثل هذا الفن المستولد عن الحكايا الأقصوصة والمقامة والف ليلة وليلة وابو زيد الهلالي وكليلة ودمنة وسوى ذلك من تقاليد القص الشفاهي والحكائي المتناقل من جيل إلى جيل في تاريخ الادب العربي والمجتمع. كل ذلك بات يشكل عوامل حقيقية أبعدت معظم كتاب القصة القصيرة في تلك الفترة الابتائية عن التوصل إلى جذور الواقعية الفنية معبرة عن كنه وطبيعة البداية التي توصف بفترة قصص الاتجاه الاجتماعي. ومثل هذه العبارات تشير إلى الجانب التسجيلي في صياغة الاقصوصة والحكاية والقصة القصيرة جدا، الذي لم يقم على رؤية ومواقف فكري جمالي فني، بل كان قائماً على التقاط عفوي لبعض المشاكل الجتماعية والفردية الجاهزة. لذلك يصعب انتقاء (العدد القليل من القصص والروايات والخروج بالنوع الروائي، الذي كان يشق طريقه بصعوبة في الثقافة العربية، من أسر الخطابية والوعظية المباشرة، ولم يستطع أي كاتب آنذاك من تقديم شخصيات مستقلة نسبياً تتحرك بحرية في فضاء السرد من دون أن يحس القارئ أن الكاتب يحركها بحسب مشيئته القاهرة ويوجهها من دون التفات إلى وظائفها الروائية..) .(*) وهذا ما جعل القصة شديدة الاضطراب، مصطنعين عملية الارتباط بالواقع اصطناعاً فطريا فجا. يلصقها جزافا بقصص الاتجاه الاجتماعي.دون أن تتميز بجوانب فنية أو فكرية محددة، ولم يظهر المضمون لا بشكل فني متماسك، ولا بلغة فنية ثرية موحية جديرة بالاهتمام. وفي غياب التمثل الحقيقي لمعنى الواقعية في القصة العربية، وفي ضمور الوعي والادراك بمفهوم الواقعية الفنية فإنه لن يظهر النمو والتحرك، وتبلور النزعة التي كانت سائدة للحكائية الشفاهية والوصفية المرتبكة خلال سنوات العقد الثالث والرابع من القرن المنصرم. وليس لرواد فن القصة القصيرة وتجاربهم ترنو نحو التطور الفكري والحضاري. (.. وهذا يعني أن الواقعية ترتبط بحركة المجتمع الذي تنمو فيه، وترتبط بقضايا التغير الاجتماعي والسياسي، وترتبط بقضايا الديمقراطية وكيفية بلوغها أيضاً.. فتتشابك تجربته الفردية بالتجربة الإنسانية العامة للواقع، كي يتسنى للأديب أو الفنان أن يمسك العناصر الجوهرية التي تحكم صراعات المجتمع، وتسير علاقاته الدائرة إذ أن (المبدأ الفكري الذي سري في صميم العمل الفني الواقعي يتطلب بالضرورة من الفنان أن ينظر بجسارة ودون خنوع إلى العالم، وذلك لأن حقيقة الحياة المعممة حقيقة الشخصيات تنهار إذا أحل الكاتب محل حقيقة الواقع بدائله، أو سمح بتفسير اعتباطي، ذاتي النزعة لمعنى الأحداث والظاهرات، ومضمونها) ولمعنى التغيير النفسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي.مع الأخذ بنظر الاعتبار الجوهري، (..التمسك بالغيبيات، والقيم التي توارثها من الأجيال الماضية، والتعلق بكثير من قواعد التفكير السلفية، وبخاصة حول وضع المرأة في المجتمع..) والأمة تعاني من قلق التغير الجديد المتلاحق الحاد والسريع. وليس من الصعب تلمس مظاهر التخلف في، المجتمع المحافظ، بمعاييره التقليدية المسرفة التي تحول دون بروز التفكير الواقعي، والمجابهة المنطقية . فهو يؤثر التمسك بالغيبيات، والقيم التي توارثها من الأجيال الماضية، ويتعلق بكثير من قواعد التفكير السلفية، وبخاصة حول وضع المرأة في المجتمع. وكان مجرد المطالبة بالتعليم الإلزامي للمرأة كفيلاً بإثارة رواسب المحافظة والتزمت العنيفة..و ظلت الطبقات الشعبية مغمورة بما هي عليه من تخلـف وفـقر وبـؤس، محرومة من فرص التعلـيم، ومعطيات التغـير الاقتصادي. ومن هنا كثرت التابوات وعناصر (الاغتراب) بأجواء القصة الواقعية القصيرة.. التي شاع فيها الخطاب اليومي الدارج، والخطاب الرومانسي الحالم، والمتحذلق المتعالم، وخطاب الشعوذة. (*)..(إن النوع الروائي يسعى، منذ تبلوره في القرن التاسع عشر، إلى التخلص من الرؤية المثالية للعالم واللغة، وينزع إلى تأكيد النسبية اللغوية وكذلك التاريخية، كما يرى ميخائيل باختين في فهمه للخطاب الروائي) (*) إن (الأمانة الذاتية عند الكاتب لا تستطيع أن تولد تلك الواقعية إلا إذا كانت تعبيراً أدبياً عن حركة اجتماعية عريضة، بحيث تدفع مشكلات هذه الحركة وقضاياها الكاتب إلى أن يلاحظ ويصف مظاهرها الأكثر أهمية، وبحيث تقوي من عوده، وتدعمه من جهة أخرى، وتمنحه القوة والشجاعة الكافية التي تخصب وتغني إخلاصه وأمانته) والواقعية لا تجد استقرارها ونموها إلا مع التطور الاجتماعي وصراع القوى الاجتماعية. بيد أننا نجد ملامح مغبشة لمشروع القصة الواقعية في العقد الخامس أكثر خصوبة من الناحية الفكرية والاجتماعية والسياسية، لنمو تجربة بعض كتاب القصة القصيرة ولاستفادتهم وتأثرهم بالتيار الواقعي البازغ في الأدب العربي الحديث والادب العالمي المترجم.) وهو (القدرة على نقل الرواية العربية من مرحلة البدايات وتلعثمها إلى عالم الكتابة الروائية الناضجة التي يتقن فيها الروائي استخدام تقنيات الكتابة الروائية. وكذلك القدرة على توظيف هذا النوع الأدبي الوليد في الثقافة العربية ..) (*) . وحدث هذا التحول أيضا في الشعر والمسرح والموسيقا والفنون التشكيلية. ونضجت تأثيراته في العقد السادس من القرن العشرين.. فالشاعر فوزي كريم ليس بعيدا عن والأمة التي تعاني من قلق التغير الجديد المتلاحق الحاد والسريع، فأراد أن يستولد من تجارب العقد السادس في روسيا ما يوحي اليه نموذجا متشابها في النزوع والاندفاع والمحاكاة تحت لافتات الواقعية الجديدة والحديثة والمتجددة. فهو يقول): في الستينيات كنا نقرأ أعمال دستويفسكي بهوس. داخل هذا الهوس لم نتوقف عند شخوص رواية "الشياطين" لنذعر. كانت تلك الشخوص كفيلة بأن تثير الذعر في قراء على هذا القدر من الشبه بها.. شياطين دستويفسكي هم ستينيو روسيا القرن التاسع عشر. جيل احتفى بـ "الفكرة العظمى" التي ورثها عن الجيل الأربعيني، وذهب بها، بطيش الأطفال الحمقى، الى أبعد مدى من التطرف.
كانت ستينيات روسيا القيصرية، قبل قرن من ستينيات العراق والعالم الغربي، تضج بجيل يستحق ان يوصف بـ"الموجة الصاخبة" أو "الروح الحية" (*) فالثقافة مسيّسة لدى الجيلين بصورة تامة، وهوية المثقف تكمن في انتمائه العقائدي. والجيل منقسم بصورة حاسمة الى تيارين لكل منهما فروع، الأول يستلهم الغرب وحداثته بكل ما ينطوي عليه من تيارات فكرية وسياسية. والثاني يتشبث بالجذور القومية بكل ما تنطوي عليه من معايير وقيم. وكل منهما يدعي سعةَ الأفق، التي لا تضيق باستيعاب حسنات الطرف الأخر. ولكن تسييس هذا الميل الفكري يلغي أية إمكانية لسعة الأفق المزعومة، لأن الفكرة سرعان ما تتحول الى عقيدة عمياء. ورجل العقيدة العمياء، أو المبصرة، يلغي "الآخر" كوجود يشكل طرفاً لتحقيق الحوار. لأن رجل العقيدة ببساطة "لا يعرف إلا شكلين للتعبير: الحوار مع النفس، أو المحاضرة"،على حد تعبير أوكتافيو باث. انتشار الصحافة وفاعليتها في الوسط الثقافي عامة شبه آخر يجمع بين الجيلين المتباعدين، ودستويفسكي الروائي نفسه كان مسؤولاً عن مجلتين فكريتين: "الزمان" و"العهد"، وعبرهما كان كثير الجدل، كثير الخصام. وللتأكيد على قرابة الأدب والسياسة، كان يضع تحت عنوانيهما عبارة: "تعنى بالأدب والسياسة". وكان) الشبه الأساس الذي يظلل الجميع هو اندفاعتهم المتطرفة باتجاه الأفكار المجردة، دون التفاتة الى الواقع الأرضي، وإخضاع الفعل السياسي التاريخي المغير الى أهوائهم المبدعة في حقل العواطف والمخيلة. في "الشياطين" يقدم لنا المؤلف شخصية ستيفان الرئيسية كمثقف رائد لاحتضان رفعة الأفكار المتعالية على الانسان الزائل ابن الأرض. ودستويفسكي يقدمه بصورة هجائية ساخرة في أحد المشاهد الروائية الأخيرة: "الأفضل ان يمشي في الطريق العام، الأفضل أن يمضي دون أن يفكر في شيء. الطريق العام ... شيء طويل، طويل جداً، لا يرى المرء له نهاية، كالحياة الإنسانية، كالأحلام الإنسانية. الطريق العام يتضمن فكرة. أما جواز السفر في الطريق فأي فكرة يمكن أن يتضمن؟ جواز السفر نهاية كل فكرة...عاش الطريق العام، وعلى بركة الله..."(ترجمة الدروبي2/383). وعلى لسان أحدهم يتحدث عن الثوري شاتوف: "إن شاتوف واحد من أولئك الروس المثاليين الذي متى أشرقت في نفوسهم فكرة قوية كبيرة، بُهروا بها وتسلطت عليهم تسلطاً تاماً قد يدوم في بعض الأحيان الى الأبد، فلا يصلون يوماً الى السيطرة على هذه الفكرة التي أصبحوا يعتنقونها اعتناقاً عنيفاً. فحياتهم كلها تنقضي بعد ذلك فيما يشبه التشنجات الكبرى تحت وطأة تلك الصخرة التي سقطت عليهم ذات يوم فحطمتهم نصف تحطيم." كما ورد في نص (تهافت الستينيين) : (*).
(4)
(1) تهافت الستينيين - شعرا وقصا ورواية وفنا تشكيليا وموسيقيا ومسرحيا. اذ كتب الشاعر فوزي كريم في مقدمة دراسته التي ضمها كتاب (تهافت الستينيين) الذي صدر عن دار المدى، 2006 -عن) الهوة بين النص الشعري وخبرة الشاعر الداخلية ظاهرة عربية، امتدت من الشعر الجاهلي حتى اليوم. عرضت لها بتفصيل في كتابه "ثياب الامبراطور".، ولكنه يُعنى بوجوه أخرى إضافية من الظاهرة، وفي عصرنا الحديث بالذات. هذه الوجوه العصرية استجابة ليست متعافية لنشاطات الغرب بالغة الكثافة والتعقيد. محاولة منها لإشعار نفسها بالتكافؤ مع الغرب، وتجاوزه أيضاً. وبالتالي كراهيته وتنشيط فعالية العداء غير العقلاني له. وكما بدت الجملة العصرية مترجمة، وبدت القصيدة مترجمة، بدا الوعي الثقافي والأدبي مترجماً هو الآخر. قناع مورد بالأصباغ، يخفي الوجه الحقيقي الشاحب. هذا واضح في أصوات شعرية كثيرة، يمكن لقصيدة النثر أن تكون أوسع أوعيتها. وأصوات نقدية أكثر، تحت راية البنيوية والتفكيكية.(.كانت فورة الستينيين محاكاة، ولكن صادقة العواطف. وهنا يكمن موطن مخاطرها. لأن أهواءها الخيالية طمعت بأن تكون فعلاً، وفعلا سياسياً بالدرجة الأولى. قال هادي العلوي.: (..في الشعر لم أسع الى شعراء الظاهرة، بل انتخبت، في المقابل، عيّنات من شعراء الخبرة الداخلية. شعراء التيار الذي حفر مجراه ضيقا، ولكن عميقاً، الى جوار التيار الأغلب..(ضمن تيار ات تضج بجيل يستحق ان يوصف بـ"الموجة الصاخبة" أو "الروح الحية" (1).
الصوت الستيني: "كنت انتمي الى الحلم بفردوس سوف يعم يوماً ما العراق والوطن العربي والعالم، معتقداً ان الثمن المدفوع في الحاضر هو ضريبة الوصول الى ذلك المستقبل."(2) . ما يثير الذعر يكمن في جملة "الثمن المدفوع في الحاضر". الثمن العراقي المدفوع كان باهظاً، ولكن لم يحظ بكاتب يملك ضمير دستويفسكي اليقظ، ليرقب ويعري "الشياطين" التي قبلت بدفع الثمن الباهظ من أجل حلم لا سبيل الى تحقيقه. روسيا حظيت بدستويفسكي، وابتلينا نحن بالكاتب الثوري الذي يرقب الظاهرة ليمنحها، بمزيد من العواطف والخيال، شرعية وطأتها كالصخرة. يكتب سامي مهدي في تاريخ هذه المرحلة ليؤكد أن الأكثرية من كتاب الستينيات كانت تنتمي لتنظيمات حزبية، وأنها منيت بانتكاسات سياسية ونفسية لم تؤد بهم الى مراجعة النفس والحكمة بل الى ميول وأهواء فكرية أكثر تطرفاً. "فكان أن تسللت إليهم، بدرجات متفاوتة، الأفكار الوجودية والعدمية والتروتسكية والفوضوية، حتى أن نفراً منهم أعاد الاعتبار لتروتسكي وأفكار الأممية الثانية. وحين تألق نجم الجيفارية صار أرنستو تشي جيفارا بطلاً محبباً لدى أغلبهم، وراحت صور مقاتلي الجبال والأدغال تداعب مخيلاتهم، بل كان بعضهم يحسد الكاتب ريجس دوبريه على ما وصل اليه من شرف...وحين انفجرت أحداث أيار 1968 في فرنسا كان هناك من عثر على بغية أخرى، فصار أبطال هذه الأحداث من النجوم التي يتطلع إليها... كان أكثرهم يبحث في هذا الخليط المتنافر من الأفكار عن خلاص ما غير الخلاص الذي وعدتهم به الأحزاب التي كانوا ينتمون إليها. بل كانوا يبحثون عن مصداقية تسوغ لهم خروجهم من تلك الأحزاب، فراحوا يستقصونها في كل ما يُطرح من النظريات والأفكار والأساليب الكفاحية الجديدة، وكانت دور النشر في لبنان تلبي هذا النوع من الحاجات بحساسية تاجر عريق. فليس مستغرباً، والحالة هذه، أن يظهر بينهم من يتنطع بالتنظير للكفاح المسلح، ويختار له زاوية في مقهى يقصدها بضعة مريدين يلبون حاجة من حاجاته النفسية، ويشاركونه التفكير بمستقبل البشرية المعذبة، ويتعاطون معه نوعاً من أنواع المخدرات..." (*).
(2) الشياطين" رواية ذات أفقين: أحدهما سياسي يعالج أزمة تطرف العقائديين الستينيين في روسيا القرن التاسع عشر، الذين قاربناهم مع أزمة ستينيينا في القرن العشرين، والآخر ميتافيزيقي، ينصرف فيه دستويفسكي الى معالجة قضايا كبرى كالخير والشر، والله، والحرية.
كاتب آخر معاصر لدستويفسكي، ولا يقل شهرة وموهبة عنه، هو تورجينف، عالج أزمة تطرف الستينيين وانصرف لهم وحدهم في روايته "آباء وأبناء". والموقف منهم فيها أكثر عقلانية وموضوعية من موقف دستويفسكي، لا بل يبدو موقفاً حانياً، ولكن غير متعاطف. الأمر الذي يعكس شخصية تورجينف ذاته، مقارنة بشخصية دستويفسكي الحادة، المعتمة، الموسوسة. ومن أجل مزيد من إضاءة ظاهرة ستينيينا رأيت أن أعود الى جذور التطرف اليوتوبي لدى الشبيبة المثقفة، التي يحلو لها ان تختلق حلولاً وهمية للإنسان والمجتمع والعالم والكون، كما رأيناها في لغة فاضل العزاوي، وتحاول جاهدة أن تدفع الناس إليها داخل مخاضة من الدماء، محتفظة لنفسها بحق ارتقاء الناصية الآمنة للمراقبة. حدث هذا في القرن التاسع عشر في روسيا، وفي ثلاثينيات القرن العشرين، وفي ستينياته.
تحدث "التحولات الحاسمة في التاريخ، عندما تبدأ أشكال الحياة ومؤسساتها تعوق وتلجم القوى المبدعة الأكثر حيوية في المجتمع ـ القوى الاقتصادية، والاجتماعية، والفنية، والثقافية ـ ثم لا تقدر على مقاومتها أمام نظام اجتماعي كهذا تتحد الجماعات والأفراد من كل الأنواع والطبقات. حينها تشيع الاضطرابات (الثورة) إنها تتوقف. أو تواصل دون يقين. ولكن في روسيا، من ستينيات القرن التاسع عشر حتى ثورة أكتوبر 1917، أصبح هذا الشعور القاسي المربك، الذي تعمق عبر سنوات الاضطهاد والرعب، حالة مزمنة، وتعمداً للأذى لا يتوقف ضد الشريحة المتنورة من المجتمع الروسي. (ويواصل برلين عن تورجينف: "... إن هؤلاء الذين مازالوا يظنونه فناناً غير ملتزم، مترفعاً عن المعترك العقائدي، ربما يدهشون لمعرفة أن ما من أحد في كل تاريخ الأدب الروسي، أو ربما الأدب عامة، قد تعرض لهجوم ضار ومتواصل، من قبل اليسار واليمين مثل تورجينف.)
(3) - كانت النزعة الراديكالية لدى القلة من المثقفين باتجاه اليوتوبيا علامة فارقة للجيل الستيني في روسيا القرن التاسع عشر، ولقد انتظرت مئة سنة لكي تعاود الظهور لدى ستينيي الغرب في القرن العشرين. ولا بأس أن تجد من يمثلها لدى ستينيي العالم الثالث، في محاكاة ألفناها في حياتنا الثقافية طوال القرن العشرين. إلا أن السنوات بينهما لم تخل تماماً من نزعات تسعى الى اليوتوبيا أو تستلهمها من بعيد. حدث شيء من هذا في الثلاثينيات بين مثقفي إنكلترا، ولكن على الطراز الانكليزي الميال الى الاعتدال، بسبب اختلاف الدوافع والظروف. كانت حصة الشعراء بين المثقفين هي الأكبر، وكان أودن في موضع القيادة. ومن يراجع أوراق جيل الأربعينيات والخمسينيات من الشعراء العراقيين لابد وأن يعثر على ذات الرغبة بالمجاراة، باسم التواصل الأممي. فأسماء أودن، ستيفن سبندر، ماكليس، دَيْ لويس...كانت في متناول اليد. ولقد استبعد حينها جورج أورويل علناً، وأُلحق بالقائمة المشبوهة السوداء. كما استبعد سرّاً كل التحول الدراماتيكي الذي حل بأودن وجيله باتجاه المحافظة والدين، بعد الحرب الأهلية الاسبانية مباشرة.
كان جورج أورويل يسارياً، اندفع الى إسبانيا ليحارب في صف اليسار، ثم أصابه ما أصاب بقية رفاقه من المثقفين الانكليز من صدمات، وخيبات أمل من نزعة التطرف العقائدية. ولكنه انفرد دونهم بتكريس موهبته في معالجة المخاطر المتخفية وراء نزعة اليسار، ووراء السلطات الشمولية التي ولّدتها. رواياته في هذا الشأن أكثر من معروفة، بالرغم من أن الجيل الستيني المسيس في العراق لم يلتفت إلا الى عناوينها، في حين ذهبت نصوصها المحرمة، مع دكتور ژيڤاگو لباسترناك، أدراج الغيب. أما مقالاته، وهو كاتب مقالة من الطراز الأول، فتكاد تكون مجهولة عنواناً ونصاً. واحدة من هذه المقالات بعنوان "في بطن الحوت"(5) كتبها عام 1940. وكما عرض إزايا برلين لظاهرة المثقف اليوتوبي المتطرف في روسيا عبر رواية "آباء وأبناء" وشخص كاتبها تورجينف، يعرض جورج أورويل لظاهرة الجيل الثلاثيني الانكليزي، جيل الشاعر أودن، عبر رواية "مدار السرطان" لهنري مِللر. تتحدث المقالة عن أجيال الأدب الانكليزي الثلاثة في العصر الحديث. ما يعنيني هنا الانتفاع من عرضه لظاهرة الجيل الثالث، جيل أودن. وبعد حديثه عن الفكرة الأساسية، التي أسرت الجيل الأول من "الشعراء الجيورجيين"، وهي فكرة "جمال الطبيعة"، يتحدث عن "الإحساس التراجيدي بالحياة" للجيل الثاني، جيل إليوت أو جيل التشاؤم: "الفكرة التي لم تتمتع بوضوح كاف هي التي قادت كتاب العشرينيات الى أن يكونوا متشائمين. فما الذي يتخفى وراء كل هذا الإحساس الدائم بالانحطاط، بالجماجم والصبّار، وكل هذا التطلع وراء الايمان الضائع، والحضارات المستحيلة إن لم يكن الرخاء الجم والراحة الاستثنائية للمرحلة التي ينتمون لها ويكتبون فيها؟ في زمن كهذا فقط نجد "اليأس الكوني" قابلا للازدهار. الناس الذين ببطون جائعة لا يفكرون بهذا اليأس الكوني، ولا يفكرون حتى بالكون... مرحلة ما بين 1910-1930 كلها كانت مرحلة ازدهار ورخاء. حتى سنوات الحرب كانت محتملة مادياً. فالحرب انتهت، والسلطات الشمولية لم ترتفع بعد. المحرمات الأخلاقية والدينية بكل أنواعها قد تلاشت، والقدرة الشرائية في أحسن حال ...وليس من الصعب التمتع بتذكرة ذهاب وعودة رخيصة الى حافات الليل." ولكن ثمة شيء حدث في السنوات 30-1935. المناخ الأدبي تغير تماماً، وظهرت مجموعة جديدة من الكتاب تختلف تماماً عن الجيل الذي سبقها. استحوذت عليها فكرة "الأهداف الجدية" بدل "الإحساس التراجيدي"، وبدلاً من الاتجاه الى الكنيسة اتجهت الى الشيوعية، ومن ماركسيتها التقطت ثمرتها النبوئية، كمادة جديدة للشعر معبأة بالامكانات.
يقول سپِندر في إحدى قصائده: ( نحن لا شيء/ انحدرنا الى العتمة وسنتلاشى/فالتعرفْ إذن، أن في هذه العتمة/ أمسكنا بمحور فكرة سرّي / تدور عجلته المضاءة الحية في سنوات المستقبل خارجاً.) طبعاً أن تكون شاعراً ماركسياً لا يعني لدى جيل أودن أن تكون قريباً من الجماهير. على أن هذا الانتماء صار موضة المرحلة،
كان كل الكتاب المؤثرين في الثلاثينيات تقريباً ينتمون الى الطبقة الوسطى، ولم يذوقوا بحكم السن مرارة وويلات الحرب العالمية الأولى، ولا ذكرياتها. ولذا لا تبدو لهم مرعبةً مفردات مثل: التطهير، الشرطة السرية، الإعدامات الجماعية، السجن بلا محاكمة...الخ. إنهم قادرون على قبول فكرة السلطة الشمولية لأنهم لا يملكون غير خبرة الليبرالية. تأمل، على سبيل المثال، هذا المقطع من قصيدة "إسبانيا" للسيد أودن (وهذه القصيدة بحكم الصدفة من بين القصائد القليلة المهذبة، التي كتبت حول الحرب الاسبانية)) الغد للشبيبة، وكالقنابل يتفجر الشعراء،/ التجوال بمحاذاة البحيرة، أسابيع الألفة الحميمة، والغد لرهان الدراجات) (تقطع الضواحي في مساءات الصيف. ولكن لهذا اليوم النضال. لهذا اليوم المزيد المتعمّد من فرص الموت، والرضا الواعي بالذنب في الجريمة الواجبة: لهذا اليوم اتساع القدرات / في المنشور الزائل ولقاءات الخلايا الممل.
"هناك أكثر من نوع من أنواع عدم القدرة على تحمل المسؤولية بين الكتاب. التيار المعتاد نجده بين الكتاب الذين لا يرغبون في ربط أنفسهم بحركة التاريخ: منهم من يحاول تجاهلها، أو من يحاول الوقوف ضدها. الذين استطاعوا تجاهلها قد يبدون حمقى، والذين فهموها بعمق من أجل امتلاك القدرة على الوقوف ضدها قد يحصلون على رؤية كافية لمعرفة أنهم لن يستطيعوا تحقيق النصر...في الجانب الآخر هناك "التقدميون" التظاهريون، المندفعون أبداً الى الأمام لمعانقة إسقاطات ذاتية يتوهمونها مستقبلاً. كتاب العشرينيات التزموا الخط الأول، أما الخط الثاني فالتزمه كتاب الثلاثينيات..) و(تكمن "أهمية عمل هنري مِللر "مدار السرطان" في تجنبه الالتزام بأي من الخطين السابقين. إنه لم يحاول أن يدفع حركة التاريخ الى الأمام، كما أنه لم يحاول سحبها الى الوراء. ولكنه أيضاً لم يحاول تجاهلها. إنه في موقفه هذا قد يكون أكثر صلابة في الاعتقاد بالانهيار الوشيك للحضارة الغربية من الأكثرية الساحقة من الكتاب "الثوريين". فقط لم يكن يشعر أنه ملزم بعمل أي شيء تجاهها. إنه عازف الكمان أمام روما التي تحترق. ولكنه، على خلاف أكثرية الناس الذين يعزفون مثله، كان يعزف كمانه ووجهه لا يفارق التحديق باللهب.
(4) - (من بين "الروح الحية" و"الموجة الصاخبة" للستينيين في العراق لم تخرج إلا بضعة أصوات شعرية خفيضة، أعطت شرعية لبضعة تنهدات رأت فيها "صوتاً إنسانياً"، إذ ان تلك الروح الحية والموجة الصاخبة عكست ا الرغبة في "تجريد" الانسان الى مجموعة أفكار.) حين جاءتنا قصائد أدونيس كانت، كما شاء لها الشاعر أن تكون، "إنجيل الرفض". طبعاً لم يسعَ أحد لتحديد معنى هذا الرفض وحدوده، ولا حتى أدونيس نفسه. كان الجميع يطمع به رفضاَ شاملاً لكل ما أعطاه التاريخ، والخبرة. وقبولاً شاملاً للطبيعة، بكل ما فيها من قوى اعتباط وفوضى (." مدينتي أرض بلا خالق/ والرفض إنجيلي"، وأنا في حمى البحث عن خالق، وحمى البحث عن الرضا. وأغني عبد الصبور في ذات الوقت: "حين فقدنا الرضا/ بما يريدُ القضا/ لم تثمر الأشجار...". إزدواجية المثقف بي هي التي أنهكت قواي الروحية والجسدية في تلك المرحلة المبكرة من التكوين. ولكن مناعة الشاعر ضد مرض تحويل الانسان الى رمز، وضد سحر الايمان العقائدي كانت ثابتة .(و (.. قبل مجيء أدونيس كان الشعر العراقي قد قطع شوطاً مثيراً في إنضاج صفتين متناقضتين، ما كانت لتنتصر واحدة على أخرى لولا الظرف السياسي الذي طوى الشعر والشعراء تحت جناحيه. الأولى صفة الشاعر المتسائل، والثانية صفة اليقيني. شاعر الحيرات اكتشف حيرته مع اكتشافه عنصر الجدة في الشعر. ولذلك بدت الحيرة والجدة وجهين لجوهر شعري. شاعر اليقين جاءت به الحداثة، لا الجدة. لأن الجدة اكتشاف، في حين لا تعدو الحداثة أن تكون استيراداً من مكان وزمان الحداثة الغربية. وكما أن الجدة ابتكار في قوى التعبير الشعري، تبدو الحداثة استيراد أفكار ومفاهيم.((*)(1)- كتابان عن مرحلة الستينيات. (2) الروح الحية، فاضل العزاوي،(ص78. -)(3 (الموجة الصاخبة، سامي مهدي،ص 19 – ص20 .
(يتبع) الحلقة القابلة ( 29)
أضافة تعليق
{ الصفحة الأخيرة } { من 267 } { الصفحة التالية }
----------------------------------------------------------------------------- |